/////// ////
الثلاثاء , مايو 23 2017

السيرة النبوية للصلابي ج2 فصل17 :: غزوة تبوك

اشتهرت هذه الغزوة باسم غزوة تبوك، نسبة إلى مكان هو عين تبوك، التي انتهى إليها الجيش الإسلامي، وأصل هذه التسمية جاء في صحيح مسلم, فقد روي بسنده إلى معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي».

banar_group

السيرة النبوية

عرض وقائع وتحليل أحداث

للدكتور علي محمد الصلابي

الجزء الثاني

====================================

 

الفصل السابع عشر
 غزوة تبوك 9هـ وهي غزوة العسرة
المبحث الأول: تاريخ الغزوة، وأسماؤها وأسبابها
أولاً: تاريخها وأسماؤها
ثانيًا: أسبابها
ثالثًا: الإنفاق في هذه الغزوة وحرص المؤمنين على الجهاد
رابعًا: موقف المنافقين من غزوة تبوك
خامسًا: إعلان النفير وتعبئة الجيش
المبحث الثاني: أحداث في الطريق والوصول إلى تبوك
أولاً: قصة أبي ذر الغفاري
ثانيًا: قصة أبي خيثمة
ثالثًا: الوصول إلى تبوك
رابعًا: وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش عند مروره بحجر ثمود
خامسًا: وفاة الصحابي عبد الله ذو البجادين t
سادسًا: بعض المعجزات التي حدثت في الغزوة
سابعًا: حديث القرآن الكريم عن مواقف المنافقين أثناء الغزوة
المبحث الثالث: العودة من تبوك إلى المدينة وحديث القرآن الكريم
               في المخلفين عن الغزوة وعن مسجد الضرار
أولاً: المخلفون الذين لهم أعذار شرعية وعذرهم الله سبحانه وتعالى
ثانيًا: المخلفون الذين ليس لهم أعذار شرعية وتاب الله عليهم
ثالثًا: المخلفون من منافقي الأعراب الذين يسكنون حول المدينة
رابعًا: المخلفون من منافقي المدينة
خامسًا: مسجد الضرار
المبحث الرابع: قصة الثلاثة الذين خلفوا
المبحث الخامس: دروس وعبر وفوائد
أولاً: معالم من المنهج القرآني في الحديث عن غزوة تبوك
ثانيًا: ممارسة الشورى في هذه الغزوة
ثالثًا: التدريب العملي العنيف
رابعًا: أهم نتائج الغزوة
المبحث السادس: أهم الأحداث ما بين غزوة تبوك وحجة الوداع
أولاً: وفد ثقيف وإسلامهم
ثانيًا: وفاة زعيم المنافقين عبد الله ابن سلول
ثالثًا: تخير النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته
رابعًا: حج أبي بكر رضي الله عنه بالناس
خامسًا: عام الوفود 9هـ
سادسًا: بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعليم مبادئ الإسلام وترتيب أمور الإدارة والمال
المبحث السابع: حجة الوداع 10هـ
أولاً: كيف حج النبي صلى الله عليه وسلم؟
ثانيًا: الدروس والعبر والفوائد
المبحث الثامن: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته
أولاً: الآيات والأحاديث التي أشارت إلى وفاته صلى الله عليه وسلم
ثانيًا: مرض الرسول صلى الله عليه وسلم
ثالثًا: من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيامه الأخيرة
رابعًا: أبو بكر يصلي بالمسلمين
خامسًا: الساعات الأخيرة من حياة المصطفى
سادسًا: بعض ما قيل من المراثي في وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم
الخاتمة
المصادر والمراجع
 ====================================
الفصل السابع عشر
غزوة تبوك (9هـ), وهي غزوة العسرة
المبحث الأول
تاريخ الغزوة، وأسماؤها وأسبابها
أولاً: تاريخها وأسماؤها:
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الغزوة في رجب من العام التاسع الهجري( ) بعد العودة من حصار الطائف بنحو ستة أشهر( ).
واشتهرت هذه الغزوة باسم غزوة تبوك، نسبة إلى مكان هو عين تبوك، التي انتهى إليها الجيش الإسلامي، وأصل هذه التسمية جاء في صحيح مسلم, فقد روي بسنده إلى معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي»( ).
وللغزوة اسم آخر, وهو: غزوة العسرة، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم حينما تحدث عن هذه الغزوة في سورة التوبة، قال تعالى: ( لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 117]. وقد روى البخاري بسنده إلى أبي موسى الأشعري، قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك…, وعنون البخاري لهذه الغزوة بقوله: (باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة)( ).
لقد سميت بهذا الاسم لشدة ما لاقى المسلمون فيها من الضنك، فقد كان الجو شديد الحرارة، والمسافة بعيدة، والسفر شاقًّا لقلة المؤونة وقلة الدواب التي تحمل المجاهدين إلى أرض المعركة، وقلة الماء في هذا السفر الطويل والحر الشديد، وكذلك قلة المال الذي يجهز به الجيش وينفق عليه( ), ففي تفسير عبد الرزاق عن معمر بن عقيل قال: خرجوا في قلة من الظهر, وفي حر شديد حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة من الماء( ), وهذا الفاروق عمر بن الخطاب يحدثنا عن مدى ما بلغ العطش من المسلمين فيقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع, حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرشه فيشربه وبضعه على بطنه( ).
وللغزوة اسم ثالث هو: الفاضحة, ذكره الزرقاني –رحمه الله– في كتابه «شرح المواهب اللدنية»( ) وسميت بهذا الاسم لأن هذه الغزوة كشفت عن حقيقة المنافقين, وهتكت أستارهم، وفضحت أساليبهم العدائية الماكرة، وأحقادهم الدفينة، ونفوسهم الخبيثة, وجرائمهم البشعة بحق رسول الله والمسلمين( ).
وأما موقع تبوك فيقع شمال الحجاز, يبعد عن المدينة 778 ميلاً حسب الطريق المعبدة في الوقت الحاضر، وكانت من ديار قضاعة الخاضعة لسلطان الروم آنذاك( ).
ثانيًا: أسبابها:
ذكر المؤرخون أسباب هذه الغزوة فقالوا: وصلت الأنباء للنبي صلى الله عليه وسلم من الأنباط الذين يأتون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعا وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من مستنصرة العرب, وجاءت في مقدمتهم إلى البلقاء( ) فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغزوهم قبل أن يغزوه( ).
ويرى ابن كثير أن سبب الغزوة هو استجابة طبيعية لفريضة الجهاد؛ ولذلك عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم؛ لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله, قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) [التوبة: 123].
والذي قاله ابن كثير هو الأقرب للصواب، إضافة إلى أن الأمر الذي استقر عليه حكم الجهاد هو قتال المشركين كافة بمن فيهم أهل الكتاب, الذين وقفوا في طريق الدعوة وظهر تحرشهم بالمسلمين كما روى أهل السير( ).
ولا يمنع ما ذكره المؤرخون بأن سبب الخروج هو عزم الروم على غزو المسلمين في عقر دارهم أن يكون هذا حافزًا للخروج إليهم، لأن أصل الخروج كان واردًا.
لقد كان المسلمون على حذر من مجيء غسان إليهم من الشام, ويظهر ذلك جليا مما وقع لعمر بن الخطاب, فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا فهجرهن، ففي صحيح البخاري: وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا فنزل صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء فضرب بابي ضربًا شديدًا، وقال: أثمَّ هو؟ ففزعت، فخرجت إليه، وقال: حدث عظيم، فقلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم منه وأطول, طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه…( ).
ثالثًا: الإنفاق في هذه الغزوة وحرص المؤمنين على الجهاد:
حث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة على الإنفاق في هذه الغزوة لبعدها، وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كل حسب مقدرته, وكان عثمان t صاحب القِدْح المُعَلَّى في الإنفاق في هذه الغزوة( ), فهذا عبد الرحمن بن حباب يحدثنا عن نفقة عثمان حيث قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله, عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان، فقال: يا رسول الله, عليَّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله, عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله ينزل عن المنبر وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد هذه، ما على عثمان ما عمل بعد هذه ( ) وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنهما قال: جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها بيده ويقول: «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم -يرددها مرارًا-»( ).
وأما عمر فقد تصدق بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبا بكر بذلك, وهذا الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك حيث قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي, فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر t بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا( ).
وروى أن عبد الرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم وهي نصف أمواله لتجهيز
جيش العسرة( ).
وكانت لبعض الصحابة نفقات عظيمة، كالعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن عدي رضي الله عنهم( ).
وهكذا يفهم المسلمون أن المال وسيلة, واستطاع أغنياء الصحابة أن يبرهنوا أن مالهم في خدمة هذا الدين، يدفعونه عن طواعية ورغبة، وإن تاريخ الأغنياء المسلمين تاريخ مشرف؛ لأن تاريخ المال في يد الرجال لا تاريخ الرجال تحت سيطرة المال, وكما كان الجهاد بالنفس، فكذلك هو بالمال، وإن الذين ربوا على أن يقدموا أنفسهم، تهون عليهم أموالهم في سبيل الله تعالى( ).
إن في مسارعة الموسرين من الصحابة إلى البذل والإنفاق دليلا على ما يفعله الإيمان في نفوس المؤمنين من مسارعة إلى فعل الخير, ومقاومة لأهواء النفس وغرائزها, مما تحتاج إليه كل أمة لضمان النصر على أعدائها، وخير ما يفعله المصلحون وزعماء النهضات هو غرس الدين في نفوس الناس غرسًا كريمًا( ).
وقدم فقراء المسلمين جهدهم من النفقة على استحياء؛ ولذلك تعرضوا لسخرية وغمز ولمز المنافقين، فقد جاء أبو عقيل بنصف صاع تمر, وجاء آخر بأكثر منه، فلمزوها قائلين: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت الآية: ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ )( ) [التوبة: 79].
وقالوا: ما أعطي ابن عوف هذا إلا رياء، فكانوا يتهمون الأغنياء بالرياء ويسخرون من صدقة الفقراء( ).
لقد حزن الفقراء من المؤمنين؛ لأنهم لا يملكون نفقة الخروج إلى الجهاد, فهذا عُلَبة بن زيد أحد البكائين صلى من الليل وبكى، وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ولم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في جسد أو عرض, فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد غفر له( ).
وفي هذه القصة وما جرى فيها آيات من الإخلاص وحب الجهاد لنصرة دين الله
وبث دعوته في الآفاق, وفيها من لطف الله بضعفاء المؤمنين الذين يعيشون في حياتهم
عيشة عملية( ).
وهذا واثلة بن الأسقع نتركه يحدثنا عن قصته:… عندما نادى رسول الله في غزوة تبوك، خرجت إلى أهلي فأقبلت وقد خرج أول صحابة رسول الله فطفقت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلاً له سهمه؟ فإذا شيخ من الأنصار، فقال: لنا سهمه على أن نحمله( ) عقبة، وطعامه معنا؟ فقلت: نعم، قال فسر على بركة الله، فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء الله علينا( )، فأصابني قلائص( )، فسقتهن حتى أتيته فخرج، فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال: سقهن مدبرات, ثم قال: سقهن مقبلات، فقال: ما أرى قلائصك إلا كرامًا, إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال: خذ قلائصك يا ابن أخي فغير سهمك أردنا ( ).
وهكذا تنازل واثلة في بداية الأمر عن غنيمته ليكسب الغنيمة الأخروية، أجرًا وثوابًا يجده عند الله يوم لقائه، وتنازل الأنصاري عن قسم كبير من راحته ليتعاقب وواثلة على راحلته ويقدم له الطعام مقابل سهم آخر هو الأجر والثواب.
إنها مفاهيم تنبع من المجتمع الذي تربى على كتاب الله وسنة رسوله، لها نفس الخاصية في الإضاءة وتحمل نفس البريق، متمم بعضها لبعضها الآخر( ).
وجاء الأشعريون يتقدمهم أبو موسى الأشعري يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملهم على إبل ليتمكنوا من الخروج للجهاد, فلم يجد ما يحملهم عليه حتى مضى بعض الوقت فحصل لهم على ثلاثة من الإبل( ).
وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة ممن أقعدهم المرض أو النفقة عن الخروج إلى حد البكاء شوقًا للجهاد وتحرجًا من القعود حتى نزل فيهم قرآن: ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ) [التوبة: 91-92].
إنها صورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد على عهد رسول الله، وما كان يحسه صادقو الإيمان من ألم إذا ما حالت ظروفهم المادية بينهم وبين القيام بواجباتهم، وكان هؤلاء المعوزون وغيرهم ممن عذر الله لمرض أو كبر سن أو غيرهما يسيرون بقلوبهم مع المجاهدين( ) وهم الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم» قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر»( ).
رابعًا: موقف المنافقين من غزوة تبوك:
عندما أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم النفير ودعا إلى الإنفاق في تجهيز هذه الغزوة، أخذ المنافقون في تثبيط همم الناس قائلين لهم: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى فيهم: ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ  فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [التوبة: 81-82].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في جهازه لتبوك، للجد بن قيس: «يا جد, هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟» فقال: يا رسول الله أوتأذن لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبًا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «قد أذنت لك» ففيه نزلت الآية: ( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) [التوبة: 49]. وذهب بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم مبدين أعذارًا كاذبة ليأذن لهم بالتخلف، فأذن لهم, فعاتبه الله بقوله: ( عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) [التوبة: 43].
وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسًا منهم يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم من أحرق عليهم بيت سويلم( ).
وهذا يدل على مراقبة المسلمين الدقيقة ومعرفتهم بأحوال المنافقين واليهود، فقد كانت عيون المسلمين يقظة تراقب تحركات اليهود والمنافقين، واجتماعاتهم وأوكارهم، بل كانوا يطلعون فيها على أدقِّ أسرارهم واجتماعاتهم وما يدور فيها من حبك المؤامرات, وابتكار أساليب التثبيط, واختلاق الأسباب الكاذبة لإقناع الناس بعدم الخروج للقتال، وقد كان علاج رسول الله لدعاة الفتنة وأوكارها حازما حاسما، إذ أمر بحرق البيت على من فيه من المنافقين، وأرسل من أصحابه من ينفذه, ونفذ بحزم, وهذا منهج نبوي كريم يتعلم منه كل مسئول في كل زمان ومكان كيف يقف من دعاة الفتنة ومراكز الشائعات المضللة التي تلحق الضرر بالأفراد والمجتمعات والدول؛ لأن التردد في مثل هذه الأمور يعرض الأمن والأمان إلى الخطر وينذر بزوالها( ).
لقد تحدث القرآن الكريم عن موقف المنافقين قبل الغزوة وأثناءها وبعدها, ومما جاء من حديث القرآن الكريم عن موقف المنافقين قبل غزوة تبوك ما يتضمن استئذانهم، وتخلفهم عن الخروج، وكان ممن تخلف عبد الله بن أبيّ ابن سلول, وقد تحدث القرآن عنهم فقال تعالى: ( لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) [التوبة: 42]. فقد بين -سبحانه وتعالى- موقف المنافقين وأنهم تخلفوا بسبب بعد المسافة وشدتها، وأنه لو كان الذي دعوتهم إليه يا محمد عرضًا من أعراض الدنيا ونعيمها وكان السفر سهلا لاتبعوك في الخروج، ولكنهم تخلفوا ولم يخرجوا, فالآية تشرح وتوضح ملابسات موقفهم قبل الخروج إلى الغزوة، وأسباب هذا الموقف, ثم حكى –سبحانه- ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد عودة المؤمنين من هذه الغزوة: ( وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ). كان نزول هذه الآية قبل رجوعه صلى الله عليه وسلم من تبوك. والمعنى: وسيحلف هؤلاء المنافقون بالله -كذبًا وزورًا- قائلين: لو استطعنا -أيها المؤمنون- أن نخرج معكم للجهاد في تبوك لخرجنا، فإننا لم نتخلف عن الخروج معكم إلا مضطرين فقد كانت لنا أعذارنا القاهرة التي حملتنا على التخلف( ).
وقوله -سبحانه-: ( يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ). قال ابن عاشور: أي يحلفون مهلكين أنفسهم -أي موقعينها في الهلك, والهلك: الفناء والموت- ويطلق على الأضرار الجسمية وهو المناسب هنا أي يتسببون في ضر أنفسهم بالأيمان الكاذبة وهو ضر الدنيا وعذاب الآخرة, وفي هذه الآية دلالة على أن تعمد اليمين الفاجرة يفضي
إلى الهلاك( ).
ثم عاتب الله تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: ( عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ).
قال مجاهد( ): نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا, وهؤلاء هم فريق من المنافقين، منهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، والجد بن قيس، ورفاعة بن التابوت، وكانوا تسعا وثلاثين واعتذروا بأعذار كاذبة( ).
والآية الكريمة عتاب لطيف من اللطيف الخبير -سبحانه- لحبيبه صلى الله عليه وسلم على ترك الأولى, وهو التوقف عن الإذن إلى انجلاء الأمر وانكشاف الحال( ) ثم قال تعالى: ( لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ  إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) [التوبة: 44-45].
هذه الآيات أول ما نزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال( )، فبين –سبحانه- أنه ليس من شأن المؤمنين بالله واليوم الآخر الاستئذان وترك الجهاد في سبيل الله، وإنما هذا من صفات المنافقين الذين يستأذنون من غير عذر, وصفهم –سبحانه- بقوله: ( وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ ) أي: شكت في صحة ما جئتهم به، وقوله ( فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) أي: يتحيرون يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى وليست لهم قدم ثابتة في شيء( ).
لقد كانت غزوة تبوك منذ بداية الإعداد لها مناسبة للتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وضحت فيها الحواجز بين الطرفين، ولم يعد هناك أي مجال للتستر على المنافقين أو مجاملتهم, بل أصبحت مجابهتهم أمرًا ملحًّا بعد أن عملوا كل ما في وسعهم لمجابهة الرسول والدعوة، وتثبيط المسلمين عن الاستجابة للنفير الذي أعلنه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والذي نزل به القرآن الكريم، بل وأصبح الكشف عن نفاق المنافقين، وإيقافهم عند حدهم واجبًا شرعيًّا( ).
خامسًا: إعلان النفير وتعبئة الجيش:
أعلن النفير العام للخروج لغزوة تبوك, حتى بلغ عدد من خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ثلاثين ألفا، وقد عاتب القرآن الكريم الذين تباطأوا بقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ) [التوبة: 38].
وقد طالبهم القرآن الكريم بأن ينفروا شبابًا وشيوخًا وأغنياء وفقراء بقوله تعالى: ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )
[التوبة: 41].
لقد استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحشد ثلاثين ألف مقاتل( ) من المهاجرين والأنصار وأهل مكة والقبائل العربية الأخرى، ولقد أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم -على غير عادته في غزواته- هدفه ووجهته في القتال، إذ أعلن صراحة أنه يريد قتال بني الأصفر (الروم), علما بأن هديه في معظم غزواته أن يوري فيها( ), ولا يصرح بهدفه ووجهته وقصده, حفاظًا على سرية الحركة ومباغتة العدو( ).
وقد استدل بعض العلماء بهذا الفعل على جواز التصريح لجهة الغزو إذا لم تقتضِ المصلحة ستره، وقد صرح صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة -على غير العادة- بالجهة التي يريد غزوها وجلى هذا الأمر للمسلمين لأسباب, منها:
1- بعد المسافة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أن السير إلى بلاد الروم يعد أمرًا صعبًا؛ لأن التحرك سيتم في منطقة صحراوية ممتدة قليلة الماء والنبات، ولا بد – حينئذ- من إكمال المؤنة ووسائل النقل للمجاهدين قبل بدء الحركة؛ حتى لا يؤدي نقص هذه الأمور إلى الإخفاق في تحقيق الهدف المنشود.
2- كثرة عدد الروم, بالإضافة إلى أن مواجهتهم تتطلب إعدادًا خاصًّا، فهم عدو يختلف في طبيعته عن الأعداء الذين واجههم النبي صلى الله عليه وسلم من قبل، فأسلحتهم كثيرة، ودرايتهم بالحرب كبيرة, وقدرتهم القتالية فائقة( ).
3- شدة الزمان، وذلك لكي يقف كل امرئ على ظروفه, ويعد النفقة اللازمة له في هذا السفر الطويل لمن يعول وراءه( ).
4- أنه لم يعد مجال للكتمان في هذا الوقت، حيث لم يبق في جزيرة العرب قوة معادية لها خطرها تستدعي هذا الحشد الضخم سوى الرومان ونصارى العرب الموالين لهم في منطقة تبوك ودومة الجندل والعقبة( ).
لقد شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا الأخذ بمبدأ المرونة عند رسم الخطط الحربية، ومراعاة المصلحة العامة في حالتي الكتمان والتصريح, ويعرف ذلك من مقتضيات الأحوال( ).
ولما علم المسلمون بجهة الغزوة سارعوا إلى الخروج إليها, وحث الرسول صلى الله عليه وسلم على النفقة قائلا: «من جهز جيش العسرة فله الجنة»( ).
واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وخلَّف علي بن أبي طالب على أهله، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا وتخففا منه، فأخذ علي t سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف( ) فقال: يا نبي الله, زعم المنافقون أنك إنما خلفتني لأنك استثقلتني وتخففت مني، فقال: «كذبوا, ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك, أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي»( ) فرجع عليُّ إلى المدينة( ).
وكان استخلاف علي t في أهله باعتبار قرابته ومصاهرته, فكان استخلافه في أمر خاص، وهو القيام بشأن أهله، وكان استخلاف محمد بن مسلمة الأنصاري في الغزوة نفسها استخلافًا عامًّا، فتعلق بعض الناس بأن استخلاف علي يشير إلى خلافته من بعده، ولا صحة لهذا القول؛ لأن خلافته كانت في أهله خاصة( ).
وعندما تجمع المسلمون عند ثنية الوداع بقيادة رسول الله، اختار الأمراءَ والقادة وعقد الألوية والرايات لهم، فأعطى اللواء الأعظم إلى أبي بكر الصديق, ورايته العظمى إلى الزبير بن العوام t ودفع راية الأوس إلى أسيد بن حضير، وراية الخزرج إلى أبي دجانة، وأمر كل بطن من الأنصار أن يتخذ لواء( )، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراسة تبوك من يوم قدم إلى أن رحل منها عباد بن بشر، فكان t يطوف في أصحابه على العسكر( ), وكان دليل رسول الله في هذه الغزوة علقمة بن الفغواء الخزاعي، فقد كان من أصحاب الخبرة والكفاءة في معرفة طريق تبوك( ).
وقد انفرد الواقدي بالمعلومات عن طريق الجيش وتوزيع الرايات، وهو متروك, ولكنه غزير المعلومات في السيرة، وأخذ مثل هذه المعلومات منه لا يضر( ).
ويلاحظ الباحث التطور السريع لعدد المقاتلين بشكل عام, ولسلاح الفرسان بشكل خاص. إن الذي يدرس تاريخ الدعوة الإسلامية، ونشوء الدولة الإسلامية ومؤسساتها العامة -وفي مقدمة هذه المؤسسات الجيش الإسلامي القوة الضاربة للدولة- يلاحظ أن هناك تطورًا سريعًا جدًّا في مجال القوة العسكرية، إذ بلغ عدد المقاتلين في غزوة بدر الكبرى ثلاثمائة وثلاثة عشر مقاتلا، وفي غزوة أحد بلغ سبعمائة مقاتل تقريبا، وفي غزوة الأحزاب ثلاثة آلاف مقاتل، وفي غزوة فتح مكة عشرة آلاف مقاتل، وفي غزوة حنين بلغ العدد اثني عشر ألف مقاتل، وأخيرًا بلغ عدد المقاتلين في تبوك ثلاثين ألف مقاتل أو يزيد.
وإن الدارس يلاحظ هذا التطور السريع اللافت للنظر في مجال سلاح الفرسان, ففي غزوة بدر كان عدد الفرسان فارسين في بعض الروايات، وفي غزوة أحد لم يتجاوز عدد الفرسان ما كان في بدر, ويقفز العدد بعد ست سنوات فقط إلى عشرة آلاف فارس، وهذا يعود إلى انتشار الإسلام في الجزيرة العربية, وبخاصة في البادية، ذلك لأن أهلها يهتمون باقتناء الخيول وتربيتها أكثر من أبناء المدن( ).
* * *
المبحث الثاني
أحداث في الطريق والوصول إلى تبوك
وبعد تعبئة الجيش وتوزيع المهام والألوية والرايات, توجه الجيش الإسلامي بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، ولم ينتظر أحدًا قد تأخر, وقد تأخر نفر من المسلمين يظن فيهم خير, وكلما ذكر لرسول الله اسم رجل تأخر قال صلى الله عليه وسلم: «دعوه, إن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه»( ).
أولاً: قصة أبي ذر الغفاري:
قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرًا، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: «دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه»، حتى قيل: يا رسول الله، قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره. فقال: «دعوه, فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» وتلوَّم( ) أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيًا، ونزل رسول الله في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا ذر»( ) فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو –والله- أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده»( ), ومضى الزمان، وجاء عصر عثمان, ثم حدثت بعض الأمور وسُيِّر أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه: إذا مت فاغسلاني وكفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق, فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر. فلما مات فعلوا به كذلك فطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل
الكوفة، فقال: ما هذا؟ فقيل: جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكي، فقال:
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده»، فنزل فوليه بنفسه حتى دفنه( ).
وفي هذه القصة دروس وعبر منها:
1- ما تعرض له أبو ذر الغفاري t من الصعوبات والمخاطر التي نجاه الله منها وقواه بالصبر عليها، لقد بذل أبو ذر جهدًا كبيرًا في المشي على قدميه وهو يحمل متاعه على ظهره حتى لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين؛ لكي ينال شرف الجهاد في سبيل الله( ).
2- وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده»، دلالة واضحة -وضوح الشمس في رابعة النهار- على صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ الإخبار بأمور لا تقع ثم تقع بعد الإخبار يدل على معجزة وتكريم من الله لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه الوسيلة من إثبات النبوة كثيرة في السيرة النبوية الشريفة( ).
3- كما أن في القصة دلالة على علم ابن مسعود t وقوة ذاكرته وسرعة استحضاره لما حفظ، حيث تذكر بعد سنوات عديدة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سيئول إليه أمر أبي ذر في آخر حياته t( ).
ثانيًا: قصة أبي خيثمة:
قال ابن إسحاق:… ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أيامًا إلى أهله في يوم حارّ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه( ) قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعامًا, فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه، وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح( ) والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ, وامرأة حسناء في ماله مقيم؟! ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئا لي زادًا، ففعلتا ثم قدم ناضحه( ) فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبًا، فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة», فقالوا: يا رسول الله, هو –والله- أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولى لك( ) يا أبا خيثمة», ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا له بخير( ).
قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة في ذلك شعرًا, واسمه مالك بن قيس:
لما رأيت الناس في الدين نافقوا
أتيت التي كانت أعفَّ وأكرما
وبايعت باليمنى يدي لمحمد
فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما
تركت خضيبا( ) في العريش وصرمة( )
صفايا( ) كرامًا يسرها قد تحمما( )
وكنت إذا شك المنافق أسمحت( )
إلى الدين نفسي شطره حيث يمما( )
وفي هذه القصة دروس وعبر منها:
1- المسلم صاحب ضمير حي:
فقد رأى أبو خيثمة t ما أعدت له زوجتاه من الماء البارد والطعام مع الظل المبرد والإقامة, فتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هو فيه من التعرض للشمس والريح والحر, فأبصر وتذكر وتيقظ ضميره وحاسب نفسه، ثم عزم على الخروج، وخرج وحده يقطع الفيافي والقفار حتى التقى بعمير بن وهب الجمحي, ولعله كان قادما من مكة، فهذه الصورة تبين لنا مثلا من سلوك المتقين الذين تمر عليهم لحظات ضعف يعودون بعدها أقوى إيمانا مما كانوا عليه إذا تذكروا وراجعوا أنفسهم, وفي بيان ذلك يقول الله تبارك وتعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) [الأعراف: 201].
وقد تذكر سريعا وخرج لعله يدرك ما فاته، وظل يشعر بالذنب حتى وصل إلى
النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك وحصل على رضاه وسروره( ).
2- معرفة الرسول بأصحابه وبمعادنهم:
إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال له أصحابه: هذا راكب على الطريق مقبل: «كن أبا خيثمة», فلما اقترب وعرفوه قالوا: يا رسول الله, هو –والله- أبو خيثمة، يدل على معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه وأنه أعرفهم بمعادن رجاله، يعرف المستجيب من غيره، ويعرف التائب المنيب إلى ربه إذ زلت قدمه بسرعة رجوعه، ومعرفة خصال الرجال ومعادنهم تدل على معرفة واسعة، وخبرة مستوعبة فاحصة نتيجة التعامل والاحتكاك في ميادين
الحياة المختلفة، فقد كان يخالط الجميع، يسمع منهم ويسمعهم ويسيرون معه، ويجاهدون تحت رايته( ).
3- حزم أبي خيثمة وصبره ونفاذ عزيمته:
تأمل هذا القرار الذي اتخذه أبو خيثمة t أن يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، في هذه الرحلة المضنية، في هذه الصحراء القليلة الماء ذات الحر اللافح، لقد اتخذ هذا القرار الحازم ونفذه بدقة، فدل على قوة عزيمته وعنفوان إرادته وعلى جلده وصبره( ).
4- عتاب القائد للجندي له أثره:
وصل أبو خيثمة معترفا بذنبه، يطرح السلاح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاتبه, صلى الله عليه وسلم معاتبة تحمل في طياتها اللوم والتأنيب والتهديد, إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولى لك يا أبا خيثمة» فهي كلمة فيها معنى التهديد، ومعناها: دنوت من الهلكة.
إنه مما لا شك فيه أن هذا الكلام كان له وقعه في نفس الجندي، إذ أوقفه على حقيقة ما ارتكب من الذنب.
وهذا منهج نبوي كريم في تعليم القادة عدم السكوت على أخطاء الجنود؛ لأن ذلك يضرهم ويلحق الضرر بغيرهم، بل عليهم أن يسعوا إلى تصويب الخطأ ومحاسبة مرتكبه وتقويمه, وبذلك يكونون معلمين ومرشدين ومربين( ).
ثالثًا: الوصول إلى تبوك:
عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم لم يجد أثرًا للحشود الرومانية ولا القبائل العربية, وبالرغم من أن الجيش مكث عشرين ليلة في تبوك لم تفكر القيادة الرومانية مطلقا في الدخول مع المسلمين في قتال، حتى القبائل العربية المنتصرة آثرت السكون، أما حكام المدن في أطراف الشام فقد آثروا الصلح ودفع الجزية، فقد أرسل ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم هدية -وهي بغلة بيضاء وبرد- فصالحه على الجزية.
وأرسل خالد بن الوليد t على رأس سرية من الفرسان بلغ عددها أربعمائة وعشرين فارسا إلى دومة الجندل، واستطاع خالد بن الوليد أن يأسر أكيدر بن عبد الملك الكندي –ملكها- وهو في الصيد خارجها( ), فصالحه النبي صلى الله عليه وسلم على الجزية( ), وقد تعجب المسلمون من قباء كان أكيدر يلبسه, فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا» ( ) وقد ورد أن غنائم خالد من أكيدر كانت ثمانمائة من السبي وألف بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح( ), وقد وصلت إلى تبوك هدية ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي بغلة بيضاء وبرد، فصالحه على الجزية( ), وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدات لكل من أهل جرباء وأذرح( )، ولأهل مقنا( ) يؤدي بموجبها هؤلاء الناس من نصارى العرب الجزية كل عام، وتخضع لسلطان المسلمين، لقد انفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإمارات الواقعة في شمال الجزيرة وعقد معها معاهدات, وبذلك أمن حدود الدولة الإسلامية الشمالية( ), وبهذه المعاهدات قص صلى الله عليه وسلم أجنحة الروم، فقد كانت هذه القبائل تابعة للروم ودخلوا في النصرانية، فإقدام من أقدم منها على مصالحة رسول الله والتزامها بالجزية يعد قصًا لهذه الأجنحة، وبترًا لحبال تبعيتهم للروم، وتحريرًا لهم من هذه التبعية التي كانت تذلهم وتخضعهم لسلطان الروم، لينالوا من تساقط فتاتهم شيئا يعيشون به، وخوفا من ظلمهم لقوتهم الباطشة, وقد وفوا بعهد الصلح والتزموا أداء الجزية, فأعطوها عن يد وهم صاغرون( ), وهذه سياسة نبوية حكيمة اختطها رسول الله في بناء الدولة ودعوة الناس لدين الله، فقد استطاع أن يفصل بين المسلمين والروم بإمارات تدين للرسول بالطاعة وتخضع لحكم المسلمين، وأصبحت في زمن الخلفاء الراشدين نقاط ارتكاز سهلت مهمة الفتح الإسلامي في عهدهم, فمنها انطلقت قوات المسلمين إلى الشمال، وعليها ارتكزت لتحقيق هدفها العظيم( ).
رابعًا: وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم للجيش عند مروره بحجر ثمود:
قال أبو كبشة الأنصاري :t لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس: «الصلاة جامعة» قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره، وهو يقول: «ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم؟» فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله، قال: «أفلا أنذركم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله عز وجل لا يعبأ بعذابكم شيئًا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئًا»( ). وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود، الحجر، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة( ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم» ثم زجر( ) فأسرع حتى خلفها( ), وهذا منهج نبوي كريم في توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته إلى الاعتبار بديار ثمود، وأن يتذكروا بها غضب الله على الذين كذبوا رسوله، وألا يغفلوا عن مواطن العظة برسومها الدارسة، وأطلالها القديمة، ونهاهم عن الانتفاع بشيء مما في ربوعها، حتى الماء لكيلا تفوت بذلك العبرة، وتخف الموعظة، بل أمرهم بالبكاء، وبالتباكي، تحقيقا للتأثر بعذاب الله, ولو أنهم مروا بها كما نمر نحن بآثار السابقين،
لتعرضوا لسخط الله، فإن الغابرين شهدوا المعجزات ودلائل النبوة، وعاينوا العجائب، لكن قست قلوبهم فاستهانوا بها، وحق عليهم العذاب، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون من نقمة الله وغضبه.
إن الله عز وجل ما قص علينا من أنباء الأمم الخالية، إلا لكي نأخذ منها العظة والاعتبار، فإذا شهدنا بأعيننا ديارهم التي نزل فيها سخط المولى عز وجل وعذابه الأليم، وجب أن تكون الموعظة أشد، والاعتبار أعمق، والخوف من سخط المولى –سبحانه- أبلغ، ولهذا تسجى النبي صلوات الله وسلامه عليه بثوبه لما مر بالديار الملعونة المسخوطة واستحث خطا راحلته( ) وقال لأصحابه: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين, حذرًا أن يصيبكم ما أصابهم» ( ).
خامسًا: وفاة الصحابي عبد الله ذي البجادين( ) t:
قال عبد الله بن مسعود t: قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتبعتها، أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حضرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: «أدنيا إليَّ أخاكما» فدلياه إليه، فلما هيأه بشقه، قال: «اللهم إني أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه» قال (الراوي عن ابن مسعود): قال عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة( ).
قال ابن هشام: وإنما سمي ذا البجادين؛ لأنه كان ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك يضيقون عليه، حتى تركوه في بجاد ليس عليه غيره, فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما كان قريبا منه، شق بجاده باثنين، فاتزر بواحد واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: ذو البجادين، لذلك( ).
وفي هذه القصة دروس وحكم وفوائد منها:
1- تكريم النبي صلى الله عليه وسلم لجنوده أحياء وأمواتًا:
فهذا الفعل مع ذي البجادين يدل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تكريم أصحابه حتى في حالة الوفاة؛ لأنهم قدموا أنفسهم للجهاد في سبيل الله تاركين وراءهم أعز ما يملكون، فكانت تلك الرعاية مظهرًا من مظاهر تكريمهم في الدنيا، حيث لم يترك جثثهم تتناوشها الذئاب وغيرها من دواب الأرض؛ لكي يكون هذا التكريم من الأسباب التي تدفع غيرهم إلى الاستبسال والإقدام في ميادين الجهاد, ومن الجدير بالذكر أن هذا المبدأ لم يجد من يدعو إلى تطبيقه إلا في العصر الحديث، وبهذا يمكن أن يقال: إن رعاية القائد المسلم لشئون جنده تعد سبقا عسكريًا لم تعرفه النظم والدساتير الوضعية إلا بعد قرون طويلة، من بزوغ الإسلام( ).
فهذه صورة من البر والتكريم فريدة يتيمة، لن تجد في تاريخ الملوك والحكام من يبر ويتواضع إلى هذا المستوى، إلى حيث يوسد الحاكم فردا من رعيته بيده في مثواه الأخير، ثم يلتمس له المرضاة من رب العالمين، أما هو فقد أعلن أنه أمسى راضيا عنه( ).
2- جواز الدفن في الليل, والغبطة مشروعة في الخير:
فقد دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا البجادين ليلا، والسنة أن يعجل في دفن الميت، كما أن الغبطة وهي أن تتمنى حصول الخير لك كما حصل لغيرك من إخوانك, وهذا عكس الحسد، إذ الحسد تمنى زوال النعمة عن غيرك, والحسد كله شر كما ترى، أما الغبطة فلا تكون إلا في الخير( ), تأمل قول عبد الله بن مسعود t حينما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حق ذي البجادين: «اللهم إني أمسيت عنه راضيًا فارض عنه» فقال ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب اللحد( ) إنها كلمة كل مؤمن آمن بالله واليوم الآخر، ووقف موقفه ذاك, فقد عرفوا أين تكون ميادين التنافس( ).
سادسًا: بعض المعجزات التي حدثت في الغزوة:
ظهرت في غزوة تبوك معجزات منها:
1- الله تعالى يرسل السحاب لدعاء نبيه بالسقيا:
لما جاز النبي صلى الله عليه وسلم حجر ثمود، أصبح الناس ولا ماء لهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، واستسقى لمن معه من المسلمين، فأرسل الله -سبحانه وتعالى- سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء، فتحدث ابن إسحاق عمن قال لمحمود بن لبيد: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم والله، إن كان الرجل ليعرفه من أخيه، ومن أبيه، ومن عمه، وفي عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك، ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي، عن رجل من المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سار، فلما كان من أمر الناس بالحجر ما كان، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا، فأرسل الله السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، قالوا: أقبلنا عليه ونقول: ويحك! هل بعد هذا الشيء؟ قال: سحابة مارة( ).
2- خبر ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرًا في طريقه إلى تبوك، ضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، يقال له: عمارة بن حزم, وكان عقبيًّا بدريًّا، وهو عم بني عمرو بن حزم، وكان في رحله زيد بن اللصيت القينقاعي, وكان منافقًا.
قال زيد بن اللصيت وهو في رحل عمارة، وعمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس محمد يزعم أنه نبي؟ ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمارة عنده: «إن رجلا قال: هذا محمد يزعم أنه يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي، في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها» فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فجاءوا بها، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله لعجب من شيء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا، للذي قال زيد بن اللصيت، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي, فأقبل عمارة على زيد، يجأ في عنقه (يطعنه فيه) يقول: إليَّ عباد الله، إن في رحلي لداهية، وما أشعر، اخرج أي عدو الله( ) من رحلي فلا تصحبني، قال ابن إسحاق: فزعم بعض الناس أن زيدًا تاب بعد ذلك، وقال بعض الناس: لم يزل متهما بشر حتى هلك( ).
3- الإخبار بهبوب ريح شديدة والتحذير منها:
أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في تبوك بأن ريحًا شديدة ستهب, وأمرهم بأن يحتاطوا لأنفسهم ودوابهم فلا يخرجوا حتى لا تؤذيهم، وليربطوا دوابهم حتى لا تؤذى، وتحقق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهبت الريح الشديدة وحملت من قام فيها إلى مكان بعيد( ) فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي حميد قال: وانطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيئ( ).
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم معقبا على هذا الحديث: هذا الحديث فيه هذه المعجزة الظاهرة من إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيب وخوف الضرر من القيام وقت الريح( ).
4- تكثير ماء عين تبوك والإخبار بما ستكون عليه من خصب:
قال معاذ بن جبل t: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك, وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي» فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك( ), تبض( ) بشيء من ماء، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل مسستما من مائها شيئا؟» قالا: نعم، فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء,
وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يديه ووجهه, ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر حتى استقى الناس( ).
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانًا» ( ), لقد كانت منطقة تبوك والوادي الذي كانت فيه العين منطقة جرداء لقلة الماء، ولكن الله -عز وجل- أجرى على يد رسوله صلى الله عليه وسلم بركة تكثير هذا الماء حتى أصبح يسيل بغزارة، ولم يكن هذا آتيا لسد حاجة الجيش، بل أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه سيستمر وستكون هناك جنان وبساتين مملوءة بالأشجار المثمرة، ولقد تحقق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فترة قليلة من الزمن، وما زالت تبوك حتى اليوم تمتاز بجنانها وبساتينها ونخيلها وتمورها، تنطق بصدق نبوة الرسول وتشهد بأن الرسول لا يتكلم إلا صدقًا, ولا يخبر إلا حقا, ولا ينبئ بشيء إلا ويتحقق( ).
5- تكثير الطعام:
قال أبو سعيد الخدري t: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله, لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا( ) فأكلنا وأدمنا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افعلوا»، فجاء عمر فقال: يا رسول الله, إنهم إن فعلوا قل الظَّهْر( ) ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع لهم بالبركة، لعل الله يجعل في ذلك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنطع( ) فبسطه، ثم دعاهم بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف الذرة، والآخر بكف التمر، والآخر بالكسرة حتى اجتمع على النطع في ذلك شيء يسير، ثم دعا عليه بالبركة، ثم قال لهم: «خذوا في أوعيتكم» فأخذوا من أوعيتهم حتى ما تركوا من المعسكر وعاء إلا ملأوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت منه فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله, لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاكٍّ فتحجب عنه الجنة»( ).
هذه بعض المعجزات والكرامات التي أظهرها الله على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك تدل على صدق نبوته ورسالته, وتدل على رفعة منزلته وتكريمه عند ربه( ).
سابعًا: حديث القرآن الكريم عن مواقف المنافقين أثناء الغزوة:
أ- قال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-:
قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونا, ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت, ولكنك منافق, لأخبرنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقا بحقب( ) ناقة رسول الله والحجارة تنكبه( )، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟».
وفي رواية قتادة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين فقالوا: يرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات.. فأطلع الله نبيه على ذلك فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «احبسوا هؤلاء الركب»، فأتاهم فقال: قلتم كذا وقلتم كذا، قالوا: فأنزل الله فيهم ما تسمعون( ), فأنزل الله تعالى: ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ  وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ) [التوبة: 64-65].
والاستفهام في قوله: ( قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ) استفهام إنكاري.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء موبخًا ومنكرًا: ألم تجدوا ما تستهزئون به في مزاحكم ولعبكم -كما تزعمون- سوى فرائض الله وأحكامه وآياته ورسوله الذي جاء لهدايتكم وإخراجكم من الظلمات إلى النور؟!
ثم بين -سبحانه- أن استهزاءهم هذا أدى بهم إلى الكفر فقال: ( لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) [التوبة: 66].
ومعنى الآية: أي لا تذكروا هذا العذر لدفع هذا الجرم، لأن الإقدام على الكفر لأجل اللعب لا ينبغي أن يكون, فاعتذاركم إقرار بذنبكم, فهو كما يقال: عذر أقبح من ذنب( ).
وقوله: ( إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) أي: إن نعف
عن بعضكم لتوبتهم وإنابتهم إلى ربهم -كمخشن بن حمير- نعذب بعضًا آخر لإجرامهم وإصرارهم عليه( ).
ب- إيذاء الرسول والمؤمنين ومحاولة اغتيال رسول الله:
وقد نزل في هؤلاء المنافقين قول الله تعالى: ( يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) [التوبة: 74].
وقد ذكر ابن كثير أن الضحاك قال: إن نفرا من المنافقين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في غزوة تبوك في بعض الليالي في حال السير, وكانوا بضعة عشر رجلا نزلت فيهم هذه الآية( ), وفي رواية الواحدي عن الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، فكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله: «يا أهل النفاق, ما هذا الذي بلغني عنكم؟» فحلفوا ما قالوا شيئا من ذلك، فأنزل الله هذه الآية إكذابًا لهم( ).
والمعنى الإجمالي للآية: (يحلفون بالله أنهم ما قالوا تلك الكلمة التي نسبت إليهم، والله يكذبهم ويثبت أنهم قد قالوا كلمة الكفر التي رويت عنهم. ولم يذكر القرآن هذه الكلمة لأنه لا ينبغي ذكرها…) ( ).
* * *
المبحث الثالث
العودة من تبوك إلى المدينة وحديث القرآن
في المخلَّفين عن الغزوة وعن مسجد الضرار
عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن مكث في تبوك عشرين ليلة( ), وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون وهو راجع إلى المدينة، ولما اقترب من المدينة خرج الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقونه, ودخل المدينة، فصلى في مسجده ركعتين ثم جلس للناس, وجاء المخلفون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقدمون له الاعتذار, وكانوا أربعة أصناف: فمنهم من له أعذار شرعية وعذرهم الله -سبحانه وتعالى-، ومنهم من ليس له أعذار شرعية وتاب الله عليهم، ومنهم من منافقي الأعراب الذين يسكنون حول المدينة، ومنهم من منافقي المدينة.
أولاً: المخلفون الذين لهم أعذار شرعية وعذرهم الله سبحانه وتعالى:
قال تعالى: ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا
أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ) [التوبة: 91، 92].
بينت هذه الآيات الكريمة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وكان لهم عذر شرعي بأنه ليس عليهم حرج وليس عليهم إثم في هذا التخلف؛ ذلك لأن لهم عذرًا شرعيًّا منعهم من الخروج, وفي المراد بالضعفاء: أنهم الزمنى والمشايخ الكبار، وقيل: الصغار, وقيل: المجانين، سموا ضعافًا لضعف عقولهم, ذكر القولين الماوردي. والصحيح أنهم الذين يضعفون لزمانة أو عمى، أو سن، أو ضعف في الجسم، والمرضى: الذين بهم أعلال مانعة من الخروج للقتال( ).
وقوله: ( وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ).
أي: ليس على الذين لا يجدون نفقة تبلغهم إلى الغزو حرج أو إثم ( إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ ) أي إذا عرفوا الحق، وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه( ).
وقوله: ( مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ) قال الطبري: يقول تعالى: ليس على من أحسن فنصح لله ورسوله في تخلفه عن رسول الله عن الجهاد معه، لعذر يعذر به, طريق يتطرق عليه فيعاقب من قبله ( وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ).
يقول تعالى: والله ساتر على ذنوب المحسنين، يتغمدها بعفوه لهم عنها، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها( ).
وقال القرطبي: الآية أصل في سقوط التكاليف عن العاجز، من جهة القوة أو العجز من جهة المال( ).
وقوله: ( وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ) معطوف على ما قبله من عطف الخاص على العام، اعتناء بشأنهم وجعلهم كأنهم –لتميزهم- جنس آخر، مع أنهم مندرجون مع الذين وصفهم الله قبل ذلك ( أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ[.
أي: لا حرج ولا إثم على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون، إذا ما تخلفوا عن الجهاد، وكذلك لا حرج ولا إثم أيضا على فقراء المؤمنين ]الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ) على الرواحل التي يركبونها لكي يخرجوا معك إلى هذا السفر الطويل, ( قُلْتَ ) لهم يا محمد( ): ( لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ), وقوله: ( تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ) أي انصرفوا وأعينهم تسيل بالدموع من شدة الحزن لأنهم لا يجدون المال الذي ينفقونه في مطالب الجهاد، ولا الرواحل التي يركبونها في حال سفرهم إلى تبوك( ).
ثانيًا: المخلفون الذين ليس لهم أعذار شرعية وتاب الله عليهم:
جاءت ثلاث آيات تتحدث عن هؤلاء المخلفين وهي:
1- قوله تعالى: ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 102].
ومعنى الآية الكريمة: أن هؤلاء الجماعة تخلفوا عن الغزو لغير عذر مسوغ للتخلف ثم ندموا على ذلك، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة كما اعتذر المنافقون, بل تابوا واعترفوا بالذنب ورجوا أن يتوب الله عليهم, والمراد بالعمل الصالح: ما تقدم من إسلامهم وقيامهم بشرائع الإسلام وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن, والمراد بالعمل السيئ: هو تخلفهم عن هذه الغزوة، وقد أتبعوا هذا العمل السيئ عملا صالحا وهو الاعتراف به والتوبة عنه.
وأصل الاعتراف الإقرار بالشيء. ومجرد الإقرار لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال والاستقبال، وقد وقع منهم ما يفيد هذا، ومعنى الخلط أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر, كقولك: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.
وفي قوله: ( عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) دليل على أنه قد وقع منهم -مع الاعتراف- ما يفيد التوبة، أو مقدمة التوبة -وهي الاعتراف- قامت مقام التوبة, وحرف الترجي وهو (عسى) هو في كلام الله –سبحانه- يفيد تحقيق الوقوع لأن الإطماع من الله سبحانه إيجاب؛ لكونه أكرم الأكرمين ( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) أي: يغفر الذنوب ويتفضل على عباده( ).
2- قوله تعالى: ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )
[التوبة: 106].
والمراد بهؤلاء المرجون -كما في الصحيحين- هلال بن أمية، وكعب بن مالك, ومرارة ابن الربيع، وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ما -مع الهمّ باللحاق به عليه الصلاة والسلام- فلم يتيسر لهم, ولم يكن تخلفهم عن نفاق –وحاشاهم- فقد كانوا من المخلصين, فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان ما كان من المتخلفين قالوا: لا عذر لنا إلا الخطيئة, ولم يعتذروا له صلى الله عليه وسلم ولم يفعلوا كما فعل أهل السواري( ), وأمر رسول الله باجتنابهم، وشدد الأمر
عليهم كما سنعلمه إن شاء الله تعالى، وقد وقف أمرهم خمسين ليلة لا يدرون ما الله -تعالى- فاعل بهم( ).
3- قال تعالى: ( وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [التوبة: 118].
والمراد بهؤلاء الثلاثة هم هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع, وفيهم نزلت هذه الآية( ), وسوف نتحدث عن هذه القصة -بإذن الله- بنوع من التفصيل لما فيها من الدروس والعبر والحكم.
ثالثًا: المخلفون من منافقي الأعراب الذين يسكنون حول المدينة:
هؤلاء المخلفون من منافقي الأعراب نزل فيهم قوله تعالى: ( وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[ [التوبة: 90].
رابعًا: المخلفون من منافقي المدينة:
قال تعالى: ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ  فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ  فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إلى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ) [التوبة: 81: 83].
هذا وقد لاحظت اختلاف سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في معاملته للمنافقين عندما اعتذروا له, عن المسلمين الصادقين, حيث إنه صلى الله عليه وسلم عامل المنافقين باللين والصفح، واختار للمسلمين الصادقين الشدة والعقوبة! ولا شك أن الشدة والقسوة في هذا المقام مع المسلمين مظهر للإكرام والتشريف، وهو ما لا يستحقه المنافقون، وكيف يستحق المنافقون أن تنزل آيات في توبتهم -على أي حال؟! إنهم كفرة، ولن ينشلهم شيء مما يتظاهرون به في الدنيا، من الدرك الأسفل في النار يوم القيامة، وقد أمر الشارع جل جلاله أن ندعهم لما تظاهروا به ونجري الأحكام الدنيوية حسب ظواهرهم، ففيم التحقيق عن بواطن أعذارهم وحقيقة أقوالهم، وفيم معاقبتهم في الدنيا على ما قد يصدر عنهم من كذب ونحن إنما نعطيهم الظاهر فقط من المعاملة والأحكام؛ كما يبدون لنا هم أيضًا الظاهر فقط من أحوالهم وعقائدهم, قال ابن القيم: وهكذا يفعل الرب –سبحانه- بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده، بأدنى زلة وهفوة, فلا يزال مستيقظا حذرًا، وأما من سقط من عين الله وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة( ).
خامسًا: مسجد الضرار:
في أثناء عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة راجعا من تبوك نزلت عليه الآيات الآتية:
( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ
وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ  لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا
لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) [التوبة: 107-108].
وسبب نزول هذه الآيات الكريمات: أنه كان بالمدينة -قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها- رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرًا إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه, وصارت للإسلام كلمة عالية, وأظهرهم الله يوم بدر, شرق اللعين أبو عامر بريقه, وبارز بالعداوة وظاهر بها, وخرج فارًّا إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فاجتمعوا بمن وافقهم في أحياء العرب فكان من أمر المسلمين ما كان, وامتحنهم الله عز وجل, وكانت العاقبة للمتقين, وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيب ذلك اليوم فجرح وكسرت رباعيته اليمنى والسفلى, وشج رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم، واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه, فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد, فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدًا طريدًا فنالته هذه الدعوة، وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ورأى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في ارتفاع وظهور ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم, فوعده ومناه, وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه, ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء, فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك, وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته, وذكروا أنهم بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية, فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: «إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله» فلما قفل عليه السلام راجعًا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم، مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة( ). هذا ما ذكره ابن كثير في سبب النزول.
أما معنى الآيات الكريمات: أخبر الله سبحانه أن الباعث لهم على بناء المسجد أربعة أمور:
1- الضرار لغيرهم، وهو المضارة.
2- الكفر بالله والمباهاة لأهل الإسلام, لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق.
3- التفريق بين المؤمنين, لأنهم أرادوا ألا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعة المسلمين، وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى.
4- الإرصاد لمن حارب الله ورسوله، أي الإعداد لأجل من حارب الله ورسوله( ).
وقد خيَّب الله –تعالى- مسعاهم، وأبطل كيدهم بأن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بهدمه وإزالته.
وقوله: ( وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى ) ذم لهم على أيمانهم الفاجرة، وأقوالهم الكاذبة؛ لذلك قال تعالى: ( وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ).
ثم نهى الله تعالى رسوله والمؤمنين عن الصلاة في هذا المسجد نهيا مؤكدًا, فقال سبحانه: ( لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ).
قال ابن عاشور: وقوله سبحانه: ( لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ) المراد بالقيام الصلاة؛ لأن أولها قيام, ووجه النهي عن الصلاة فيه أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه تكسبه يمنًا وبركة فلا يرى المسلمون لمسجد قباء مزية عليه؛ ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر، ومالك بن الدخشم مع بعض أصحابه وقال لهم: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه», ففعلوا( ) وقوله: ( لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ) احتراس مما يستلزمه النهي عن الصلاة فيه من إضاعة عبادة في الوقت الذي رغبوه للصلاة فيه, فأمره الله بأن يصلي في ذلك الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجد الضرار أن يصلي في مسجده أو في مسجد قباء، لئلا يكون لامتناعه من الصلاة من حظوظ الشيطان أن يكون صرفه عن صلاة في وقت دعي للصلاة فيه، وهذا أدب نفساني عظيم( ).
وفيه أيضا دفع مكيدة المنافقين أن يطعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه دعي إلى الصلاة في مسجدهم فامتنع فقوله: ( أَحَقُّ ) وإن كان اسم تفضيل فهو مسلوب المفاضلة؛ لأن النهي عن صلاته في مسجد الضرار أزال كونه حقيقًا بصلاته فيه أصلاً.
 ولعل نكتة الإتيان باسم التفضيل أنه تهكم على المنافقين لمجازاتهم، ظاهرا في دعوتهم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه بأنه وإن كان حقيقًا بصلاته بمسجد أسس على التقوى أحق منه، فيعرف من وصفه بأنه ( أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ) أن هذا أسس على ضدها( ).
وقد رأى ابن عاشور أن المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى أنه مسجد هذه
صفته لا مسجدا واحدا معينا، فيكون هذا الوصف كليا انحصر في فردين: المسجد النبوي, ومسجد قباء( ).
قوله تعالى: ( فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ) روى ابن ماجه أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار, إن الله قد أثنى عليكم في الطهور فما طهوركم؟» قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء، قال: فهو ذاك فعليكموه( ). وفي قصة مسجد الضرار دروس وعبر وفوائد منها:
1- الكفر ملة واحدة:
وقد تبين هذا في موقف أبي عامر الراهب من الإسلام ومن المسلمين؛ إذ غضب غضبا شديدا، وتألم لهزيمة المشركين في بدر، فأعلن عداءه للرسول, وتوجه إلى عاصمة الشرك مكة يحث أهلها على قتال المسلمين, وخرج مقاتلا معهم في أحد، وحاول تفتيت الصف الإسلامي( ) وصدق الله تعالى عندما قال: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ) [الأنفال: 73].
2- محاولة التدليس على المسلمين:
حاول المنافقون أن يضفوا الشرعية على هذا البناء وأنه مسجد بنوه لأسباب مقنعة في الظاهر، ولكن لا حقيقة لها في نفوس أصحابها، فقد جاءوا يطلبون من الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة في هذا البناء ليكون مسجدا قد باركه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فيه، فإذا حدث هذا فقد استقر قرارهم في تحقيق أهدافهم، وهذا أسلوب ماكر خبيث قد ينطلي على كثير من الناس( ).
3- فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين:
إن الباحث ليلاحظ مدى العناية الإلهية بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أطلعه الله -عز وجل- على أسرار هؤلاء المنافقين وما أرادوه من تأسيس هذا المسجد، فلولا إعلام الله لرسوله لما أدرك رسول الله حقيقة نواياهم، ولصلى في البناء فأضفى عليه الشرعية وأقبل الناس يصلون فيه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيه، وبذلك يحدث الاختلاط بين المنافقين وضعاف المسلمين فينفردون بهم وقد يؤثرون عليهم بالشائعات( ).
4- العلاج النبوي الحاسم:
إن ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمر بهدم مسجد الضرار هو التصرف الأمثل، وهذا منهج نبوي كريم سنه لقادة الأمة في القضاء على أي عمل يراد منه الإضرار بالمسلمين وتفريق كلمتهم، فالداء العضال لا يعالج بتسكينه والتخفيف منه، وإنما يعالج بحسمه وإزالة آثاره، حتى لا يتجدد ظهوره بصورة أخرى، وإن الثمار العملية، التي لمسها المسلمون على إثر تطبيق الأمر النبوي الحازم لتدلنا على أن هذه المنهجية التي نهجها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هذا المكر الخبيث, هي الطريقة المثلى لقمع حركة النفاق في المجتمع المسلم، فقد أصبح أمرهم بعد ذلك يتلاشى شيئا فشيئا حتى لم يبق منهم بعد لحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى إلا عدد قليل، ولم يعرف عنهم بعد تدمير مسجد الضرار أن قاموا بأعمال تخدم الهدف نفسه لعلمهم بنتائج العمل بعد انكشافهم( ).
5- ما يلحق بحكم مسجد الضرار:
ذكر المفسرون ما يلحق بمسجد الضرار في الحكم، فهذه بعض أقوالهم:
أ- قال الزمخشري:… وقيل كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب, فهو لاحق بمسجد الضرار( ).
علق الدكتور عبد الكريم زيدان على قول الزمخشري فقال: ولكن هل يلحق بمسجد الضرار فيهدم، كما هدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون في المدينة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدمه؟ لا أرى ذلك, وإنما يمكن أن يقال إن المسجد الذي بنى لهذه الأغراض يلحق بمسجد الضرار من جهة عدم ابتنائه على التقوى، والإخلاص الكامل لله تعالى( ).
ب- قال القرطبي في تفسيره: قال علماؤنا: وكل مسجد بني على ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه( ).
ج- وقال سيد قطب في تفسيره: هذا المسجد مسجد الضرار الذي اتخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكيدة للإسلام والمسلمين، هذا المسجد ما يزال يتخذ في صور شتى؛ يتخذ في صورة نشاط ظاهره الإسلام وباطنه لسحق الإسلام أو تشويهه… ويتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتتترس وراءها، وهي ترمي هذا الدين، ويتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام، لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يُذبح ويمحق، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب بما توحيه لهم من أن الإسلام بخير، وأنه لا داعي للخوف أو القلق عليه( ).
6- قاعدة لمعرفة ما يلحق بالمسجد الضرار:
قال الدكتور عبد الكريم زيدان: كل ما يتخذ مما هو في ظاهره مشروع، ويريد متخذوه تحقيق غرض غير مشروع، فهو ملحق بالمسجد الضرار، لأنه يحمل روحه وعناصره( ), وإذا أردنا الإيجاز قلنا في هذه القاعدة: كل ما كان ظاهره مشروعا ويريد متخذوه الإضرار بالمؤمنين فهو ملحق بالمسجد الضرار( ).
وبناء على هذه القاعدة يخرج من نطاق مسجد الضرار وما يلحق به، ما ذكره الإمام ابن القيم من مشاهد الشرك، ومن أماكن المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمر والمنكرات ونحو ذلك؛ لأن هذه المنكرات ظاهرها غير مشروع فلا تلحق به وإن استحقت الإزالة كمسجد الضرار باعتبارها منكرات ظاهرًا وباطنًا( ).
7- مساجد الضرار في بلاد المسلمين:
لا يزال أعداء الإسلام من المنافقين والملحدين، والمبشرين (المنصِّرين) والمستعمرين, يقيمون أماكن باسم العبادة وما هي لها، وإنما المراد بها الطعن في الإسلام وتشكيك المسلمين في معتقداتهم وآدابهم، وكذلك يقيمون مدارس باسم الدرس والتعليم ليتوصلوا بها إلى بث سمومهم بين أبناء المسلمين، وصرفهم عن دينهم، وكذلك يقيمون المنتديات باسم الثقافة والغرض منها خلخلة العقيدة السليمة في القلوب, والقيم الخلقية في النفوس، ومستشفيات باسم المحافظة على الصحة والخدمة الإنسانية والغرض منها التأثير على المرضى والضعفاء وصرفهم عن دينهم, وقد اتخذوا من البيئات الجاهلة والفقيرة -لاسيما في بلاد إفريقيا- ذريعة للتوصل إلى أغراضهم الدنيئة التي لا يقرها عقل ولا شرع ولا قانون( ).
إن مسجد الضرار ليس حادثة في المجتمع الإسلامي الأول وانقضت, بل هي فكرة باقية، يخطط لها باختيار الأهداف العميقة، وتختار الوسائل الدقيقة لتنفيذها, وخططها تصب في التآمر على الإسلام وأهله بالتشويه وقلب الحقائق، والتشكيك، وزرع بذور الفتن لإبعاد الناس عن دينهم وإشغالهم بما يضرهم ويدمر مصيرهم الأخروي( ).
* * *
المبحث الرابع
قصة الثلاثة الذين خلفوا
وردت قصة الثلاثة الذين خلفوا على لسان كعب بن مالك t في كتب السيرة والحديث والتفسير بروايات متقاربة في ألفاظها، ولقيت عناية فائقة في الشرح والتدريس, وكان صحيح البخاري من أكثر الكتب دقة وتفصيلا لهذه القصة( ).
ونترك كعب بن مالك t يحدثنا بنفسه حيث قال: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة( ) حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن –قط- أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان –قط- حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد, واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، وعدوًّا كثيرًا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريدون الديوان, قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله.
وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حيث طابت الثمار والظلال, وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضِ شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو( ) وهممت أن أرتحل فأدركهم, وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصًا عليه النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، ونظره في عطفيه( ) فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت, والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا( ) يزول به السراب( ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة» فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه( ) المنافقون, قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً( ) من تبوك حضرني بثي( )، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدًا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادمًا( ) زاح( ) عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه( ) وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا, فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت، فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب, ثم قال: «تعال», فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قال: قلت: بلى, إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً( ) ولكني –والله- لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن( ) الله أن يُسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليَّ فيه( ) إني لأرجو فيه عقبى الله( ), لا –والله- ما كان لي عذر، والله ما كنت -قط- أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك», فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، قال: فوالله مازالوا يؤنبونني( ) حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذِّب نفسي.
قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة. فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا -أيها الثلاثة- من بين من تخلف عنه. فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف, فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا( ) وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدَهم( ) فكنت أخرج، فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى طال ذلك عليَّ من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، -وهو ابن عمي, وأحب الناس إلي- فسلمت عليه, فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة, أنشدك بالله( ) هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينما أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام( ) ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاءني فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة( ) فالحقْ بنا نو فقلت حين قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتيممت( ) بها التنور، فسجرتها( ) به حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين
واستلبث الوحي( ) إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا, بل اعتزلها فلا تقربنها، قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل هذا.
قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله، فقالت له: يا رسول الله, إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك, فقالت: إنه -والله- ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.  فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال ابن أمية أن تخدمه، قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، قال فلبثت بذلك عشر ليالٍ، فكمل لنا خمسون ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا، قد ضاقت علىَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع( ) يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك, أبشر. قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج، قال: فآذن( ) رسول الله صلى الله عليه وسلم توبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا, فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إليَّ فرسًا، وسعى ساع من أسلم قبلي، وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس, فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أتأمم( ) رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتلقاني الناس فوجا فوجا( ) يهنئونني بالتوبة ويقولون: لتهنأك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، حوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني, والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة, قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: «لا, بل من عند الله» وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر قال: وكنا نعرف ذلك قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله, إن من توبتي أن أنخلع( ) من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر قال: وقلت: يا رسول الله, إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت, فوالله ما علمت أن أحدًا من المسلمين أبلاه( ) الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، قال: فأنزل الله عز وجل: ( لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ  وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [التوبة: 117-118] حتى بلغ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) [التوبة: 119].
قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة -قط- بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا الله حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال الله: ( سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إذا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ  يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) [التوبة: 95-96].
قال كعب: وكنا تخلفنا -أيها الثلاثة- عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه, فبذلك قال الله عز وجل: ( وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [التوبة: 118] وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا( )، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه( ). وفي هذه القصة دروس وعبر وفوائد كثيرة نذكر منها:
1- الأسلوب الجميل والبيان الرائع والأدب الرفيع:
لقد تمت صياغة هذا الحديث بأسلوب جميل، وبيان رائع، وأدب رفيع، وإنه ليعتبر
-مع أمثاله كحديث صلح الحديبية وحديث الإفك- نماذج عالية للأدب العربي الرفيع, وليت القائمين على وضع المناهج الدراسية يختارون هذه الأحاديث وأمثالها لتنمية مدارك الطلاب, وتكوين الملكة الأدبية والثروة اللغوية العالية، انظر مثلا إلى قول كعب في هذا الحديث: فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب؛ فأجمعت صدقه( ).
2- الصدق سفينة النجاة:
لقد أدرك كعب, وهلال، ومرارة -رضي الله عنهم- خطورة الكذب فعزموا على سلوك طريق الصراحة والصدق وإن عرضهم ذلك للتعب والمضايقات، ولكن كان أملهم بالله -تعالى- كبيرًا في أن يقبل توبتهم ثم يعودون إلى الصف الإسلامي أقوى مما كانوا عليه( ), وما أجمل ختم رب العالمين توبته على كعب ومن معه بقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) [التوبة: 119].
3- الهجر التربوي وأثره في المجتمع:
إن الهجر التربوي له منافعه العظيمة في تربية المجتمع المسلم على الاستقامة ومنع أفراده من التورط في المخالفات التي تكون إما بترك شيء من الواجبات أو فعل شيء من المحرمات؛ لأن من توقع أنه إذا وقع في شيء من ذلك سيكون مهجورا من جميع أفراد المجتمع, فإنه لن يفكر في الإقدام على ذلك.
ولا يغيب عن البال أن تطبيق هذا الحكم يجب أن يتم في الظروف المشابهة لحياة المسلمين في العهد النبوي المدني، حيث توجد الدولة المهيمنة والمجتمع القوي, مع أمن الوقوع في الفتنة لمن طبق عليه هذا الحكم.
وهذا الهجر التربوي يختلف عن الهجر الذي يكون بين المسلمين على أمور الدنيا, فهذا دنيوي وذاك ديني، فالهجر الديني مطلب شرعي يثاب عليه فاعله، أما الهجر الدنيوي فإنه مكروه إلا إذا زاد عن ثلاثة أيام فإنه يكون محرما( ) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ, يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا, وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» ( ) ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه»( ).
4- تنفيذ أوامر القيادة في المجتمع المسلم:
استجاب المجتمع المسلم كله لتنفيذ أمر المقاطعة والهجر الذي صدر من القائد
الأعلى صلى الله عليه وسلم وامتنعوا جميعا عن الحديث مع هؤلاء الثلاثة, ووصف كعب لنا ذلك فقال:… فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف, فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم, فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد( )… وقد أطلق كعب السلام على ابن عمه أبي قتادة فلم يرد عليه السلام, وناشده بالله مرارًا: هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، مع أنه من أحب الناس إليه، لقد كان أبو قتادة في هذا الموقف موزع الفكر بين إجابة رجل حبيب إليه عزيز عليه، وبين تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتطبيق الهجر التربوي, ولكن ليس هناك تردد بين الأمرين، فالذي أوحى به إيمان أبي قتادة هو تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم فظهر ذلك على سلوكه( ).
وقد بلغ الالتزام بالأمر النبوي في الهجر التربوي ذروته حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا باعتزال زوجاتهم حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا, فالتزم الجميع بذلك، واستأذنت زوجة هلال بن أمية -وكان شيخا طاعنا في السن لا يجد من يخدمه- فطلبت من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن لها أن تخدمه فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك شريطة ألا يقربها؛ فالتزمت رضي الله عنها( ).
5- الولاء التام لله ورسوله:
كان العدو الصليبي يراقب ويرصد ويستغل الفرصة السانحة لكي يمزق الجبهة الداخلية ويشعل نار الفتنة بين المسلمين ليوهن البنيان ويقوض الأركان, ولذلك استغل ملك غسان فرصة هجران المسلمين لكعب بن مالك t وعقوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم له, بأن يرسل سفيره لكعب برسالة خاصة منه إليه يغريه فيها, تأمل قوله: قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك( ). فكان تعليق كعب على هذه الرسالة: وهذا من البلاء أيضا، قد بلغ مني ما وقعت فيه أن طمع فيَّ رجال من أهل الشرك، ثم أحرق الرسالة( ) وهذا الموقف يدل على شدة ولاء كعب لله ورسوله وقوة إيمانه وعظمة نفسه, فقد أدرك أنها محنة جديدة أقسى من الأولى، فلا يرضيه أن يجيب ملك غسان بالسلب، أو يرمي بالكتاب ويمزقه، ولكنه رمى به في التنور ليصير رمادا، ويصير كل ما به دخانا يتبدد في الهواء، وخرج الرجل من محنته وهو أقوى ما يكون إيمانا، وأصفى ما يكون روحا، وأكرم ما يكون أخلاقا, فيالعظمة هذه النفوس المؤمنة الكبيرة( )! لقد مر كعب من فوق هذا الاختبار والابتلاء عزيزًا قويًا بإسلامه، لم يتأثر به ولا انزلق فيه( ).
6- توبة الله على العبد قيمة دينية يتطلع إليها الصادقون:
عندما نزلت الآيات الكريمة التي بينت توبة الله على هؤلاء الثلاثة كان ذلك اليوم من الأيام العظيمة عند المسلمين, ظهرت فيه الفرحة على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استنار كأنه قطعة قمر، وظهرت الفرحة على وجوه الصحابة -رضي الله عنهم- حتى صاروا يتلقون كعبًا وصاحبيه أفواجًا يهنئونهم بما تفضل الله به عليهم من التوبة, وجاء كعب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووجهه يبرق من السرور فقال له: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، وهذا يعني مقام التوبة وأنها أعظم من الدخول في الإسلام.
إن التوبة تعني عودة العبد إلى الدخول تحت رضوان الله تعالى الذي هو أعلى هدف ينشده المسلم، وبالتالي فإنه يحظى بحفظه -جل وعلا- في الدنيا وتكريمه في الآخرة، لقد كانت توبة كعب عظيمة عبر عنها بنزع ثوبيه -اللذين لا يملك يومئذ غيرهما- وإهدائهما لمن بشره( ) وعدم نسيان كعب لطلحة بن عبيد الله مصافحته وتهنئته له( ) وكذلك كانت فرحة صاحبيه عظيمة غير أن كعبا لم يذكر في هذا الخبر إلا ما جرى له( ) وقد جاء في رواية الواقدي: وكان الذي بشر هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد قال: وخرجت إلى بني واقف فبشرته فسجد، قال سعيد: فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه( ).
7- تشرع أنواع من العبادات شكرًا لله عند النعمة:
كانت فرحة كعب بن مالك بتوبة الله -سبحانه وتعالى- عليه لا تحدها حدود, ولا يتصورها مثل، وقد تفنن هو t في التعبير عنها بجملة من العبادات منها:
أ- سجود الشكر: حينما سمع كعب البشارة بتوبة الله عليه خر ساجدًا من فوره شكرًا لله
-تبارك وتعالى- فقد كان من عادة الصحابة -رضي الله عنهم- أن يسجدوا شكرًا لله -تعالى- كلما تجددت لهم نعمة أو انصرفت عنهم نقمة, وقد تعلموا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم( )
ب- مكافأة الذي يحمل البشرى: فقد نزع كعب ثوبيه اللذين كان يلبسهما، فكساهما الذي سمع صوته بالبشرى، وما كان يملك وقتئذ غيرهما، ثم استعار ثوبين فلبسهما، ولا شك أن هذا ضرب من الهبة المشروعة, فإن كان المبشر غنيا كان له هدية، وإن كان فقيرا كان له صدقة، وكلاهما إخراج المال شكرا لله –تعالى- على إنزاله الفرج( ).
ج- التصدق بالمال:  فقد جعل كعب من توبته أن ينخلع من ماله صدقة لله تعالى, لكنه -عليه الصلاة والسلام- لم يتقبل منه التصدق بجميع ماله، وقال له: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك», وكأنه يستشيره بذلك، فكانت المشورة بإمساك بعض ماله( ) وقد ثار الخلاف الفقهي فيمن نذر التصدق بجميع ماله، والصدقة مستحبة, والنذر واجب الوفاء، ولم يذهب كعب إلى النذر, وإنما استشار في الصدقة بكل المال، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بإمساك بعض ماله.
* * *
المبحث الخامس
دروس وعبر وفوائــــــد
أولاً: معالم من المنهج القرآني في الحديث عن غزوة تبوك:
إن الآيات التي أنزلها الله في كتابه المتعلقة بغزوة العسرة هي أطول ما نزل في قتال المسلمين وخصومهم, وقد بدأت باستنهاض الهمم لرد هجوم المسيحية، وإشعارهم بأن الله لا يقبل ذرة تفريط في حماية دينه ونصرة نبيه، وإن التراجع أمام الصعوبات الحائلة دون قتال الروم، يعد مزلقة إلى الردة والنفاق( ) قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ  إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [التوبة: 38، 39].
وعند التأمل في سورة التوبة يلاحظ القارئ أن لها معالم في عرضها لغزوة تبوك منها:
1- عاتب القرآن الكريم من تخلف عتابًا شديدًا، وتميزت غزوة تبوك عن سائر الغزوات بأن الله حث على الخروج فيها -وعاتب من تخلف عنها- والآيات الكريمة جاءت بذلك, كقوله تعالى: ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [التوبة: 41].
وقد ختمت الغزوات النبوية بهذه الغزوة, وقد كان تطبيقا عمليا لوضع النص القرآني في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ ) [التوبة: 123] موضع التنفيذ( ).
2- ميز القرآن الكريم هذه الغزوة عن غيرها, فسماها الله تعالى ساعة العسرة، قال تعالى: ( لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ) [التوبة: 117] فقد كانت غزوة عسرة بمعنى الكلمة.
3- من معالم منهج القرآن في عرضه لهذه الغزوة العظيمة أن الله رد على المنافقين لمزهم فقراء الصحابة عندما جاء أحدهم بنصف صاع وتصدق به, فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا إلا رياء، فنزلت الآية: ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [التوبة: 79].
4- بين القرآن الكريم أن المؤمنين الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم -وعددهم يزيد عن الثلاثين ألفا- قد كتب الله لهم الأجر العظيم( ) قال تعالى: ( وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ) [التوبة: 92].
ثانيًا: ممارسة الشورى في هذه الغزوة:
مارس رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة الشورى وقبـِل مشورة الصدِّيق والفاروق في بعض النوازل التي حدثت في الغزوة ومن هذه النوازل:
أ- قبول مشورة أبي بكر الصديق في الدعاء حين تعرض الجيش لعطش شديد:
قال عمر بن الخطاب: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع, حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقى على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله, إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله، قال: «أتحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع يديه فلم يردهما حتى حالت السماء فأظلت ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر( ).
ب- قبول مشورة عمر بن الخطاب في ترك نحر الإبل حين أصابت الجيش مجاعة:
أصابت جيش العسرة مجاعة أثناء سيرهم إلى تبوك, فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم حتى يسدوا جوعتهم، فلما أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك جاءه عمر t فأبدى مشورته في هذه المسألة, وهي أن الجند إن فعلوا ذلك نفدت رواحلهم وهم أحوج ما يكونون إليها في هذا الطريق الطويل، ثم ذكر t حلا لهذه المعضلة وهو: جمع أزواد القوم ثم الدعاء لهم بالبركة فيها، فعمل صلى الله عليه وسلم بهذه المشورة حتى صدر القوم عن بقية من هذا الطعام بعد أن ملأوا أوعيتهم منه وأكلوا حتى شبعوا.
ج- قبول مشورة عمر t في ترك اجتياز حدود الشام والعودة إلى المدينة:
عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى منطقة تبوك وجد أن الروم فروا خوفًا من جيش المسلمين، فاستشار أصحابه في اجتياز حدود الشام, فأشار عليه عمر بن الخطاب t بأن يرجع بالجيش إلى المدينة وعلل رأيه بقوله: إن للروم جموعا كثيرة وليس بها أحد من أهل الإسلام، ولقد كانت مشورة مباركة؛ فإن القتال داخل بلاد الرومان يعد أمرًا صعبًا، إذ إنه يتطلب تكتيكًا خاصًا لأن الحرب في الصحراء تختلف في طبيعتها عن الحرب في المدن, بالإضافة إلى أن عدد الرومان في الشام يقرب من مائتين وخمسين ألفـًا، ولا شك في أن تجمع هذا العدد الكبير في تحصنه داخل المدن يعرض جيش المسلمين للخطر( ).
إن ممارسة الشورى في حياة الأمة في كل شئونها السياسية والعسكرية والاجتماعية… إلخ منهج تربوي كريم سار عليه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياته.
ثالثا: التدريب العملي العنيف:
كان في خروج الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه إلى تبوك فوائد كثيرة, منها:
تدريبهم تدريبا عنيفا، فقطع بهم صلى الله عليه وسلم مسافة طويلة في ظروف جوية صعبة حيث كانت حرارة الصيف اللاهب, بالإضافة إلى الظروف المعيشية التي كانوا يعانون منها، فقد كانت هناك قلة في الماء حتى كادوا يهلكون من شدة العطش، وأيضا كانت هناك قلة في الزاد والظهر ولا شك في أن هذه الأمور تعد تدريبا عنيفا لا يتحمله إلا الأقوياء من الرجال.
وفي هذا الدرس يقول الأستاذ محمود شيت خطاب: تعمل الجيوش الحديثة على تدريب جنودها تدريبا عنيفا, كاجتياز مواقع وعراقيل صعبة جدا، وقطع مسافات طويلة في ظروف جوية مختلفة، وحرمان من الطعام والماء بعض الوقت، وذلك لإعداد هؤلاء الجنود لتحمل أصعب المواقف المحتمل مصادفتها في الحرب، لقد تحمل جيش العسرة مشقات لا تقل صعوبة عن مشقات هذا التدريب العنيف -إن لم تكن أصعب منها بكثير- لقد تركوا المدينة في موسم نضج ثمارها, وقطعوا مسافات طويلة شاقة في صحراء الجزيرة العربية صيفًا, وتحملوا الجوع والعطش مدة طويلة.
إن غزوة تبوك تدريب عنيف للمسلمين، كان غرض الرسول صلى الله عليه وسلم منه إعدادهم لتحمل رسالة حماية حرية نشر الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية… فقد كانت هذه الغزوة آخر غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم, فلابد من الاطمئنان إلى كفاءة جنوده قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى( ) وقد ساعد هذا التدريب العملي الصحابة في عصر الخلفاء فقاموا بفتح بلاد الشام وبلاد الفرس بقوة إيمانهم, وثقتهم بخالقهم, وساعدهم على ذلك لياقتهم البدنية العالية، ومعرفتهم العملية لاستخدام السيوف والرماح وأنواع الأسلحة في زمانهم.
رابعًا: أهم نتائج الغزوة:
أ- يمكن للباحث أن يلاحظ أهم نتائج هذه الغزوة وهي:
1- إسقاط هيبة الروم من نفوس العرب جميعًا -مسلمهم وكافرهم على السواء- لأن قوة الروم كانت في حس العرب لا تقاوم، ولا تغلب، ومن ثم فقد فزعوا من ذكر الروم وغزوهم، ولعل الهزيمة التي لحقت بالمسلمين في غزوة (مؤتة) كانت مؤكدة على ما ترسخ في ذهن العربي في جاهليته من أن الروم قوة لا تقهر، فكان لا بد من هذا النفير العام لإزاحة هذه الهزيمة النفسية من نفوس العرب.
2- إظهار قوة الدولة الإسلامية كقوة وحيدة في المنطقة قادرة على تحدي القوى العظمى عالميا –حينذاك- ليس بدافع عصبي أو عرقي، أو تحقيق أطماع زعامات معاصرة، وإنما بدافع تحريري؛ حيث تدعو الإنسانية إلى تحرير نفسها من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد، ولقد حققت هذه الغزوة الغرض المرجو منها بالرغم من عدم الاشتباك الحربي مع الروم الذين آثروا الفرار شمالا فحققوا انتصارا للمسلمين دون قتال، حيث أخلوا مواقعهم للدولة الإسلامية، وترتب على ذلك خضوع النصرانية التي كانت تمت بصلة الولاء لدولة الروم مثل إمارة دومة الجندل، وإمارة إيلة (مدينة العقبة حاليا على خليج العقبة), وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم كتابا يحدد ما لهم وما عليهم( ) وأصبحت القبائل العربية الشامية الأخرى التي لم تخضع للسيطرة الإسلامية في تبوك تتعرض بشدة للتأثير الإسلامي، وبدأ الكثير من هذه القبائل يراجع موقفه ويقارن بين جدوى الاستمرار في الولاء للدولة البيزنطية أو تحويل هذا الولاء إلى الدولة الإسلامية الناشئة، ويعد ما حدث في تبوك نقطة البداية العملية للفتح الإسلامي لبلاد الشام( ) وإن كانت هناك محاولات قبلها ولكنها لم تكن في قوة التأثير كغزوة تبوك, فقد كانت هذه الغزوة بمثابة المؤشر لبداية عمليات متواصلة لفتح البلدان، والتي واصلها خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، ومما يؤكد هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل موته جهز جيشا بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة ليكون رأس حربة موجهة صوب الروم، وطليعة لجيش الفتح، ضم هذا الجيش جُلَّ صحابة رسول الله، ولكنه لم يقم بمهمته إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم, ومع هذا فقد حقق الهدف المطلوب منه كما سيأتي( ) بإذن الله عند الحديث في سيرة الصديق t.
لقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسس الأولى والخطوات المثلى لفتح بلاد الشام والفتوحات الإسلامية.
3- توحيد الجزيرة العربية تحت حكم الرسول صلى الله عليه وسلم, حيث تأثر موقف القبائل العربية من الرسول صلى الله عليه وسلم والدعوة الإسلامية بمؤثرات متداخلة كفتح مكة، وخيبر, وغزوة تبوك، فبادر كل قوم بإسلامهم بعد أن امتد سلطان المسلمين إلى خطوط التماس مع الروم ثم مصالحة نجران في الأطراف الجنوبية على أن يدفعوا الجزية، فلم يعد أمام القبائل العربية إلا المبادرة الشاملة إلى اعتناق الإسلام والالتحاق بركب النبوة بالسمع والطاعة؛ ونظرا لكثرة وفود القبائل العربية التي قدمت إلى المدينة من أنحاء الجزيرة العربية بعد عودة
النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك لتعلن إسلامها هي ومن وراءها, فقد سمي العام التاسع للهجرة في المصادر الإسلامية بعام الوفود( ).
وبهذه الغزوة المباركة ينتهي الحديث عن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم التي قادها بنفسه، فقد كانت حياته المباركة غنية بالدروس والعبر التي تتربى عليها أمته في أجيالها المقبلة( ), ومليئة بالدروس والعبر في تربية الأمة وإقامة الدولة التي تحكم بشرع الله.
* * *
المبحث السادس
أهم الأحداث ما بين غزوة تبوك وحجة الوداع
أولاً: وفد ثقيف وإسلامهم:
لما انصرف الرسول صلى الله عليه وسلم عن الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، ورجع إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فرموه بالنبل، فأصابه سهم فقتله, ثم إنهم رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب الذين أسلموا, فأجمعوا على أن يرسلوا رجالا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقدم عليه ستة منهم في رمضان بعد رجوعه من تبوك سنة تسع( ).
وكان الوفد يتكون من ستة من كبار بني مالك والأحلاف، ثلاثة لكل منهما وعلى رأسهم جميعا عبد ياليل بن عمرو( ), وتكوين هذا الوفد على هذا النحو يدل على فكر سياسي عميق؛ ذلك لأن ثقيف تأمل في أن يتدخل المهاجرون من بني أمية للتوسط في إقرار الصلح مع الرسول بسبب علاقة بني أمية التاريخية بالأحلاف( ).
كان الصحابة يعرفون اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بإسلام ثقيف؛ ولذلك ما إن ظهر وفد ثقيف قرب المدينة، حتى تنافس كل من أبي بكر والمغيرة على أن يكون هو البشير بقدوم الوفد للرسول، وتنازل المغيرة لأبي بكر( ).
واستقبل الرسول الوفد راضيًا وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا, وكانت ضيافتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانوا يفدون عليه كل يوم، ويخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم، فكان عثمان كلما رجعوا وقالوا بالهاجرة، عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الدين واستقرأه القرآن، حتى فقه في الدين وعلم، وكان إذا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما عمد إلى أبي بكر، وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعجب منه وأحبه( ).
فمكث الوفد أياما يختلفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي يدعوهم إلى الإسلام، فقال له عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى أهلنا وقومنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام قاضيتكم, وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم».
قال عبد ياليل: أرأيت الزنى؟ فإنا قوم عزاب بغرب( ) لا بد لنا منه، ولا يصبر أحدنا على العزبة, قال: «هو مما حرم الله على المسلمين, يقول الله تعالى ( وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً )» [الإسراء: 32].
قال: أرأيت الربا؟ قال: «الربا حرام» قال: فإن أموالنا كلها ربا, قال: «لكم رءوس أموالكم, يقول تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ )»
[البقرة: 278].
قال أفرأيت الخمر؟ فإنها عصير أعنابنا، لا بد لنا منها.
قال: «فإن الله قد حرمها» ثم تلا رسول الله هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ [المائدة: 90].
فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض، فقال عبد ياليل: ويحكم! نرجع إلى قومنا بتحريم هذه الخصال الثلاث! والله والله لا تصبر ثقيف عن الخمر أبدا، ولا عن الزنا أبدا.
قال سفيان بن عبد الله: أيها الرجل، إن يرد الله بها خيرا تصبر عنها، قد كان هؤلاء الذين معه على مثل هذا، فصبروا وتركوا ما كانوا عليه، مع أنا نخاف هذا الرجل، قد أوطأ الأرض غلبة ونحن في حصن في ناحية من الأرض, والإسلام حولنا فاش، والله لو قام على حصننا شهرا لمتنا جوعا، وما أرى إلا الإسلام وأنا أخاف يوما مثل يوم مكة.
وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتبوا الكتاب، كان خالد هو الذي كتبه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل إليهم الطعام فلا يأكلون منه شيئًا حتى يأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا.
قالوا: أرأيت الرَّبَّة، ما ترى فيها؟ قال: «هدمها».
قالوا: هيهات لو تعلم الربة أنا أوضعنا هدمها( ) قتلت أهلنا، قال عمر بن
الخطاب t: ويحك يا عبد ياليل, إن الربة حجر لا يدري من عبده ممن لا يعبده، قال
عبد ياليل: إنا لم نأتك يا عمر, فأسلموا وكمل الصلح، وكتب ذلك الكتاب خالد بن سعيد، فلما كمل الصلح كلموا النبي صلى الله عليه وسلم يدع الربة ثلاث سنين لا يهدمها, فأبى, قالوا: سنتين، فأبى، قالوا: سنة, فأبى، قالوا: شهرًا واحدًا، فأبى أن يوقت لهم وقتًا وإنما يريدون بترك الربة لما يخافون من سفهائهم والنساء والصبيان، وكرهوا أن يروعوا قومهم بهدمها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعفيهم من هدمها( ) فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلبهم ذلك، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعفيهم من الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا خير في دين لا صلاة فيه» ( ).
لقد طلب وفد ثقيف أن يعفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض الفرائض وأن يحلل لهم بعض المحرمات إلا أنهم فشلوا في طلباتهم وخضعوا للأمر الواقع( ).
وقد أكرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفادتهم وأحسن ضيافتهم في قدومهم وإقامتهم وعند سفرهم، وأمرَّ صلى الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص على الطائف، فقد كان أحرصهم على تعلم القرآن والتفقه في الدين، وكان أصغرهم سنًا( ), ولقد تأثر الوفد من معاملة النبي صلى الله عليه وسلم ومن اختلاطهم بالمسلمين حتى إنهم صاموا ما بقي عليهم من شهر ومكثوا في المدينة خمسة عشر يوما ثم رجعوا إلى الطائف( ) وبعد رجوعهم جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة خالد بن الوليد t ومشاركة المغيرة بن شعبة( ) t وأبي سفيان بن حرب t( ) وبعثهم في أثر الوفد( ).
وبينما نجحت مساعي الوفد في إقناع ثقيف بالدخول في الإسلام وأخبروهم بمصير اللات، وإذا بالسرية قد وصلت إلى الطائف ودخل المغيرة بن شعبة في بضعة عشر رجلا يهدمون الربة( ) وكان ذلك تحت حراسة مشددة من قومه بني معتب الذين قاموا دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود( ), وخرجت ثقيف عن بكرة أبيها رجالها ونساؤها وصبيانها حتى الأبكار من خدورهن، وكانوا -لقرب عهدهم بالشرك- لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة( ).
وكان المغيرة رجلاً فيه دعابة وظرف فقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالفأس ثم سقط يركض، فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وقالوا: أبعد الله المغيرة فقد قتلته الربة، وفرحوا حين رأوه ساقطًا ( ) وقالوا مخاطبين أفراد السرية: من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها, فوالله لا تستطيع أبدًا، فوثب المغيرة بن شعبة، وقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف! إنما هي لكاع( ) حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه( ).
أكمل المغيرة بن شعبة t ومن معه هدم الطاغية حتى سووها بالأرض، وكان سادنها واقفا على أحر من الجمر ينتظر نقمة الربة وغضبها على هؤلاء العصاة( )، فما إن وصلوا إلى أساسها حتى صاح قائلا: سترون إذا انتهى أساسها يغضب الأساس غضبًا يخسف بهم( ), فلما سمع المغيرة t بذلك السخف قال لقائد السرية: دعني أحفر أساسها, فحفره حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليتها، وأخذوا ثيابها، فبهتت ثقيف( ) وأدركت الواقع الذي كانت تحجبه غشاوة على أعينهم( ).
وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليتها وكسوتها, فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، وحمدوا الله على نصرة نبيه وإعزازه دينه( ).
وتم القضاء على ثاني أكبر طواغيت الشرك في الجزيرة العربية، وحل محلها بيت من بيوت الله عز وجل يوحد فيه الرب الذي لا إله إلا هو، وذلك بتوجيه كريم من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن أبي العاص( ) t عامله على الطائف حيث أمره (بأن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم)( ).
ثانيًا: وفاة زعيم المنافقين (عبد الله بن أبيّ ابن سلول):
مرض عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، في ليالٍ بقين من شوال, ومات في ذي القعدة من السنة التاسعة( ).
قال أسامة بن زيد: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبيّ في مرضه نعوده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قد كنت أنهاك عن حب يهود»، فقال عبد الله: فقد أبغضهم سعد بن زرارة فمات( ).
ولما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما خيرني الله فقال: ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَّغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) [التوبة: 80]. وسأزيده على سبعين» قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل آية: ( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) [التوبة: 84] ( ).
وإنما صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إجراء له على حكم الظاهر وهو الإسلام، ولما فيه من إكرام ولده عبد الله -وكان من خيار الصحابة وفضلائهم- وهو الذي عرض على النبي أن يقتل أباه لما قال مقالته يوم غزوة بني المصطلق كما بينَّا، ولما فيه من مصلحة شرعية، وهي تأليف قلوب قومه وتابعيه، فقد كان يدين له بالولاء فئة كبيرة من المنافقين، فعسى أن يتأثروا ويرجعوا عن نفاقهم ويعتبروا ويخلصوا لله ولرسوله، ولو لم يجب ابنه وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح لكان سبة وعارا على ابنه وقومه، فالرسول الكريم اتبع أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نهي فانتهى( ).
وأما إعطاؤه صلى الله عليه وسلم القميص فلأن الغنى به بخل بالكرم، وقد كان من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يرد طالب حاجة قط، على أنه كان مكافأة له على إعطائه العباس عم الرسول قميصه لما جيء به أسيرًا يوم بدر، وكان من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته رد الجميل بخير منه( ).
وبموت عبد الله بن سلول تراجعت حركة النفاق في المدينة, حتى إننا لم نجد لهم حضورًا بارزًا في العام العاشر للهجرة، ولم يبق إلا العدد غير المعروف إلا لصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان( ), وكان عمر -فيما بعد- لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليه حذيفة بن اليمان؛ لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، وقد أخبره رسول الله بهم( ).
كان العام التاسع حاسمًا لحركة النفاق في المجتمع الإسلامي، فقد وصل النظام الإسلامي إلى قوته؛ ومن ثم لا بد من تحديد إطار التعامل مع كل القوى بوضوح( )، ولهذا عبر الإمام ابن القيم عن خطة الإسلام أمام المنافقين، فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمر أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم، وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونهى أن يصلى عليهم وأن يقوم على قبورهم، وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم( ).
وجاءت هذه الخطة وفق النصوص القرآنية التي احتوتها سورة التوبة (براءة), (الفاضحة) حيث يستغرق الحديث عن المنافقين أكثر من نصف السورة فيفضح نواياهم وأعمالهم ووصف أحوالهم النفسية والقلبية، وموقفهم في غزوة تبوك وقبلها وفي أثنائها وما تلاها، وكشف حقيقة حيلهم ومعاذيرهم في التخلف عن الجهاد، وبث الضعف والفتنة والفرقة في الصفوف، وإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والعمل( ).
ومن أهم الأحكام التي برزت في هذه المرحلة ضد المنافقين:
1- عدم الصلاة على من مات منهم، ودمغهم بالكفر:
( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ  وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُّعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) [التوبة: 84، 85].
2- تهديم مسجدهم الذي بنوه للإضرار بالمسلمين، وهو مسجد الضرار وقد تحدثت عنه فيما مضى بنوع من التفصيل.
3- إصدار الأمر بمجاهدة المنافقين كمجاهدة الكافرين:
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) [التحريم: 9], وسواء أكان الجهاد بالقتال أم في المعاملة والمواجهة والكشف والفضح فإن طريقة التعامل مع المنافقين بعد سورة براءة، غير المعاملة قبلها.
4- الكشف عن صفاتهم وأعمالهم بوضوح: كما جاء في سورة التوبة أيضا؛ فهم الذين قالوا تثبيطا للمسلمين: ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ) [التوبة: 81] وهم الذين يلمزون المطوعين في الصدقات ويؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول والفعل( )… إلخ. هذه معالم المنهج النبوي في التعامل مع حركة النفاق في المجتمع الإسلامي في العام التاسع الهجري.
ثالثًا: تخيير النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته (دروس في بيوتات الرسول صلى الله عليه وسلم):
قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً  وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) [الأحزاب: 28-29].
وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن نزول هاتين الآيتين كان بعد اعتزال
النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه بعد أن أقسم ألا يدخل عليهن شهرًا، فاعتزلهن في مشربة له، وهي القصة المعروفة بقصة إيلائه( ) من نسائه, وكان تاريخ نزول هذه الآيات في العام التاسع للهجرة( ).
وأما سبب نزولها فهو طلب زوجاته صلى الله عليه وسلم التوسعة عليهن في النفقة, فقد أخرج مسلم عن جابر t قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه واجمًا( ) ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, لو رأيت بنت خارجة( ) سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها( ), فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «هن حولي كما ترى يسألنني النفقة», فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: أتسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده؟! فقلن: والله لا نسأل رسول الله شيئا أبدا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية( ).
كانت الحياة المعيشية في بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم تجري على وتيرة واحدة بالرغم من إمكانية التوسع في بعض الأحيان, ونساء الرسول صلى الله عليه وسلم هن من البشر، يرغبن بما يرغب به الناس، ويشتهين ما يشتهيه الناس( ), فقد كان مساكنهن متواضعة بسيطة غاية البساطة, فقد وصفها الدكتور أبو شهبة فقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم بنى حُجرا حول مسجده الشريف لتكون مساكن له ولأهله، ولم تكن الحجر كبيوت الملوك والأكاسرة والقياصرة، بل كانت بيوت من ترفع عن الدنيا وزخرفها، وابتغى الدار الآخرة، فقد كانت –كمسجده- مبنية من اللبن والطين وبعض الحجارة، وسقوفها من جذوع النخل والجريد قريبة الفناء، قصيرة البناء، ينالها الغلام الفارع بيده, قال الحسن البصري -وكان غلاما مع أمه خيرة مولاة أم سلمة-: قد كنت أنال أطول سقف في حُجر النبي صلى الله عليه وسلم بيدي. وكان لكل حجرة بابان، خارجي وداخلي من المسجد ليسهل دخول النبي صلى الله عليه وسلم إليه( ).
وأما الإضاءة, فلم يكن هناك مصباح يستضاء به، يدل على ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح( ).
أما الفراش الذي يأوي إليه النبي -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- فهو عبارة عن رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، ووسادته من أدم حشوها ليف( ), فقد كانت معيشته صلى الله عليه وسلم تدل على الشدة, فعن أنس بن مالك t قال: ما أعلم النبي صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرققا( ) حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطًا( ) بعينه قط( ), وعن عائشة قالت: إن كنا لننظر إلى الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، فقال لها عروة بن الزبير: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء( ). هذا, وقد فتح الله على المسلمين بعد خيبر وفتح مكة، وغزوة تبوك, وقد قرأت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم آيات في كتاب الله تبيح التمتع بنعم الله دون إسراف، فرغبن أن ينالهن حظ من ذلك, كما في قوله تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) [الأعراف: 31].
وحض على أكل الطيبات من الرزق, قال سبحانه: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) [الأعراف: 32].
ودعا إلى التوسط في الإنفاق والاعتدال فيه فقال تعالى: ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ) [الإسراء: 29]. إلا أن هناك جانبا آخر يتعلق به صلى الله عليه وسلم ونمط من المعيشة اختاره بتوجيه من ربه عز وجل, فلم يلتفت لشيء من هذا كما أدبه ربه -سبحانه وتعالى- بقوله: ( لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) [الحجر: 88], وقوله سبحانه: ( وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) [طه: 131]. ولذلك جاءت آيات التخيير فوقف زوجاته صلى الله عليه وسلم من قضية التخيير موقفا حاسمًا لا تردد فيه، فإنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فقد كن يطلبن منه صلى الله عليه وسلم التوسعة في النفقة, وكن يدافعن عن ذلك ما استطعن، فلما وصل الأمر إلى وضعهن أمام خيارين: الحياة الدنيا وزينتها، أو الله ورسوله والدار الآخرة, لم يترددن لحظة واحدة في سلوك الخيار الثاني، بل قلن جميعهن بصوت واحد: نريد الله ورسوله والدار الآخرة( ).
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: «إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك», قالت: وقد علم أن أبويَّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: «إن الله -جل ثناؤه- قال: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً  وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا )» [الأحزاب: 28-29], قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت( ).
وهكذا تتجلى في موقفهن -رضي الله عنهن- صورة ناصعة لقوة الإيمان، واختبار حقيقي للإخلاص والصدق مع الله تعالى، فإن الله تعالى في الآية الأولى من آيتي التخيير يقول: ]إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ ) كالوعد بحصولهن على مبتغاهن في الحياة الدنيا وزينتها إن اخترن ذلك, ولكنهن رفضن هذا، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة, وفي قوله تعالى في الآية الثانية: ( وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) إشارة إلى أن ما ينلنه من الأجر سببه كونهن محسنات، ومن ذلك اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، إذ لا يكفي لحصولهن على هذا الأجر كونهن زوجات للرسول صلى الله عليه وسلم( ).
وتنكير الأجر, ثم وصفه بأنه عظيم، فيه ترغيب لهن بالكف عن التطلع إلى الحياة الدنيا وزينتها, فهذا الأجر لا يقدر قدره إلا الله، وهو شامل لخيري الدنيا والآخرة( ).
ولقد اعتبر الخلفاء الراشدون قصة التخيير تلك معلمًا من معالم الإسلام, ومنهجًا نبويًا كريمًا ينبغي أن يسلكه بيت القيادة في الأمة، وإن النظرة الفاحصة في التاريخ لتبين أن هذا الجانب يعد معيارًا دقيقا به يعرف القرب من الاستقامة أو البعد عنها, وقد فهم قادة الأمة المؤمنون حينما وجدوا على امتداد تاريخ الإسلام، أهمية هذا الجانب فرعوه حق رعايته، وإن الأمثلة العملية من تاريخ الخلافة الراشدة هي من الوفرة والكثرة بمكان بحيث لا تتعب الباحث في التفتيش عنها( ).
إن قيادة الأمة تكليف ومغرم وليس مغنمًا, ولا بد للذين يتولونها أن يحسبوا أهمية التعالي على حطام الدنيا، والشوق إلى الله والدار الآخرة( ).
رابعًا: حج أبي بكر t بالناس:
كانت تربية المجتمع وبناء الدولة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مستمرة على كل الأصعدة والمجالات العقائدية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والتعبدية, وكانت فريضة الحج لم تمارس في السنوات الماضية، فحجة عام 8هـ بعد الفتح كُلِّف بها عتَّاب بن أسيد، ولم تكن قد تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين( ), فلما حل موسم الحج أراد صلى الله عليه وسلم الحج, ولكنه قال: «إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» فأرسل صلى الله عليه وسلم الصدِّيق أميرًا على الحج سنة تسع، فخرج أبو بكر ومعه عدد كبير من الصحابة( ), وساقوا معهم الهدي( ) فلما خرج الصديق بركب الحجيج نزلت سورة براءة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا t وأمره أن يلحق بأبي بكر الصديق، فخرج على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء, حتى أدرك الصديق أبا بكر بذي الحليفة، فلما رآه الصديق قال له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم سارا، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة لا في شهر ذي القعدة كما قيل، وقد خطب الصديق قبل التروية ويوم عرفة ويوم النحر، ويوم النفر الأول, فكان يعرف الناس مناسكهم في وقوفهم وإفاضتهم ونحرهم، ونفرهم، ورميهم للجمرات… إلخ، وعلي يخلفه في كل موقف من هذه المواقف، فيقرأ على الناس صدر سورة براءة ثم ينادي في الناس بهذه الأمور الأربعة: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك( ). وقد أمر الصديق أبا هريرة في رهط آخر من الصحابة لمساعدة علي بن أبي طالب في إنجاز مهمته( ).
إن نزول صدر سورة براءة يمثل مفاصلة نهائية مع الوثنية وأتباعها, حيث منعت حجهم وأعلنت الحرب عليهم( ).
قال تعالى: ( بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ.فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ  وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) [التوبة: 1-3].
وقد أُمهل المعاهدون لأجل معلوم منهم إلى انتهاء مدتهم, فقال تعالى: ( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) [التوبة: 4].
كما أمهل من لا عهد له من المشركين إلى انسلاخ الأشهر الحرم، حيث يصبحون بعدها في حالة حرب مع المسلمين, قال تعالى: ( فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 5].
وقد كلف النبي صلى الله عليه وسلم عليًا بإعلان نقض العهود على مسامع المشركين في موسم الحج, مراعاة لما تعارف عليه العرب فيما بينهم في عقد العهود ونقضها, ألا يتولى ذلك إلا سيد القبيلة أو رجل من رهطه، وهذا العرف ليس فيه منافاة للإسلام؛ فلذلك تدارك النبي صلى الله عليه وسلم الأمر وأرسل عليًا بذلك, فهذا هو السبب في تكليف علي بتبليغ صدر صورة براءة, لا ما زعمته الرافضة من أن ذلك للإشارة إلى أن عليًا أحق بالخلافة من أبي بكر, وقد علق على ذلك الدكتور محمد أبو شهبة فقال: ولا أدري كيف غفلوا عن قول الصديق له: أمير أم مأمور؟( ) وكيف يكون المأمور أحق بالخلافة من الأمير؟!( ).
وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى وهي حجة الوداع( ). لقد أعلن في حجة أبي بكر أن عهد الأصنام قد انقضى، وأن مرحلة جديدة قد بدأت، وما على الناس إلا أن يستجيبوا لشرع الله تعالى، فبعد هذا الإعلان الذي انتشر بين قبائل العرب في الجزيرة، أيقنت تلك القبائل أن الأمر جد، وأن عهد الوثنية قد انقضى فعلا, فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلامها ودخولها في التوحيد( ).
خامسًا: عـــــام الوفـــــود (9هـ):
لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وفرغ من تبوك, وأسلمت ثقيف وبايعت, وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمد أربعة أشهر لقبائل العرب المشركين لكي يقرروا مصيرهم بأنفسهم قبل أن تتخذ الدولة الإسلامية منهم موقفا معينا، ضربت إليه وفود العرب آباط الإبل من كل وجه معلنة إيمانها وولاءها( ), وقد اختلف العلماء في تاريخ مقدم الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عددها, حيث أشارت المصادر الحديثة والتاريخية إلى قدوم بعض الوفود إلى المدينة في تاريخ مبكر عن السنة التاسعة؛ ولعل مما أدى إلى الاختلاف في تحديد عدد الوفود بين ما يزيد على ستين وفدا عند البعض، وليرتفع فيبلغ أكثر من مائة وفد عند آخرين، ولعل البعض قد اقتصر على ذكر المشهور منهم( ) فقد أورد محمد بن إسحاق أنه: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة، وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت, ضربت إليه وفود العرب من كل وجه( ).
وقد استقصى ابن سعد في جمع المعلومات عن الوفود، كما فصل كثيرًا وقدم ترجمات وافية عن رجال الوفود، ومن كانت له صحبة منهم، وما ورد عن طريقهم من آثار, ولا تخلو أسانيد ابن سعد -أحيانا- من المطاعن، كما أن فيها أسانيد من الثقات أيضا( ) ولا شك في أن الأخبار التي أوردها المؤرخون ليست ثابتة بالنقل الصحيح المعتمد وفق أساليب المحدثين, رغم أن عددا كبيرا من المرويات عن تلك الوفود ثابتة وصحيحة( ) فقد أورد البخاري معلومات عن وفد قبيلة تميم وقدومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم, ووفود أخرى مثل: عبد القيس, وبني حنيفة، ووفد نجران، ووفد الأشعريين، وأهل اليمن، ووفد دوس( ) وتعززت أخبار هذه الوفود بمعلومات إضافية وردت في مصادر تاريخية إلى جانب ما ورد عنها في كتب السير والمغازي( ) وقد أورد مسلم أخبارا عن أغلب الوفود المذكورة آنفا( ) كما أوردت بقية الكتب الستة معلومات أوسع شملت عددًا كبيرًا من الوفود( ).
إن قصص الوفود وأخبارها وكيفية تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم معها من الأهمية بالمكان الكبير( ) وتبقى مسألة الحاجة الماسة إلى نقد تاريخي لمتون الأخبار المفصلة التي وصلتنا عن الوفود( ). لقد تركت لنا تلك الأخبار والقصص منهجًا نبويًا كريمًا في تعامله صلى الله عليه وسلم مع الوفود يمكننا الاستفادة من هديه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع النفسية البشرية وتربيته ودقته وتنظيمه, ففيها ثروة هائلة من الفقه الذي يدخل في دوائر التعليم والتربية والتثقيف وبعد النظر وجمع القلوب على الغاية, وربط أفراد بأعينهم بالمركز بحيث تبقى في كل الظروف والأحوال مرتكزات قوية إلى الإسلام, إلى غير ذلك من مظاهر العظمة للعاملين في كل الحقول نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وإداريًا وسياسيًا وعسكريًا تعطي لكل عامل في جانب من هذه الجوانب دروسا تكفيه وتغنيه( ) هذا وقد تميز العام التاسع بتوافد العرب إلى المدينة, وقد استعدت الدولة الإسلامية لاستقبالهم وتهيئة المناخ التربوي لهم، وقد تمثل هذا الاستقبال، بتهيئة مكان إقامة لهم وكانت هناك دار للضيافة( ) ينزل فيها الوافدون، وهناك مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان ساحة للاستقبال، ثم كان هناك تطوع أو تكليف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة باستضافة بعض القادمين( ) واهتم صلى الله عليه وسلم بتلك الوفود وحرص على تعليمها وتربيتها، وقد كانت تلك الوفود حريصة على فهم الإسلام وتعلم شرائعه وأحكامه، وآدابه، ونظمه في الحياة، وتطبيق ما علموه تطبيقا عمليا، جعلهم نماذج حياة لفضائله، وقد كان لكثير منهم تساؤلات عن أشياء كانت شائعة بينهم ابتغاء معرفة حلالها وحرامها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا أشد الحرص على تفقيههم في الدين، وبيان ما سألوه عنه, وكان صلى الله عليه وسلم يدني منهم من يعلم منه زيادة حرص على القرآن العظيم وحفظ آياته تفقهًا فيه ويقول لأصحابه: فقهوا إخوانكم( ) وكان صلى الله عليه وسلم يسأل عمن يعرف من شرفائهم، فإذا رغبوا في الرحيل إلى بلادهم أوصاهم بلزوم الحق، وحثهم على الاعتصام بالصبر، ثم يجزيهم بالجوائز الحسان، ويسوي بينهم, فإذا رجعوا إلى أقوامهم رجعوا هداة دعاة مشرقة قلوبهم بنور الإيمان، يعلمونهم مما علموا، ويحدثونهم بما سمعوا، ويذكرون لهم مكارم النبي وبره وبشره واستنارة وجهه سرورا بمقدمهم عليه، ويذكرون لهم ما شاهدوه من حال أصحابه في تآخيهم وتحاببهم, ومواساة بعضهم بعضًا ليثيروا في أنفسهم الشوق إلى لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقاء أصحابه, ويحببوا إليهم التأسي بهم في سلوكهم ومكارم أخلاقهم( ) واختارت بعض الوفود البقاء على نصرانيتها كوفود نصارى نجران ووافقت على دفع الجزية، ونحاول أن نتحدث عن بعض الوفود لما في ذلك من الفقه والدروس والعبر, كوفد عبد القيس، وبني سعد بن بكر ووفد نصارى نجران:
أ- وفد عبد القيس:
وقد تحدث ابن عباس رضي الله عنهما عن قدومهم فقال:
إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من الوفد؟» أو «من القوم؟» قالوا: ربيعة قال: «مرحبا بالقوم( ) -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى» ( ). قال: فقالوا: يا رسول الله, إنا نأتيك من شقة بعيدة( ) وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل( ) نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة، قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «هل تدرون ما الإيمان بالله؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خُمسا من المغنم» ونهاهم عن الدباء( ) والحنتم( ) والمزفت( ) وربما قال النقير( ) أو المقير، وقال: «احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم» ( ) وفي رواية: أن الأشج بن عبد القيس تخلف في الركاب حتى أناخها، وجمع متاع القوم، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله» فقال: جبل جبلت عليه أم تخلقا مني؟ قال: «بل جبل» قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله( ).
وقد انشغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقدمهم وأخر صلاة السنة البعدية بعد الظهر وصلاها بعد العصر( ).
ب- وفد ضمامة بن ثعلبة عن قومه بني سعد بن بكر:
قال أنس بن مالك t: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد, ثم علقه, ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك. فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أسألك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد( ) عليَّ في نفسك, فقال: «سل عما بدا لك» فقال: أسألك بربك وربِّ من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: «اللهم نعم» قال: أنشدك بالله, آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها في فقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم نعم». فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي, وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر( ).
وفي رواية ابن عباس… حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم, وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص.
قال: ثم انصرف راجعا إلى بعيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولَّى: «إن يصدق ذو العقيصتين( ) يدخل الجنة» قال: فأتى إلى بعيره، فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه, فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى، قالوا: صه يا ضمام اتق البرص والجذام، اتق الجنون، قال: ويلكم! إنهما –والله- لا يضران ولا ينفعان، إن الله عز وجل قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا, قال: يقول ابن عباس رضي الله عنهما: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة( ).
وتدل قصة إسلامه على مدى انتشار تعاليم الإسلام في وسط القبائل العربية، حتى جاء ضمام لا ليسأل عنها، ولكن جاء ليستوثق منها، معددا لها الواحدة تلو الأخرى، مما يدل على استيعابه لها قبل مجيئه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم( ).
ج- وفد نصارى نجران:
كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران( ) كتابا قال فيه: أما بعد, فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد, فإن أبيتم فالجزية, فإن أبيتم آذنتكم بحرب، والسلام( ).
فلما أتى الأسقف الكتاب، جمع الناس وقرأه عليهم، وسألهم عن الرأي فيه, فقرروا أن يرسلوا إليه وفدًا يتكون من أربعة عشر من أشرافهم، وقيل ستين راكبًا، منهم ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب، وهو أميرهم وصاحب مشورتهم والذي يصدرون عن رأيه، والسيد وهو صاحب رحلتهم، وأبو الحارث أسقفهم وحبرهم وصاحب مدارسهم. فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة، وأردية مكفوفة بالحرير، وفي أيديهم خواتيم الذهب، فقاموا يصلون في المسجد نحو المشرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوهم».
ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنهم، ولم يكلمهم، فقال لهم عثمان: من أجل زيكم هذا، فانصرفوا يومهم هذا، ثم غدوا عليه بزي الرهبان فسلموا عليه، فرد عليهم ودعاهم إلى الإسلام، فأبوا وقالوا: كنا مسلمين قبلكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يمنعكم من الإسلام ثلاث: عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولدًا»( ) وكثر الجدال والحجاج بينه وبينهم، والنبي يتلو عليهم القرآن ويقرع باطلهم بالحجة, وكان مما قالوه لرسول  الله صلى الله عليه وسلم: ما لك تشتم صاحبنا وتقول إنه عبد الله، فقال: «أجل إنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول»، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله؟ فأنزل الله في الرد عليهم قوله سبحانه: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ ) [آل عمران: 59-60].
فكانت حجة دامغة شبه فيها الغريب بما هو أغرب منه( ), فلما لم تُجْدِ معهم المجادلة بالحكمة والموعظة الحسنة دعاهم إلى المباهلة( ) امتثالا لقوله تعالى: ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) [آل عمران: 61].
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه علي، والحسن والحسين، وفاطمة وقال: «وإذا أنا دعوت فأمنوا»( ) فائتمروا فيما بينهم فخافوا الهلاك لعلمهم أنه نبي حقًّا، وأنه ما باهل قوم نبيًا إلا هلكوا، فأبوا أن يلاعنوه وقالوا: احكم علينا بما أحببت، فصالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في صفر( ) ولما عزموا على الرجوع إلى بلادهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ابعث معنا رجلاً أمينًا ليقبض منهم مال الصلح, فقال لهم: «لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين» فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح»، فلما قام قال: «هذا أمين هذه الأمة»( ).
سادسًا: بعوث رسول الله لتعليم مبادئ الإسلام وترتيب أمور الإدارة والمال:
كانت الوفود تسعى إلى المدينة لتعلن إسلامها وتنضوي تحت سيادة الدولة الإسلامية ويتعلموا ما شاء الله أن يتعلموه في المدينة قبل رجوعهم إلى موطنهم، وكان صلى الله عليه وسلم يرسل معهم من يعلمهم دينهم، وشرع صلى الله عليه وسلم يبعث دعاته في شتى الجهات, واهتم بجنوب الجزيرة حيث قبائل اليمن لتعليمهم مبادئ الإسلام وأحكامه, فقد انتشر أمر الإسلام في الجزيرة ومختلف أطرافها، وأصبحت الحاجة داعية إلى معلمين ودعاة ومرشدين يشرحون للناس حقائق الإسلام( ) لكي تتطهر قلوبهم وتشفى صدورهم من أمراض الجاهلية وأدرانها الخبيثة، وامتنعت قبيلة بني الحارث بن كعب عن الدخول في الإسلام، فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدًا في سرية دعوية جهادية.
أ- بعث خالد إلى بني الحارث بن كعب (10هـ):
كان بنو الحارث بن كعب يسكنون بنجران, ولم يقبل منهم أحد الإسلام، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى سنة عشر، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا قبل منهم، وإن لم يفعلوا قاتلهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم, فبعث الركبان في كل وجه يدعون إلى الإسلام، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم كتب خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه بإسلامهم وأنه مقيم فيهم حتى يكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بأن يقبل إلى المدينة ومعه وفد منهم ففعل، فلما قدموا أمَّر عليهم قيس بن الحصين، وبعث إليهم بعد ذلك عمرو بن حزام ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة، ومعالم الإسلام( ) وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم أرسل عليًا بدلاً من خالد, وعندما وصل إلى قبائل همدان قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعًا, فكتب علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم, فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خرَّ ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان, السلام على همدان. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على الجبهة الجنوبية للدولة وأن تدخل قبائل اليمن في الإسلام, وظهر هذا الاهتمام في النتائج الباهرة التي حققتها الدعوة في كثرة عدد الوفود التي كانت تنساب من كل أطراف اليمن متجهة إلى المدينة؛ مما يدل على أن نشاط المبعوثين إلى اليمن كان متصلا وبعيد المدى، وكانت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم تساند هذا النشاط الدعوي السلمي حيث بعث خالد بن الوليد ثم علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- في هذا السياق( ).
إن الوثائق التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع قبائل اليمن وحضرموت قد بلغت عددا كبيرا ضمنها محمد حميد الله -رحمه الله- في كتابه (مجموعة الوثائق السياسية)( ).
إن التركيز على مفاصل القوى، ومراكز التأثير في المجتمعات وبناء الدول، منهج نبوي كريم حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ممارسته في حياته.
ب- بعث معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- إلى اليمن:
1- بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل الأنصاري أعلم الصحابة في علم الحلال والحرام إلى اليمن قاضيا ومفقها، وأميرًا، ومصدقًا( )، وجعله على أحد مخلافيها( ) وهو الأعلى, ولما خرج معاذ قاصدا اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعه ويوصيه، ومعاذ راكب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فأوصاه بوصايا كثيرة ورسم له منهجا دعويًا عظيمًا حيث قال له: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم طاعوا بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم, فإن هم طاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»( ).
وفي هذا الحديث إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم للدعاة إلى الله بالتدرج والبدء بالأهم فالمهم، فالدعوة تكون بترسيخ الإيمان بالله تعالى ورسوله إيمانا يثبت في القلوب ويهيمن على الأفكار والسلوك، ثم تكون الدعوة بعد ذلك إلى تطبيق أركان الإسلام العملية التي ترسخ هذا الإيمان وتنميه، ثم يأتي بعد ذلك الأمر بالواجبات والنهي عن المحرمات، فيتقبل الناس تكاليف الإسلام التي قد تكون مخالفة لهوى النفس؛ لأن قلوبهم قد عمرت بالإيمان واليقين قبل ذلك( ).
وهذا منهج نبوي كريم رسمه صلى الله عليه وسلم لمعاذ ولمن يريد أن يسير على هدى الصحابة الكرام, وما أحوج الذين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله إلى الوقوف أمام هذا الهدي النبوي يترسمون خطاه، ويستوعبونه فهمًا ووعيًا، وتطبيقًا، وحينئذ تكون خطاهم في الطريق الصحيح( ). ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من وصاياه لمعاذ قال له: «يا معاذ، إنك عسى لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري»( )، فبكى معاذ خشعًا لفراق الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك وقع الأمر كما أشار الرسول، فقد أقام معاذ باليمن ولم يقدم إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم( ).
2- وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري إلى مخلاف اليمن الآخر وهو الأسفل، قاضيًا ومفقهًا وأميرًا ومصدقًا، وأوصاه ومعاذ فقال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا»( ).
وهذا منهج نبوي كريم أرشد إليه رسول الله معاذا وأبا موسى بأن يأخذا بالتيسير على الناس ونهاهما عن التعسير عليهم، وأمرهما بالتبشير ونهاهما عن التنفير( ).
ج- ترتيب أمور الإدارة والمال:
إن النظام جزء من هذا الدين، وداخل في كل أموره، لأن النظام يجمع الأشتات، وتحقق به الأهداف والغايات، فالنظام سمة يتميز بها الإسلام منذ اللحظة الأولى, حيث يدخل في جميع جوانب الإسلام التصورية والشعائرية والتعبدية وفي الشرائع الحياتية كلها، فكان صلى الله عليه وسلم يضع من يدير المدينة في حالة غيبته عنها، وكلما فتح منطقة وضع عليها أميرا، وكانت الوفود تأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعين عليها أميرًا من قبله، ثم يترك لهم من يعلمهم دينهم, ويرسل إليهم من يجمع صدقاتهم( ), وكان يختار عماله من الصالحين وأولي العلم والدين، ومن المنظور إليهم من العرب وذوي الشخصيات المؤثرة في قبائلهم، فقد كان عامله على مكة عتاب بن أسيد, وعلى الطائف عثمان بن العاص، وبعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن, وأقر الرسول في بعض الحالات أمراء وملوك القبائل التي أسلمت أو قبلت الجزية, ومنهم باذان ابن سامان ولد بهرام الذي أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على اليمن بعد إسلامه, ولما بلغه موته قسم عمله على جماعة من الصحابة، فولى على صنعاء شمر بن باذان, وعلى مأرب أبا موسى الأشعري، وعلى الجند يعلى بن أمية، وعلى همذان عامر ابن شمر الهمذاني، وعلى ما بين نجران وزمع وزبيد خالد بن سعيد بن العاص، وعلى نجران عمرو بن حزام، وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد البياضي, وعلى السكاسك والسكون عكاشة بن ثور( ).
وكان صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على العمال؛ يحاسبهم على المستخرج والمصروف، وحدد صلى الله عليه وسلم لبعض عماله رواتب، منهم عتاب بن أسيد والي مكة درهمًا كل يوم( ), ولما استعمل -عليه الصلاة والسلام- قيس بن مالك على قومه همذان خصص له قطعة من الأرض يأخذ خراجها، وكانت رواتب عماله تتغير بتغير أحوال المعيشة فهي ليست ثابتة( ). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولي لنا ولاية ولم يكن له بيت فليتخذ بيتا، أو لم تكن له زوجة فليتخذ زوجة، أو لم تكن له دابة فليتخذ دابة» ( ), وهذه هي الحاجات الرئيسية لولي الأمر في ذلك الوقت منعا لأخذ الرشوة، وهذه قاعدة قانونية جاء بها الإسلام قبل أن تثبتها القوانين الوضعية الحديثة في بنودها, وهي أن الهدية للحاكم رشوة صريحة( ).
* * *
المبحث السابع
حجـــــة الــــــوداع (10هـ)
 الحج أحد الأركان الخمسة، وقد فرض في العام العاشر, وهذا ما ذهب إليه ابن القيم( ) واستدل بأدلة قوية وهو اللائق بهديه صلى الله عليه وسلم في عدم تأخير ما هو فرض؛ لأن الله تعالى يقول: ( وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) [آل عمران: 97] وقد نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع( ).
لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة غير حجته التي كانت في العام العاشر, وعرفت هذه الحجة بحجة البلاغ، وحجة الإسلام، وحجة الوداع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها ولم يحج بعدها, وحجة البلاغ لأنه صلى الله عليه وسلم بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وعملا، ولم يكن بقي من دعائم الإسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه, فلما بين لهم شريعة الحج ووضحه وشرحه أنزل
الله عليه بعرفة: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) [المائدة: 3] ( ) ولما نزلت هذه الآية بكى بعض الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب t وكأنهم فهموا منها الإشارة إلى قرب أجل الرسول صلى الله عليه وسلم, ولما قيل لسيدنا عمر: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان( ), وكان عدد الذين مع رسول الله أكثر من مائة ألف( ).
أولا: كيف حج النبي صلى الله عليه وسلم؟:
عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحج وأعلم الناس أنه حاج، فتجهزوا -وذلك في شهر ذي القعدة سنة عشر- للخروج معه، وسمع بذلك من حول المدينة، فقدموا يريدون الحج مع الرسول, صلى الله عليه وسلم ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون، فكانوا من بين يديه, ومن خلفه, وعن يمينه، وعن شماله، مد البصر، وخرج من المدينة نهارًا بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، بعد أن صلى الظهر بها أربعًا( ).
وخطبهم قبل ذلك خطبة علمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه, ثم سار وهو يلبي ويقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك, إن الحمد والنعمة لك والملك, لا شريك لك»( ). والناس معه يزيدون وينقصون، وهو يقرهم، ولا ينكر عليهم، ولزم تلبيته ثم مضى حتى نزل بـ (العرج) ثم سار حتى أتى (الأبواء) فوادي (عسفان) في (سرف) ثم نهض إلى أن نزل بـ (ذي طوى) فبات بها ليلة الأحد، لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، ونهض إلى مكة فدخلها نهارا من أعلاها، ثم سار، حتى دخل المسجد، وذلك ضحى( )، فاستلم الركن( ) فرمل ثلاثا( ) ومشى أربعًا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم( ) عليه السلام. فقرأ ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) [البقرة: 125] فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان يقرأ في الركعتين: ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) و ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) [البقرة: 158] وبدأ بما بدأ الله به؛ فبدأ بالصفا، فرقى عليه، حتى إذا رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ثم دعا بين ذلك قال مثل هذه ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت( ) قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا( ) مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة»( ).
فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله, ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: «دخلت العمرة في الحج» مرتين «لا, بل لأبد أبد» ( ) وأقام بمكة أربعة أيام: يوم الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فلما كان يوم الخميس ضُحى توجه بمن معه من المسلمين إلى منى ونزل بها وصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر، ومكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة( ) فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام( ) كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز( ) رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي( ) فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه( ) فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح( )، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكثها( ) إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» ثلاث مرات( ) ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات( ) وجعل جبل المشاة بين يديه( ) واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص( )، وذكر أبو الحسن الندوي: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته والتضرع والابتهال إلى غروب الشمس، وكان في دعائه رافعا يديه إلى صدره، كاستطعام المسكين، يقول فيه: «اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، والوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي, أسألك مسألة المسكين, وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته, وفاضت لك عيناه، وذل جسده، ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رءوفا رحيما، يا خير المسئولين ويا خير المعطين» ( ).
وهنالك أنزلت عليه: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) [المائدة: 3] فلما غربت الشمس أفاض من عرفة، وأردف أسامة بن زيد خلفه، وأفاض بالسكينة, ثم ضم إليه زمام ناقته، حتى إن رأسها ليصيب طرف رحله، وهو يقول: «أيها الناس عليكم السكينة»( ) وكان يلبي في مسيره ذلك، لا يقطع التلبية حتى أتى المزدلفة وأمر المؤذن بالأذان فأذن, ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال، فلما حطوا رحالهم، أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى العشاء، ثم نام، حتى أصبح، فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرع، والتكبير والتهليل والذكر، حتى أسفر جدا، وذلك قبل طلوع الشمس, ثم سار من مزدلفة، مردفًا للفضل بن عباس، وهو يلبي في مسيره، وأمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار سبع حصيات, فلما أتى بطن محسر، حرك ناقته، وأسرع السير( ) فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل العذاب، حتى أتى منى، فأتى جمرة العقبة، فرماها راكبا بعد طلوع الشمس، وقطع التلبية( ) ثم رجع إلى منى فخطب الناس خطبة بليغة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه، وفضله عند الله، وحرمة مكة على جميع البلاد، وأمر بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب الله، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، وأمر الناس ألا يرجعوا بعده كفارا، يضرب بعضهم رقاب بعض, وأمر بالتبليغ عنه( ) وقد جاء في هذه الخطبة: «أتدرون أي يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: «أليس ذي الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «أي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليست بالبلدة الحرام؟» قلنا: بلى، قال: «فإن دماءكم وأموالكم -وفي رواية أعراضكم- عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم, قال: «اللهم اشهد, فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»( ).
ثم انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، وكان عدد هذا الذي نحره عدد سني عمره، ثم أمسك وأمر عليًّا أن ينحر ما بقي من المائة، فلما أكمل صلى الله عليه وسلم نحره استدعى الحلاق، فحلق رأسه، وقسم شعره بين من يليه، ثم أفاض إلى مكة راكبا، وطاف طواف الإفاضة( ) فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: «انزعوا بني عبد المطلب, فولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم»، فناولوه دلوًا فشرب منه( ) ثم رجع إلى منى من يومه ذلك فبات بها, فلما أصبح انتظر زوال الشمس، فلما زالت مشى من رحله إلى الجمار، فبدأ بالجمرة الأولى ثم الوسطى ثم الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، وخطب الناس بمنى خطبتين: خطبة يوم النحر، وخطبة ثانية في ثاني يوم النحر( ) وهو يوم النفر الأول, وهي تأكيد لبعض ما جاء في خطبتي عرفة، ويوم النحر بمنى، والواقع أن تكرار الخطب في حجة الوداع كان أمرا لا بد منه لحاجة المسلمين، فهي الحجة الوحيدة التي حجها الرسول صلى الله عليه وسلم وقد عز فيها الإسلام والمسلمون, وأصبحت كلمتهم هي النافذة في الجزيرة كلها، كما كانت الوداع الأخير، فما أشد حاجة المسلمين في هذا المشهد العظيم إلى التذكير والنصح والتوصية وإلى تكرار القول والتأكيد عليه حتى يعوه ويحفظوه ولا ينسوه، وإلى تقريرهم بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة( ).
هذا, وقد تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة، ثم نهض إلى مكة فطاف للوداع ليلاً سحرًا، وأمر الناس بالرحيل وتوجه إلى المدينة( ) وفي طريق العودة من حجة الوداع خطب الرسول صلى الله عليه وسلم الناس في غدير خم قريبًا من الجحفة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وقد جاء في هذه الخطبة: «أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله؛ فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغَّب فيه, ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»( ) وفي رواية… أخذ
بيد علي t وقال: «من كنت وليه، فهذا وليه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه»( )
وفي رواية: «من كنت مولاه فعلي مولاه»( ) وكان علي قد أقبل من اليمن وشهد
حجة الوداع( ) وقد اشتكى بعض الجند عليًّا وأنه اشتد في معاملتهم، وكان قد استرجع منهم حللا وزعها عليهم نائبه، فأوضح لهم النبي صلى الله عليه وسلم في غدير خم مكانة علي, ونبه على فضله لينتهوا عن الشكوى,( ) فقد كان الحق مع علي في إرجاع ما أعطاهم نائبه في غيبته لأنها أموال صدقات وخمس( ).
ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الحليفة بات بها، فلما رأى المدينة كبَّر ثلاث مرات، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون, صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثم دخلها نهارًا( ).
ثانيا: الدروس والعبر والفوائد:
1- مرحلة النضج التي وصلت إليها الأمة:
وصلت الأمة الإسلامية في السنة العاشرة مرحلة من النضج متقدمة, وكان ذلك يقتضي لمسات أخيرة, فوسع صلى الله عليه وسلم في العامين التاسع والعاشر من الهجرة دائرة التلقي المباشر من خلال استقباله الوفود, ومن خلال رحلة الحج، فأوجد قاعدة عريضة تحمل دعوته وقد تلقت عنه مباشرة, وكان لذلك أكبر الأثر في أن تبقى رحى الإسلام دائرة وإلى الأبد( ) ففي حجة الوداع كانت اللمسات الأخيرة في تربية الأفراد والمجتمع على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
2- تربية الأفراد على قطع الصلة بالجاهلية والابتعاد عن الذنوب:
أ- فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أهمية قطع المسلم علاقته بالجاهلية، أوثانها، وثاراتها، ورباها، وغير ذلك, ولم يكن حديثه صلى الله عليه وسلم مجرد توصية بل كان قرارًا أعلن عنه للملأ كله لأولئك الذين كانوا من حوله والأمم التي ستأتي من بعده, وهذه هي صيغة القرار: «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية، تحت قدمي موضوع، دماء الجاهلية موضوعة… وربا الجاهلية موضوع»( ) لأن الحياة الجديدة التي يحياها المسلم بعد إسلامه حياة لا صلة لها برجس الماضي وأدرانه( ).
ب- وقد حذر صلى الله عليه وسلم من الذنوب والخطايا والآثام، ما ظهر منها وما بطن؛ لأن الذنوب والخطايا تفعل بالفرد ما لا يفعله العدو بعدوه, فهي سبب مصائبه في الدنيا ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) [الشورى: 30] فترديه في نار جنهم في الآخرة، وتفعل في المجتمعات ما لا يفعله السيف، وأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يقصد بالخطايا العودة إلى عبادة الأصنام؛ لأن العقول التي تفتحت على التوحيد، ترفض أن تعود إلى الشرك الظاهر، ولكن الشيطان لا ييأس من أن يجد طريقه إليها من ثغرات الخطايا والذنوب، حتى تردي صاحبها في المهاوي( ).
3- تربية المجتمع على مبادئ أساسية:
أ- الأخوة في الله هي العروة الوثقى التي تربط بين جميع المسلمين ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) [الحجرات: 10] فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس, اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة, فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم» وقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض»( ).
ب- الوقوف بجانب الضعيف حتى لا يكون هذا الضعف ثغرة في البناء الاجتماعي، فأوصى صلى الله عليه وسلم في خطبته بالمرأة والرقيق على أنهما نموذجان عن الضعفاء( ), فقد شدد صلى الله عليه وسلم في وصيته على الإحسان إلى الضعفاء( ) وأوصى خيرا بالنساء، وأكد في كلمة مختصرة جامعة القضاء على الظلم البائد للمرأة في الجاهلية، وتثبيت ضمانات حقوقها وكرامتها الإنسانية التي تضمنتها أحكام الشريعة الإسلامية( ).
ج- التعاون مع الدولة الإسلامية على تطبيق أحكام الإسلام، والالتزام بشرع الله، ولو كان الحاكم عبدًا حبشيًّا، فإن في ذلك الصلاح والفلاح، والنجاة في الدنيا والآخرة( ) فقد بين صلى الله عليه وسلم العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأنها تعتمد على السمع والطاعة ما دام الرئيس يحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, فإذا مال عنهما فلا سمع ولا طاعة، فالحاكم أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم الله تعالى( ).
د- المساواة بين البشر: فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي, ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض, إلا بالتقوى، الناس من آدم, وآدم من تراب»( ) حيث حدد أن أساس التفاضل لا عبرة فيه لجنس، ولا لون، ولا وطن، ولا قومية، وإنما أساس التفاضل قيمة خلقية راقية ترفع مكانة الإنسان إلى مقامات رفيعة جدا( ).
هـ- تحديد مصدر التلقي: وقد حدد صلى الله عليه وسلم مصدر التلقي والطريقة المثلى لحل مشاكل المسلمين التي قد تعترض طريقهم في الرجوع إلى مصدرين لا ثالث لهما، ضمن لهم بعد الاعتصام بهما الأمان من كل شقاء وضلال، وهما: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنك لتجده يتقدم بهذا التعهد والضمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده، ليبين للناس أن صلاحية التمسك بهذين الدليلين ليست وقفًا على عصر دون آخر، وأنه لا ينبغي أن يكون لأي تطور حضاري أو عرف زمني أي سلطان أو تغلب عليهما( ).
لقد وصف صلى الله عليه وسلم الداء والدواء, ووضع العلاج لكل المشكلات بالالتزام التام بما جاء من أحكام من في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي» هذا هو العلاج الدائم, وقد كرر صلى الله عليه وسلم نداءه للبشرية عامة, عبر الأزمنة والأمكنة, بوجوب الاهتداء بالكتاب والسنة في حل جميع المشكلات التي تواجه البشرية، فإن الاعتصام بهما يجنب الناس الضلال ويهديهم إلى التي هي أقوم في الحاضر والمستقبل، لقد اجتازت تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه حدود الجزيرة، واخترقت حواجز الزمن، وأسوار القرون, وظل يتردد صداها حتى يوم الناس هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلم يكن يخاطب سامعيه فيقول لهم: أيها المؤمنون, أو أيها المسلمون, أو أيها الحجاج.. بل كان يقول لهم: يا أيها الناس, وقد كرر نداءه إلى الناس كافة مرات متعددة دون أن يخصصه بجنس أو بزمان أو مكان أو لون، فقد بعثه الله للناس كافة وأرسله رحمة للعالمين( ).
4- الأساليب التعليمية من خطب حجة الوداع:
أ- التعليم بمباشرة ما يراد تعليمه:
علَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام مناسك الحج بصورة عملية، بأن قام بها وباشرها فعلا، ولم يكتف بأن يعلمها لهم قولاً، ولذلك قال لهم: «خذوا عني مناسككم»( ) وعلى هذا فيستحسن من الدعاة وهم يعلمون الناس معاني الإسلام, أن يعلموهم هذه المعاني، والمطلوبات الشرعية، أو بعضها -في الأقل- بصورة عملية, كالوضوء، والصلاة، وتعليم قراءة القرآن بصورة سليمة( ).
ب- تكرار الخطب:
لاحظنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كرر خطبه، فقد خطب في عرفة، وفي منى مرتين, كما كرر معاني بعض هذه الخطب، فعلى الدعاة أن يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكرروا خطبهم ويكرروا بعض معانيها التي يرون حاجة لتكرارها، حتى يستوعبها السامعون ويحفظوها؛ لأن القصد من خطب الخطيب إفادة السامعين بما يقول، فإذا كانت الفائدة لا تحصل -أو لا تتم- إلا بتكرار الخطب من حيث عددها، أو بتكرارها من حيث تكرار معانيها، فليكررها الداعية،ولا يكون حرصه على أن يأتي بجديد في خطبه ما دام يرى الحاجة في ترسيخ معان معينة في أذهان السامعين، إن الداعية همه أن يفيد السامعين, وليس همه أن يظهر براعته في الخطب، وفي تنوع معانيها, دون نظر ولا اعتبار إلى ما يحتاجه السامعون، ودون اعتبار لفهمهم هذه المعاني واستيعابهم لها( ).
ج- فليبلغ الشاهدُ الغائبَ:
وفي هذا توجيه نبوي كريم لكي تعم الفائدة أكبر عدد ممكن من الناس؛ فهذا من باب التعاون على الخير، ولأن الغائب قد يكون أوعى للعلم وأكثر فهمًا له من الحاضر الذي سمع, وعلى الدعاة والعلماء عندما يلقون درسا أو محاضرة لإخوانهم أو لعامة الناس فمن المستحسن أن يقولوا للحاضرين: فليبلغ الحاضر منكم الغائب بما سمعه( ).
د- جلب انتباه الحاضر لما يقوله الخطيب:
ويستفاد من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الحاضرين عن اسم اليوم الذي هم فيه، وكذا عن الشهر والبلد وهم يعرفونها؛ مما يجلب انتباههم إلى ما قد عسى أن يريده بطرح هذه الأسئلة فيصغون إليها إصغاء تامًّا، قال القرطبي: سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة -أي عن اليوم والشهر والبلد- وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم، وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه.. فعلى العلماء والدعاة أن يقدموا بين يدي ما يقولونه ما يدعو إلى جلب انتباه السامعين ويشدهم إلى كلامهم( ).
5- بعض الأحكام الفقهية المستنبطة من حجة الوداع:
جاءت حجة الوداع حافلة بالأحكام الشرعية خاصة ما يتعلق بالحج وبالوصايا والأحكام التي وردت في خطبة عرفات؛ لذلك اهتم العلماء بحجة الوداع اهتماما كبيرا واستنبطوا منها الكثير من أحكام المناسك وغيرها مما تحفل به كتب الفقه وكتب شروح الحديث, وخصص بعضهم مؤلفات مستقلة في حجة الوداع( ).
ونشير إلى بعض هذه الأحكام باختصار شديد فمن هذه الأحكام:
أ- إفطار الحاج يوم عرفة: قالت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: إن الناس شكوا في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت إليه ميمونة بحلاب( ) اللبن، وهو واقف في الموقف, فشرب منه، والناس ينظرون إليه( ).
ب- كيف يفعل بمن توفي محرما؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته، فوقصته -أو قال فأوقصته-( ) فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اغسلوه بماء وسدر, وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه( ) ولا تخمروا رأسه( ) فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا»( ).
ج- هل يجوز الحج عن الغير؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من خثعم, فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع( ).
د- منهج التيسير: لا حرج, لا حرج: قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فطفق ناس يسألونه فيقول القائل: يا رسول الله، إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر فنحرت قبل الرمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فارم ولا حرج» قال: وطفق آخر يقول: إني لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر، فيقول: «انحر ولا حرج», قال: فما سمعته يُسأل يومئذ عن أمر، مما ينسى المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها، إلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افعل ولا حرج»( ).
هذه بعض الأحكام المختصرة, ومن أراد المزيد فليراجع ما كتبه الألباني عن حجة الوداع, فقد لخص الحجة في اثنتين وسبعين مسألة( ), وكتاب (الوصية النبوية للأمة الإسلامية) للدكتور فاروق حمادة, فقد جمع من المصادر الأدبية والحديثية وكتب أهل
السير ثمانية وثلاثين بندا, ثم قام بتحليلها وتخريجها وتوثيق نصوصها بميزان الجرح
والتعديل الذي اعتمده أئمة المسلمين منذ الصدر الأول, لأن الأمر دين وشرع -كما قال- وقد أجاد وأفاد( ).
6- فوائد في تسمية أيام الحج:
كان يقال لليوم السابع من ذي الحجة يوم الزينة؛ لأنه يزين فيه البُدن التي تهدى بالجلال وغيرها، واليوم الثامن يقال له: يوم التروية؛ لأنهم كانوا يروون فيه إبلهم من الماء ويحملون منه ما يحتاجون إليه حال الوقوف وما بعده، لأن هذه الأماكن لم يكن فيها يومئذ آبار ولا عيون، أما الآن ففيها الماء الكثير والحمد لله، واليوم التاسع: يوم عرفة للوقوف فيه بها، واليوم العاشر: يوم النحر ويوم الأضحى ويوم الحج الأكبر، واليوم الحادي عشر: يوم القر لأنهم يقرون فيه، ويقال له: يوم الرءوس لأنهم يأكلون فيه رءوس الأضاحي، وهو أول أيام التشريق، وثاني أيام التشريق، يقال له: يوم النفر الأول لجواز الخروج فيه إلى مكة لمن يريد التعجيل، وثالث أيام التشريق يقال له يوم النفر الثاني( ) قال عز شأنه:  [البقرة: 203].
* * *
المبحث الثامن
¬مــــرض رســــول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته
إن الأرواح الشفافة الصافية القوية لتدرك بعض ما يكون مخبوءا وراء حجب الغيب بقدرة الله تعالى، والقلوب الطاهرة المطمئنة لتحدث صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزمان، والعقول الذكية المستنيرة بنور الإيمان لتدرك ما وراء الألفاظ والأحداث من إشارات وتلميحات, ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الصفات الحظ الأوفر، وهو منها بالمحل الأرفع الذي لا يسامى ولا يطاول( ).
ولقد جاءت بعض الآيات القرآنية مؤكدة على حقيقة بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كغيره من البشر سوف يذوق الموت ويعاني سكراته كما ذاقه من قبل إخوانه من الأنبياء، ولقد فهم صلى الله عليه وسلم من بعض الآيات اقتراب أجله، وقد أشار صلى الله عليه وسلم في طائفة من الأحاديث الصحيحة إلى اقتراب وفاته، منها ما هو صريح الدلالة على الوفاة, ومنها ما ليس كذلك، حيث لم
يشعر ذلك منها إلا الآحاد من كبار الصحابة الأجلاء كأبي بكر والعباس ومعاذ رضي
الله عنهم( ).
أولاً: الآيات والأحاديث التي أشارت إلى وفاته صلى الله عليه وسلم:
1- الآيات:
أ- قال تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ )[آل عمران: 144].
قال القرطبي: فأعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا، وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل، وإن فقد الرسل بموت أو قتل( ).
ب- قال تعالى: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ) [الزمر: 30].
قال ابن كثير: هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق t عند موت الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تحقق الناس موته( ).
ج- قال تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ) [الأنبياء: 34] ثم أعقب ذلك ببيان أن الموت حتم لازم وقدر سابق, فقال عز وجل: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) [الأنبياء: 35] فهذه الآيات صريحة ونصت على وفاته صلى الله عليه وسلم، وهناك بعض الآيات أشارت إلى ذلك وإن لم تصرح, منها:
د- قال تعالى: ( وَلَلآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى  وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) [الضحى: 4- 5].
هـ- قال تعالى: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ) [الرحمن: 26-27].
و- قال تعالى: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [القصص: 88].
فهذه الآيات تبين أن جميع أهل الأرض ستمضي فيهم سنة الله في موت خلقه لن يتخلف منهم أحدًا أبدًا.
ز- قال تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) [المائدة: 3].
وقد بكى عمر بن الخطاب حين نزلت الآية, فقيل: ما يبكيك؟ فقال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان. وكأنه استشعر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم( ).
 قال تعالى: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) [النصر: 1: 3].
فقد سأل عمر t ابن عباس عن هذه الآية: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ ).
فقال: أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه، فقال: ما أعلم منها إلا ما تعلم( )، وفي رواية الطبراني قال ابن عباس: نعيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين نزلت فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا في أمر الآخرة( ).
2- أما الأحاديث التي أشارت إلى ذلك فهي:
أ- قالت -عائشة رضي الله عنها-: اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده، لم يغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي لا تخطئ مشيتها مشية أبيها, فقال: «مرحبا يا بنيتي» فأقعدها يمينه أو شماله، ثم سارَّها فبكت، ثم سارَّها فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله بالسرار وأنت تبكين؟ فلما أن قامت قلت لها أخبريني ما سارَّك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما توفي قلت لها: أسألك لما لي عليك من الحق لما أخبرتني، قالت: أما الآن فنعم، قالت: سارني في الأول قال لي: «إن جبريل كان يعارضني في القرآن كل سنة مرة، وقد عارضني في هذا العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا اقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري، فنعم السلف أنا لك»، فبكيت, ثم سارني فقال: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟» فضحكت( ).
وفي هذا الحديث دليل قاطع وإشارة واضحة إلى اقتراب أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ساعة الفراق قد باتت قريبة, إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اختص ابنته فاطمة -رضي الله عنها- بعلم ذلك، ولم يعلم به المسلمون إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم( ).
ب- قال جابر t: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: «لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»( ).
قال النووي: فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته صلى الله عليه وسلم، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع( ).
وقال ابن رجب: وما زال صلى الله عليه وسلم يعرض باقتراب أجله في آخر عمره، فإنه لما خطب في حجة الوداع قال للناس: «خذوا عني مناسككم, فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» فطفق يودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع( ).
ج- قال أبو سعيد الخدري t: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال: «إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ذلك العبد ما عند الله» قال: فبكى أبو بكر, فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خُيِّر, فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر, وكان أبو بكر أعلمنا( ).
قال الحافظ ابن حجر: وكأن أبا بكر t فهم الرمز الذي أشار به النبي صلى الله عليه وسلم من قرينة ذكره ذلك في مرض موته, فاستشعر منه أنه أراد نفسه؛ فلذلك بكى( ).
د- قال العباس بن عبد المطلب t: رأيت في المنام كأن الأرض تنزع إلى السماء( ) بأشطان( ) شداد, فقصصت ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ذاك وفاة ابن أخيك»( ), وفي هذا الحديث إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقرب وفاته، وفيه صدق رؤيا المؤمن، واستشعار بعض الصحابة وفاته عليه الصلاة والسلام( ).
هـ- وعن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن خرج راكبا والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فقال: «يا معاذ, عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، فتمر بقبري ومسجدي» فبكى معاذ لفراقه صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا تبك يا معاذ؛ فإن البكاء من الشيطان»( ) وفي الحديث إخبار النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل باقتراب أجله، وأنه يمكن ألا يلقاه بعد عامه هذا، وفيه شدة محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وبكاؤهم إذا ذكروا فراقه( ).
ثانيًا: مرض الرسول صلى الله عليه وسلم:
1- بدء الشكوى:
رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع في ذي الحجة, فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفرًا، من العام العاشر, فبدأ بتجهيز جيش أسامة، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة, وأمره أن يتوجه نحو البلقان وفلسطين، فتجهز الناس وفيهم المهاجرون والأنصار، وكان منهم أبو بكر وعمر، وكان أسامة بن زيد ابن ثماني عشرة سنة، وتكلم البعض في تأميره وهو مولى وصغير السن على كبار المهاجرين والأنصار, فلم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم طعنهم في إمارة أسامة( ), فقال صلى الله عليه وسلم: «إن يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه, وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليَّ وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده»( ) وبينما الناس يستعدون للجهاد في جيش أسامة ابتدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم شكواه الذي قبضه الله فيه، وقد حدثت حوادث ما بين مرضه ووفاته منها:
أ- النبي في البقيع وزيارته قتلى أحد وصلاته عليهم:
عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فقال: «يا أبا مويهبة, إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع, فانطلق معي»، فانطلقت معه, فلما وقف بين أظهرهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى»( ) ثم أقبل عليَّ فقال: «يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة» قال: فقلت: بأبي أنت وأمي, خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: «لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة», ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف, فبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذي قبضه الله فيه( ).
 ومن حديث عقبة بن عامر الجهني t قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: «إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا, ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها» فقال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم( ).
ب- استئذانه صلى الله عليه وسلم أن يمرَّض في بيت عائشة وشدة المرض الذي نزل به:
قالت عائشة رضي الله عنها: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد وجعه, استأذن أزواجه في أن يمرَّض في بيتي, فأذن له, فخرج وهو بين رجلين، تخط رجلاه في الأرض، بين عباس ورجل آخر( ), ولما دخل بيتي اشتد وجعه، قال: «أهريقوا عليَّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن( ), لعلي أعهد إلى الناس» فأجلسناه في مخضب( ) لحفصة، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم( ) وقالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم( ), وقال عبد الله بن مسعود t: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله, إنك لتوعك وعكا شديدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجل: إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجل» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها»( ).
ثالثًا: من وصايا رسول الله في أيامه الأخيرة:
1- وصيته صلى الله عليه وسلم بالأنصار:
مر العباس t بقوم من الأنصار يبكون حين اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه, فقال لهم: (ما يبكيكم؟) قالوا: ذكرنا مجلسنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل العباس عليه صلى الله عليه وسلم فأخبره فعُصِّب بعصابة دسماء( ) أو قال: بحاشية برد، وخرج وصعد المنبر -ولم يصعد بعد ذلك اليوم- فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي( ) وعيبتي( ), وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم»( ), وفي الحديث شدة محبة الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكاؤهم لمرضه وحرمانهم من مجلسه( ).
2- إخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد:
لقد ازدادت شدة المرض على رسول الله، بحيث كان يغمى عليه في اليوم الواحد مرات عديدة، ومع ذلك كله أحب صلى الله عليه وسلم أن يفارق الدنيا وهو مطمئن على أمته أن تضل من بعده, فأراد أن يكتب لهم كتابا مفصلا ليجتمعوا عليه ولا يتنازعوا, فلما اختلفوا عنده صلى الله عليه وسلم عدل عن كتابة ذلك الكتاب وأوصاهم بأمور ثلاثة, ذكر الراوي منها اثنين:
* «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب».
* «وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به» ( ).
3- النهي عن اتخاذ قبره مسجدًا:
كان من آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «قاتل الله اليهود والنصارى, اتخذوا  قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب»( ).
4- إحسان الظن بالله:
قال جابر t: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: «أحسنوا الظن بالله عز وجل»( ).
5- الوصية بالصلاة وما ملكت أيمانكم:
قال أنس t: كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» حتى جعل يغرغر بها في صدره، ولا يفيض بها لسانه( ).
6- لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا:
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستر, ورسول الله صلى الله عليه وسلم معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال: «اللهم بلغت» ثلاث مرات، «أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا، يراها العبد الصالح أو ترى له, ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود، فإذا ركعتم فعظموا الله، وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء, فإنه قمن( ) أن يستجاب لكم»( ).
رابعًا: أبو بكر يصلي بالمسلمين:
ولما اشتد المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم وحضرت الصلاة فأذن بلال, قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فليصل» فقيل: إن أبا بكر رجل أسيف( ) إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد فأعادوا له، فأعاد الثالثة فقال: «إنكن صواحب يوسف( )، مروا أبا بكر فليصل بالناس» فخرج أبو بكر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة, فخرج يهادى بين رجلين، كأني أنظر إلى رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم -أن مكانك- ثم أتى به حتى جلس إلى جنبه، قيل للأعمش: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم( ).
خامسًا: الساعات الأخيرة من حياة المصطفى:
1- كان أبو بكر يصلي بالمسلمين حتى إذا كان يوم الإثنين، وهم صفوف في صلاة الفجر، كشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة، ينظر إلى المسلمين، وهم وقوف أمام ربهم، ورأى كيف أثمر غرس دعوته وجهاده, وكيف نشأت أمة تحافظ على الصلاة، وتواظب عليها بحضرة نبيها وغيبته، وقد قرت عينه بهذا المنظر البهيج، وبهذا النجاح الذي لم يقدر لنبي أو داعٍ قبله، واطمأن أن صلة هذه الأمة بهذا الدين وعبادة الله تعالى صلة دائمة، لا تقطعها وفاة نبيها، فملئ من السرور ما الله به عليم, واستنار وجهه وهو منير( ) يقول الصحابة رضي الله عنهم: كشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر حجرة عائشة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح، وظننا أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا أن أتموا صلاتكم، ودخل الحجرة، وأرخى الستر( ) وانصرف بعض الصحابة إلى أعمالهم، ودخل أبو بكر على ابنته عائشة وقال: ما أرى رسول الله إلا قد أقلع عنه الوجع، وهذا
يوم بنت خارجة، إحدى زوجتيه, وكانت تسكن بالسنح( ) فركب على فرسه وذهب
إلى منزله( ).
2- في الرفيق الأعلى:
واشتدت سكرات الموت بالنبي صلى الله عليه وسلم, ودخل عليه أسامة بن زيد وقد صمت فلا يقدر على الكلام، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة، فعرف أنه يدعو له، وأخذت السيدة عائشة رسول الله وأوسدته إلى صدرها بين سحرها ونحرها( )، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فقالت عائشة: آخذه لك؟ فأشار برأسه: نعم، فأخذته من أخيها ثم مضغته ولينته وناولته إياه فاستاك به كأحسن ما يكون الاستياك، وكل ذلك وهو لا ينفك عن قوله: «في الرفيق الأعلى»( ) وكان صلى الله عليه وسلم يدخل يده في ركوة ماء أو علبة فيها ماء، فيمسح بها وجهه ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى».. حتى قبض ومالت يده( ), وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم أعني على سكرات الموت»( ).
وفي رواية: أن عائشة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وأصغت إليه قبل أن يموت وهو مسند ظهره يقول: «اللهم اغفر لي وارحمني, وألحقني بالرفيق الأعلى»( ).
وقد ورد أن فاطمة رضي الله عنها قالت: واكرب أباه! فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم», فلما مات قالت: يا أبتاه.. أجاب ربا دعاه، يا أبتاه.. جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه.. إلى جبريل ننعاه, فلما دفن صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة لأنس: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟!( ).
3- كيف فارق رسول الله الدنيا؟
فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا وهو يحكم جزيرة العرب، ويرهبه ملوك الدنيا، ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولادهم وأموالهم, وما ترك عند موته دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة( ).
وتوفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير( ).
وكان ذلك يوم الإثنين 12من ربيع الأول سنة 11 للهجرة بعد الزوال( ) وله صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة( ), وكان أشد الأيام سوادًا ووحشة ومصابًا على المسلمين، ومحنة كبرى للبشرية، كما كان يوم ولادته أسعد يوم طلعت فيه الشمس( ).
يقول أنس t: كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء( ) وبكت أم أيمن فقيل لها: ما يبكيك على النبي؟ قالت: إني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيموت, ولكن إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا( ).
4- هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها:
قال ابن رجب: ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرب المسلمون، فمنهم من دهش فخولط، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية( ).
قال القرطبي مبينا عظم هذه المصيبة وما ترتب عليها من أمور:
من أعظم المصائب المصيبة في الدين.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي, فإنها أعظم المصائب»( ) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم, لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب, وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه( ).
لقد أذهل نبأ الوفاة عمر t فصار يتوعد وينذر من يزعم أن النبي مات, ويقول: ما مات, ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم, والله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات( ).
ولما سمع أبو بكر الخبر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشي بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي! والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي عليك فقد متَّها( )، وخرج أبو بكر وعمر يتكلم, فقال: اجلس يا عمر، وهو ماضٍ في كلامه، وفي ثورة غضبه، فقام أبو بكر في الناس خطيبًا بعد أن حمد الله وأثنى عليه فقال:
أما بعد: فإن من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) [آل عمران: 144].
قال عمر: فوالله ما إن سمعت أبا بكر تلاها فهويت إلى الأرض ما تحملني قدماي، وعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات( ).
قال القرطبي: هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة والجراءة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي صلى الله عليه وسلم, فظهرت شجاعته وعلمه، قال الناس: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى علي، واضطرب الأمر, فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسنح( ).
فرحم الله الصديق الأكبر، كم من مصيبة درأها عن الأمة! وكم من فتنة كان المخرج على يديه! وكم من مشكلة ومعضلة كشفها بشهب الأدلة من القرآن والسنة، التي خفيت على مثل عمر t! فاعرفوا للصديق حقه، واقدروا له قدره، وأحبوا حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فحبه إيمان وبغضه نفاق( ).
5- بيعة أبي بكر بالخلافة:
وبايع المسلمون أبا بكر بالخلافة، في سقيفة بني ساعدة، حتى لا يجد الشيطان سبيلاً إلى تفريق كلمتهم، وتمزيق شملهم، ولا تلعب الأهواء بقلوبهم، وليفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الدنيا وكلمة المسلمين واحدة، وشملهم منتظم، وعليهم أمير يتولى أمورهم، ومنها تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه( ) والحديث عن بيعة أبي بكر سنتكلم عنه بالتفصيل عند الدخول في عصر الخلفاء الراشدين, إن شاء الله تعالى.
6- غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفنه والصلاة عليه:
قالت عائشة رضي الله عنها: لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: ما ندري أنجرده من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره, فكلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو، أن اغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه، فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص دون أيديهم، قالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه( ).
وكفن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سحولية، من ثياب سحول -بلدة باليمن- ليس فيها قميص ولا عمامة( ) وقد صلى عليه المسلمون. قال ابن عباس: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمام أرسالا، حتى فرغوا، ثم أدخل النساء فصلين عليه، ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه، ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالا، لم يؤمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد( ).
قال ابن كثير: وهذا الصنيع -وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد- أمر مجمع عليه لا خلاف فيه( ).
7- موقع دفنه وصفة قبره ومن باشر دفنه؟ ومتى دفن؟
اختلف المسلمون في موقع دفنه فقال بعضهم: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: بالبقيع، وقال قائل: في مصلاه( ), فجاء أبو بكر الصديق t فحسم مادة هذا الخلاف أيضا بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, قالت عائشة وابن عباس: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وغسل اختلفوا في دفنه, فقال أبو بكر: ما نسيت ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه»، ادفنوه في موضع فراشه( ). وهذا الحديث وإن كان مختلفًا في صحته إلا أن دفن النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه الذي توفي فيه أمر مجمع عليه( ).
وقال ابن كثير: قد علم بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها، شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة، ثم دفن فيها أبو بكر, ثم عمر, رضي الله عنهما( ).
وقد لحد( ) قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع العلماء على أن اللحد والشق( ) جائزان، لكن إذا كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل، وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل( ).
وقد قال الألباني -رحمه الله-: ويجوز في القبر اللحد والشق لجريان العمل عليهما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الأول أفضل( ) لأن الله تعالى لا يختار لنبيه إلا الأفضل( ), وأما صفة قبره فقد كان مسنمًا( ) أي مرتفعًا، وذهب جمهور العلماء إلى أن المستحب في بناء القبور هو التسنيم وأنه أفضل من التسطيح( ), وفي المسألة خلاف طويل ليس هذا محله، وقد قرب ابن القيم رحمه الله بين المذهبين فقال: وكانت قبور أصحابه لا مشرفة، ولا لائطة، وهكذا كان قبره الكريم، وقبرا صاحبيه، فقبره صلى الله عليه وسلم مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء، لا مبني ولا مطين، وهكذا قبرا صاحبيه( ) وقد كان قبره صلى الله عليه وسلم مرتفعا قليلا عن سطح الأرض( ).
وأما الذين باشروا دفنه صلى الله عليه وسلم فقال ابن إسحاق: وكان الذين نزلوا في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم( ), وزاد النووي( ) والمقدسي( ): العباس, قال النووي: ويقال كان أسامة بن زيد وأوس بن خولي( ) معهم. ودفن في اللحد، وبنى عليه صلى الله عليه وسلم في لحده اللبن، يقال إنها تسع لبنات، ثم أهالوا التراب( ).
وأما وقت دفنه فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه دفن ليلة الأربعاء, قال ابن كثير: والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من أنه عليه السلام توفي يوم الإثنين ودفن ليلة الأربعاء( ).
لقد كان لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر على الصحابة الكرام, فقد قال أنس t: وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي -إنا لفي دفنه- حتى أنكرنا قلوبنا( ).
سادسًا: بعض ما قيل من المراثي في وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم:
1- ما قاله حسان t في موت رسول الله:
لقد نافح حسان بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، ودافع عن الإسلام والمسلمين بقصائده الرائعة التي هزت عرب الجزيرة وفعلت فيهم الأفاعيل، ولقد تأثر بموت حبيبنا صلى الله عليه وسلم فرثاه بقصائد مبكية حزينة، حفظها لنا التاريخ, ولم تهملها الليالي, ولم تفصلها عنا حواجز الزمن, ولا أسوار القرون, فمما قاله يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كحلت مآقيها( ) بكحل الأرمد( )
ما بال عينك لا تنام كأنها
يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
جزعا على المهدي أصبح ثاويًا
غيبت قبلك في بقيع الغرقد( )
وجهي يقيك الترب لهفي ليتني
في يوم الاثنين النبي المهتدى
بأبي وأمي من شهدت وفاته
متلددا( ) يا ليتني لم أولد
فظللت بعد وفاته متبلدا
يا ليتني صبحت( ) سم الأسود( )
أأقيم بعدك بالمدينة بينهم؟!
في روحة من يومنا أو في غد
أو حلَّ أمر الله فينا عاجلاً
محضا ضرائبه( ) كريم المحتد( )
فتقوم ساعتنا فنلقى طيبا
ولدته محصنة بسعد الأسعد
يا بكر آمنة المبارك بكرها
من يهد للنور المبارك يهتدي
نورًا أضاء على البرية كلها
في جنة تثنى عيون الحسد( )
يا رب فاجمعنا معا ونبينا
يا ذا الجلال وذا العلا والسؤدد
في جنة الفردوس فاكتبها لنا
إلا بكيت على النبي محمد
والله أسمع ما بقيت بهالك
بعد المغيَّب في سواء الملحد( )
يا ويح أنصار النبي ورهطه!
سودًا وجوههم كلون الإثمد( )
ضاقت بالانصار البلاد فأصبحوا
وفضول نعمته بنا لم تجحد
ولقد ولدناه( ) وفينا قبره
أنصاره في كل ساعة مشهد
والله أكرمنا به وهدى به
والطيبون على المبارك أحمدِ( )
صلى الإله ومن يحف بعرشه
وقال أيضا:
مثل الرسول نبي الأمة الهادي
تالله ما حملت أنثى ولا وضعت
أوفى بذمة جار أو بميعاد
ولا يرى الله خلقا من بريته
مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد
من الذي كان فينا يستضاء به
إلى أن قال:
أصبحت منه كمثل المفرد الصادي( )
يا أفضل الناس إني كنت في نهر
2- ومما قاله أبو بكر الصديق يبكي النبي صلى الله عليه وسلم:
ضاقت عليَّ بعرضهن الدور
لما رأيت نبينا متجندلاً
والعظم مني -ما حييت- كسير
فارتاع قلبي عند ذاك لموته
والصبر عندك -ما بقيت- يسير
أعتيق ويحك!! إن خلك قد ثوى
غُيبت في لحد عليه صخور
يا ليتني من قبل مهلك صاحبي
تعيا لهن جوانح وصدور( )
فلتحدثن بدائع من بعده
3- وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وليل أخي المصيبة فيه طول
أرقت فبات ليلي لا يزول
أصيب المسلمون به قليل
وأسعدني البكاء وذاك فيما
عشية قيل: قد قبض الرسول
لقد عظمت مصيبتنا وجلَّت
تكاد بنا جوانبها تميل
وأضحت أرضنا مما عراها
يروح به ويغدو جبرائيل
فقدنا الوحي والتنزيل فينا
نفوس الناس أو كادت تسيل
وذاك أحق ما سالت عليه
بما يوحى إليه وما يقول
نبي كان يجلو الشك عنا
علينا والرسول لنا دليل
ويهدينا فلا نخشى ملاما
وإن لم تجزعي فهو السبيل
أفاطم, إن جزعت فذاك عذر
وفيه سيد الناس الرسول( )
فقبر أبيك سيد كل قبر
4- وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وكنت بنا برًا ولم تك جافيا
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا
ليبك عليك اليوم من كان باكيا
وكنت رحيمًا هاديًا ومعلمًا
ولكن لما أخشى من الهرج( ) آتيا
لعمرك ما أبكي النبيَّ لفقده
وما خفت من بعد النبي المكاويا
كأن على قلبي لذكر محمد
على جدث أمسى بيثرب ثاويا
أفاطم, صلى الله رب محمد
وعمي وآبائي ونفسي وماليا
فدى لرسول الله أمي وخالتي
ومت صليب العود أبلجَ صافيا
صدقتَ وبلغت الرسالة صادقا
سعدنا، ولكن أمره كان صافيا
فلو أن رب الناس أبقى نبينا
وأدخلت جنات من العدن راضيا( )
عليك من الله السلام تحية
* * *
الخاتمـــــــة
وبعد, فهذا ما يسره الله لي من جمع وترتيب وتحليل تضمنتها فصول هذا الكتاب,
فيما يتعلق «بالسيرة النبوية .. عرض وقائع وتحليل أحداث» فما كان فيه من صواب
فهو محض فضل الله علي فله الحمد والمنة، وما كان فيه من خطأ فاستغفر الله تعالى وأتوب إليه، والله ورسوله بريء منه، وحسبي أني كنت حريصًا أن لا أقع في الخطأ وعسى أن لا أحرم من الأجر.
وأدعو الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب إخواني المسلمين، وأن يذكرني من يقرؤه في دعائه, فإن دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب مستجابة إن شاء الله تعالى, وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى: ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) [الحشر: 10].
ويقول الشاعر:
ومنك الجود والفضل الجزيل
إلهي أنت للإحسان أهل
وحالي لا يسرُّ به خليل
إلهي بات قلبي في هموم
من الأوزار مدمعه يسيل
إلهي تب وجد وارحم عُبيدًا
ذنوب حملها أبدًا ثقيل
إلهي ثوب جسمي دنستْه
على الأبواب منكسر ذليل
إلهي جد بعفوك لي فإني
وجاء الشيب واقترب الرحيل
إلهي خانني جلدي وصبري
به يُشفي فؤادي والغليل
إلهي داوني بدواء عفو
ومن فعل القبيح أنا القتيل
إلهي ذاب قلبي من ذنوبي
فهاك العبد يدعو يا وكيل
إلهي قلت ادعوني أجبكم
بأعمار لنا وبها تزول
إلهي هذه الأوقات تمضي
ويقول الشاعر:
أبعد الخير على أهل الكسل
اطلب العلم ولا تكسل فما
تشتغل عنه بمال وحَوَل
احتفل للفقه في الدين ولا
يعرف المطلوب يحقر ما بذل
واهجر النوم وحصله فمن
كل من سار على الدرب وصل
لا تقل قد ذهبت أربابه
سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
* * *
المصادر والمراجع
(أ)
1- آثار الحرب في الفقه الإسلامي، د. وهبة الزحيلي، دراسة مقارنة، دار الفكر، 1981م.
2- آثار تطبيق الشريعة، د. محمد عبد الله الزاحم، دار المنار، الطبعة الأولى، 1412هـ – 1991م.
3- آفات على الطريق، محمد سيد نوح، دار الوفاء، المنصورة، مصر، 1990م.
4- أسد الغابة في معرفة الصحابة، علي بن أبي الكرم ابن الأثير.
5- الأم، محمد إدريس الشافعي، طبعة الفكر، بيروت، لبنان ، سنة 1410هـ – 1990م.
6- الإتقان في علوم القرآن، عبد الرحمن السيوطي، المكتبة الثقافية، بيروت، لبنان.
7- الإدارة الإسلامية في عصر عمر بن الخطاب، د. فاروق مجدلاوي، دار مجدلاوي، عمان.
8- الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق علي محمد البجاوي، دار النهضة مصر.
9- الاعتصام للإمام الشاطبي، دار الفكر، الناشر مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.
10- الإعلام في صدر الإسلام، د. عبد اللطيف حمزة، دار الفكر.
11- إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع، للشيخ أحمد المقريزي، صححه وشرحه محمود محمد شاكر، مطبعة لجنة التأليف والترجمة بالقاهرة 1941م.
12- الأحاديث الواردة في فضائل المدينة، صالح الرفاعي، دار الخضيري، المدينة، 1418هـ.
13- أحكام الجنائز وبدعها للألباني، المكتب الإسلامي، بيروت.
14- أحكام السوق في الإسلام، أحمد الدريويش، دار عالم الكتب، 1409هـ- 1989م.
15- أحكام القرآن لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي تحقيق: محمد عبد القادر عطاء، دار الكتب العلمية بيروت ، ط1/1408هـ.
16- الأخلاق الإسلامية وأسسها، عبد الرحمن الميداني، دار القلم، دمشق.
17- الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية، محمود محمد الجوهري.
18- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل, محمد ناصر الدين الألباني –إشراف زهير الشاويش.
19- الأساس في السنة وفقهها، السيرة النبوية، سعيد حوى، دار السلام بمصر، 1989م.
20- الأساس في السنة، سعيد حوى، دار السلام، مصر.
21- أساليب التشويق والتعزيز في القرآن الكريم، د. الحسين جرنو محمود جلو، مؤسسة الرسالة، دار العلوم الإنسانية، الطبعة الأولى 1414هـ- 1994م.
22- أسباب النزول، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى، 1402هـ- 1982م.
23- أسباب هلاك الأمم السالفة، سعيد محمد بابا سيلا، سلسلة الحكمة البريطانية، 2000م.
24- الاستخبارات العسكرية في الإسلام، عبد الله علي السلامة مناصرة, مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1412هـ – 1991م.
25- الإسلام في خندق، مصطفى محمود، دار أخبار اليوم القاهرة، مصر،1994م.
26- أصول الفكر السياسي في القرآن المكي، التجاني عبد القادر حامد، الطبعة الأولى،  عمان، الأردن، دار البشير 1416هـ – 1995م.
27- أضواء على الهجرة، توفيق محمد سبع، مطبعة الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية  1973م.
28- أعلام النبوة للماوردي، الكليات الأزهرية.
29- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية بيروت.
30- الاكتفاء بما تضمنه من مغازي الرسول والثلاثة الخلفاء، تأليف أبي الربيع سليمان ابن موسى الكلاعي الأندلسي، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1417هـ – 1997م.
31- الأموال، أبو عبيد القاسم بن سلام، مؤسسة ناصر الثقافية، بيروت.
32- الانحرافات العقدية والعلمية، علي بن نجيب الزهراني، دار طيبة، 1418هـ
33- أنساب الأشراف للبلاذري، تحقيق محمد حميد الله، دار المعارف – مصر.
34- الأنساب، أبو سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني، تحقيق عبد الرحمن المعلمي اليماني، نشر مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند 1382هـ-1962م.
35- أهمية الجهاد في نشر الدعوة، د. علي العلياني، دار طيبة، الطبعة الأولى، 1405هـ
36- الإيمان والحياة، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة العاشرة،  1984م.
(ب)
37- البحر الرائق في الزهد والرقائق، أحمد فريد، دار البخاري، القصيم بالسعودية.
38- بدائع السالك في طبائع الملك، أبو عبد الله بن الأزرق, تحقيق وتعليق علي سامي النشار، منشورات وزارة الإعلام، الجمهورية العراقية.
39- البداية والنهاية، أبو الفداء ابن كثير الدمشقي. دار الريان للتراث.
40- بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، محمود شكري الآلوسي، تحقيق محمد بهجة الأثري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية.
41- بناء المجتمع الإسلامي في عصر النبوة، محمد توفيق رمضان، دار ابن كثير، دمشق.
42- بهجة المحافل وبغية الأماثل في تلخيص المعجزات والسير والشمائل، شرح جمال الدين محمد الأشخر اليمني، دار صادر – بيروت.
(ت)
43- تأملات في سورة الكهف للشيخ أبي الحسن الندوي، دار القلم.
44- تأملات في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، د. محمد السيد الوكيل، دار المجتمع، 1408هـ.
45- تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي)، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي.
46- التاريخ الإسلامي مواقف وعبر، د. عبد العزيز الحميدي، دار الدعوة، الإسكندرية.
47- التاريخ السياسي والحضاري، د. السيد عبد العزيز سالم.
48- التاريخ السياسي والعسكري لدولة المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، استراتيجية الرسول السياسية والعسكرية، د. علي معطي، مؤسسة المعارف بيروت.
49- تاريخ الطبري، لأبي جعفر بن جرير، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار سويدان، بيروت.
50- تاريخ اليهود في بلاد العرب، ولفنسون، طبعة القاهرة 1927م.
51- تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق أكرم ضياء العمري، مطبعة الآداب، النجف، 1967م.
52- تاريخ دولة الإسلام الأولى، فايد حماد عاشور، سليمان أبو عزب، دار قطري بن الفجاءة، الدوحة، الطبعة الأولى، 1409هـ- 1989م.
53- تاريخ صدر الإسلام, عبد الرحمن عبد الولي شجاع، دار الفكر المعاصر، صنعاء.
54- التحالف السياسي في الإسلام، منير محمد الغضبان، دار السلام، الطبعة الثانية  1988م.
55- التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، دار الكتب الشرقية تونس.
56- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي لمحمد بن عبد الرحمن المباركفوري، مطبعة الاعتماد، نشر محمد عبد المحسن الكتبي، تصحيح عبد الرحمن محمد عثمان.
57- تحفة الأشراف، أبو الحجاج يوسف المزي، الدار القيمة 1384هـ.
58- التربية القيادية، منير الغضبان، دار الوفاء المنصورة، الطبعة الأولى، 1418هـ – 1998م.
59- تفسير ابن أبي حاتم (تفسير القرآن العظيم), ابن أبي حاتم –تحقيق أسعد الطيب- مكتبة نزار مصطفى الباز- السعودية – ط2/ 1419هـ- 1999م.
60- تفسير أبي السعود، المسمى إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لقاضي القضاة أبي السعود محمد العمادي الحنفي، تحقيق عبد القادر أحمد عطا، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، مطبعة السعادة، القاهرة.
61- تفسير ابن كثير، ابن كثير القرشي، دار الفكر ودار القلم، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية.
62- تفسير الآلوسي، المسمى روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي (محمود الآلوسي البغدادي) إدارة الطباعة المصطفائية بالهند.
63- تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل، الإمام الفراء البغوي الشافعي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
64- تفسير البيضاوي المسمى أنوار التنزيل وأسرار التأويل, تأليف الإمام ناصر الدين أبو الخير عبد الله الشيرازي البيضاوي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع  1402هـ – 1982م.
65- تفسير الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة.
66- تفسير الزمخشري المسمى بالكشاف، دار المعرفة  1967م.
67- تفسير السعدي المسمى تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن ناصر السعدي، المؤسسة السعدية بالرياض، 1977م.
68- تفسير القرطبي، لأبي عبد الله القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1965م.
69- تفسير المراغي، لأحمد مصطفى المراغي، طبع دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1394هـ.
70- تفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
71- التفسير المنير، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر, دمشق، الطبعة الأولى 1411هـ- 1991م.
72- تفسير النسفي المسمى بمدارك التنزيل وحقائق التأويل، تأليف الإمام عبد الله أحمد بن محمد النسفي، المتوفى سنة 710هـ، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت.
73- تفسير ابن عطية المسمى المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق ابن عطية الأندلسي، من مطبوعات رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر، الطبعة الأولى، 1412هـ – 1991م.
74- تفسير سورة فصلت، د. محمد صالح علي مصطفى، دار النفائس، الطبعة الأولى، 1409هـ -1989م.
75- تلقيح فهوم أهل الأثر، لابن الجوزي، مكتبة الآداب، القاهرة، دون ذكر الطبعة.
76- التمكين للأمة الإسلامية في ضوء القرآن الكريم، محمد السيد حمد يوسف، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى 1418هـ – 1997م.
77- تنظيمات الرسول الإدارية في المدينة، صالح أحمد العلي، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد السابع عشر، بغداد 1969م.
78- تنوير الحوالك شرح موطأ مالك، جلال الدين السيوطي، دار إحياء الكتب.
79- تهذيب مدارج السالكين لابن القيم، هذبه عبد المنعم صالح العلي العزي مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1409هـ – 1989م.
(ج)
80- جامع الأصول، لابن الأثير  المتوفى سنة 606هـ، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، طبع مكتبة الحلواني سوريا، عام 1392هـ.
81- جامع العلوم والحكم، للإمام ابن رجب الحنبلي، دار الفكر، بيروت.
82- الجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع للخطيب البغدادي، مكتبة المعارف بالرياض، 1403هـ- 1983م.
83- الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، محمد خير هيكل، دار البيارق، عمان، بيروت الطبعة الأولى 1414هـ- 1993م.
84- الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية، مطابع المجد.
85- جوامع السيرة لابن حزم، المتوفى 456هـ، تحقيق الدكتور إحسان عباس والدكتور ناصر الدين الأسد، طبع دار إحياء السنة باكستان 1368هـ.
86- جيل النصر المنشود، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، مصر، الطبعة السادسة، 1405هـ – 1985م.
(ح)
87- حاشية ابن عابدين، مطابع مصطفى البابي وأولاده.
88- حدائق الأنوار ومطالع الأسرار، لابن الدَّيْبَع الشيباني، تحقيق عبد الله إبراهيم الأنصاري.
89- حديث القرآن عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، د. محمد بكر آل عابد، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى.
90- الحرب النفسية ضد الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، د. عبد الوهاب كحيل، عالم الكتب بيروت، الطبعة الأولى، 1406هـ – 1986م.
91- الحركة السنوسية في ليبيا، علي محمد الصلابي، دار البيارق، عمان طبعة أولى 1999م.
92- حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، د. محمد بن خليفة التميمي، دار أضواء السلف، الطبعة الأولى، 1418هـ – 1997م.
93- الحكم والتحاكم في خطاب الوحي، عبد العزيز مصطفى كامل، دار طيبة، الطبعة الأولى، 1415هـ- 1995م.
94- الحكومة الإسلامية، أبو الأعلى المودودي، ترجمة أحمد إدريس، المختار الإسلامي للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1397هـ – 1977م.
95- حلية الأولياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، مطبعة السعادة، مصر، 1351هـ.
96- حوار الرسول مع اليهود، د. محسن الناظر، الطبعة الثانية، 1412هـ- 1992م، دار الوفاء.
(خ)
97- خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، للشيخ محمد أبي زهرة، دار الفكر بيروت الطبعة الأولى 1972م.
98- الخصائص العامة للإسلام، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، مصر، الطبعة الرابعة 1409هـ – 1989م.
99- الخصائص الكبرى، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية بيروت.
(د)
100- دائرة المعارف الكاثوليكية، مقال التثليث.
101- الدر المنثور في التفسير بالمأثور، الإمام السيوطي، الناشر محمد أمين دمج، بيروت، لبنان.
102- دراسات في السيرة النبوية، د. عماد الدين خليل، دار النفائس، بيروت الطبعة الحادية عشرة 1409هـ – 1989م.
103- دراسات في عهد النبوة، د. عبد الرحمن الشجاع، دار الفكر المعاصر، صنعاء، اليمن، الطبعة الأولى، 1419هـ – 1999م.
104- دراسات قرآنية، محمد قطب، دار الشروق، الطبعة الخامسة 1408هـ- 1988م.
105- دراسة تحليلية لشخصية الرسول، د. محمد قلعجي، دار النفائس الطبعة الأولى، سنة 1408هـ -1988م.
106- الدرر في اختصار المغازي والسير، يوسف بن عبد البر، وزارة الأوقاف بمصر، لجنة إحياء التراث، القاهرة 1412هـ- 1994م.
107- دروس في الكتمان، محمود شيت خطاب، مكتبة النهضة، بغداد، الطبعة العاشرة، 1988م.
108- دستور للأمة من القرآن والسنة، د. عبد الناصر العطار، مؤسسة علوم القرآن، الشارقة، الإمارات، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى، 1414هـ – 1993م.
109- الدعوة الإسلامية، عبد الغفار عزيز.
110- دعوة الله بين التكوين والتمكين، د. علي جريشة، مكتبة وهبة، مصر، الطبعة الأولى، 1406هـ – 1986م.
111- دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، للحافظ أبي بكر أحمد البيهقي، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى، 1405هـ.
112- دور المرأة في خدمة الحديث، آمال قرداش، كتاب الأمة، الطبعة الأولى، 1420هـ.
113- دولة الرسول صلى الله عليه وسلم من التكوين إلى التمكين، كامل سلامة الدقس، دار عمار، عمان، الطبعة الأولى، 1415هـ- 1994م.
114- الدولة العربية الإسلامية، منصور الحرابي، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية بليبيا الطبعة الثانية 1983م.
115- ديوان أبي بكر الصديق، حققه وشرحه راجي الأسمر، دار صادر بيروت، الطبعة الأولى، 1997م.
116- ديوان شوقي، الأعمال الشعرية الكاملة، دار العودة، بيروت، طبعة 1986م.
117- ديوان عنترة، فاروق الطباع، دار القلم بيروت، لبنان.
(ر)
118- الرؤى والأحلام في النصوص الشرعية، أسامة عبد القادر.
119- الرؤيا ضوابطها وتفسيرها، هشام الحمصي، دار الكلم الطيب، دمشق، بيروت، الطبعة الثانية، 1417هـ – 1996م.
120- رجال الإدارة في الدولة الإسلامية، د. حسين محمد سليمان، دار الإصلاح، الدمام بالسعودية.
121- الرحيق المختوم، لصفي الدين عبد الرحمن المباركفوري، الطبعة الأولى، 1417هـ – 1996م، مؤسسة الرسالة، لبنان.
122- رسالة الأنبياء، عمر أحمد عمر، دار الحكمة دمشق، الطبعة الأولى، 1418هـ – 1997م.
123- الرسول القائد، محمود شيت خطاب، دار مكتبة الحياة ومكتبة النهضة بغداد الطبعة الثانية، 1960م.
124- الرسول المبلغ، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1418هـ- 1997م.
125- الرسول المعلم وأساليبه في التعليم للشيخ عبد الفتاح أبي غدة، دار مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الأولى 1417هـ – 1996م.
126- الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، لأبي القاسم السهيلي، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، دار الكتب الحديثة، طبعة 1387هـ.
(ز)
127- زاد المسير في علم التفسير، أبو الفرج الجوزي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1384هـ- 1965م.
128- زاد المعاد في هدي خير العباد، أبو عبد الله ابن القيم حققه: شعيب الأرناؤوط وعبد القادر، الطبعة الأولى، 1399هـ، دار الرسالة.
129- زاد اليقين لأبي شنب، لاشين أبو شنب، دار البشير، طنطا، مصر، الطبعة الأولى، 1413هـ- 1993م.
130- الزهد، أحمد بن حنبل، دار الريان للتراث، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1412هـ- 1992م.
131- زيد بن ثابت، كاتب الوحي، وجامع القرآن، صفوان داوودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1411هـ- 1990م.
(س)
132- سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، محمد بن يوسف الصالحي، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1394هـ- 1974م.
133- السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة، د. بريكك محمد بريكك، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، 1417هـ- 1996م.
134- السفارات النبوية، د. محمد العقيلي، دار إحياء العلوم، بيروت، الطبعة الأولى، 1406هـ – 1986م.
135- سفراء الرسول، محمود شيت خطاب، مؤسسة الريان, دار الأندلس الخضراء، الطبعة الأولى، 1417هـ- 1996م.
136- سنن الدارقطني: على بن عمر الدارقطني وبذيله التعليق المغني لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي- عالم الكتب- لبنان – دون تاريخ.
137- سنن أبي داود: الإمام أبو داود السجستاني، تحقيق وتعليق عزت الدعاس، 1391هـ، سوريا.
138- سنن ابن ماجة: الحافظ أبو عبد الله بن زيد القزويني، دار الفكر.
139- سنن الترمذي: الإمام أبو عيسى الترمذي، دار الفكر، 1398هـ.
140- سنن النسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، مطبعة مصطفى الحلبي القاهرة، 1964م.
141- سير أعلام النبلاء: شمس الدين الذهبي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1403هـ.
142- السير والمغازي لابن إسحاق، تحقق سهيل زكار، دار الفكر، طبعة أولى 1978م.
143- السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون، علي بن برهان الدين الحلبي، دار المعرفة.
144- سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم صور مقتبسة من القرآن الكريم، تأليف الأستاذ محمد عزة دروزة، عني بها الأستاذ عبد الله إبراهيم الأنصاري، المؤتمر العالمي للسيرة النبوية الدوحة 1400هـ،.
145- السيرة النبوية، أبو الحسن الندوي، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة ط7/1408.
146- السيرة النبوية، دراسة تحليلية، محمد أبو فارس، دار الفرقان، عمان الطبعة الأولى 1418هـ- 1997م.
147- السيرة النبوية، للذهبي، تحقيق حسام الدين القدسي، مكتبة هلال بيروت.
148- السيرة النبوية الصحيحة، د. أكرم العمري، الطبعة الأولى 1412هـ/ 1992م، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة.
149- السيرة النبوية تربية أمة وبناء دولة، صالح أحمد الشامي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1412هـ – 1992م.
150- السيرة النبوية دروس وعبر، د. مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة التاسعة، 1406هـ – 1986م.
151- السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، محمد أبو شهبة، دار القلم، دمشق، الطبعة الثالثة، 1417هـ – 1996م.
152- السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، د. مهدي رزق الله أحمد، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض الطبعة الأولى، 1412هـ – 1992م.
153- السيرة النبوية لأبي حاتم البستي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت الطبعة الأولى 1407هـ – 1987م.
154- السيرة النبوية، لأبي محمد بن عبد الملك بن هشام، دار الفكر، بدون تاريخ.
155- السيرة النبوية، لابن كثير، للإمام أبي الفداء إسماعيل، تحقيق مصطفى عبد الواحد، الطبعة الثانية، 1398هـ، دار الفكر بيروت، لبنان.
156- السيرة النبوية، لمحمد الصوياني، مؤسسة الريان، الطبعة الأولى، 1420هـ – 1999م.
(ش)
157- شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
158- شرح ديوان حسان بن ثابت, ضبطه وصححه عبد الرحمن البرقوقي –دار الأندلس بيروت, بدون تاريخ
159- شرح السنة، لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: علي محمد معوض وعادل أحمد, دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1965م، القاهرة.
160- شرح الشفا: نور الدين مُلا علي قاري- تحقيق حسنين مخلوف, مطبعة المدني – القاهرة- مصر – 1398هـ
161- شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، تحقيق وتعليق وتخريج أحاديث وتقديم د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي وشعيب الأرناؤوط، ط4، 1412هـ – 1992م، مؤسسة الرسالة، بيروت.
162- شرح المعلقات للحسين الزوزني، تحقيق يوسف علي بدوي، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الأولى، 1410هـ- 1989م.
163- شرح المواهب اللدنية للقسطلاني، لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني، دار المعرفة، بيروت.
164- شرح النووي على صحيح مسلم للإمام النووي المتوفى 676هـ – طبع المطبعة المصرية ومكتبتها – القاهرة عام 1347هـ.
165- الشفاء في التعريف بحقوق المصطفى، الإمام القاضي عياض، استانبول، عثمانية.
(ص)
166- صبح الأعشي في صناعة الإنشا، أحمد بن علي القلقشندي، تحقيق محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ – 1987م.
167- الصحابي الشاعر عبد الله بن الزبعرى، تأليف محمد علي كابتي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1419هـ- 1999م.
168- صحيح البخاري، محمد إسماعيل البخاري، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1411هـ – 1991م.
169- صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1408هـ- 1988م.
170- صحيح السيرة النبوية للطرهوني، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى 1414هـ.
171- صحيح السيرة النبوية، إبراهيم العلي، دار النفائس، الطبعة الثالثة، 1408هـ -1998م.
172- صحيح سنن ابن ماجة: ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربية لدول الخليج الرياض، الطبعة الثالثة، 1408هـ- 1988م.
173- صحيح مسلم بشرح النووي، المطبعة المصرية بالأزهر، الطبعة الأولى، 1347هـ- 1929م.
174- صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان الطبعة الثانية، 1972م.
175- الصراع مع الصليبين، محمد عبد القادر أبو فارس، دار البشير، طنطا، طبعة عام 1419هـ- 1999م.
176- الصراع مع اليهود، محمد أبو فارس، دار الفرقان، الطبعة الأولى، 1411هـ- 1990م.
177- صفة الصفوة لابن الجوزي، تحقيق: محمود خوري، ومحمد قلعجي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية 1399هـ.
178- صفة الغرباء, سلمان العودة، دار ابن الجوزي، الطبعة الثانية، 1412هـ- 1991م.
179- صفوة التفاسير للصابوني، دار القرآن الكريم، بيروت، الطبعة الأولى، عام 1401هـ.
180- صلاح الدين الأيوبي، عبد الله علوان.
181- صلح الحديبية، محمد أحمد باشميل، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1973م – 1393هـ.
182- صور من حياة الرسول، أمين دويدار، الطبعة الرابعة، دار المعارف، القاهرة، بدون تاريخ.
183- صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، تأليف: د. محمد فوزي فيض الله، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ- 1996م.
(ض)
184- ضوابط المصلحة، محمد رمضان سعيد البوطي، مؤسسة الرسالة ط4، سنة 1402هـ.
(ط)
185- الطاعة والمعصية وأثرهما في المجتمع، محمد بن العثيمين، غزوة أحد.
186- طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين، أبو عبد الله محمد بن سلام بن عبد الله الجمحي بدون معلومات نشر.
187- طبقات ابن سعد الكبرى، محمد بن سعد الزهري، دار صادر، ودار بيروت للطباعة والنشر، 1376هـ- 1957م.
188- طريق النبوة والرسالة، د. حسين مؤنس، دار الرشاد، الطبعة الثانية، 1418هـ – 1997م.
189- الطريق إلى المدائن، عادل كمال، دار النفائس، بيروت، لبنان الطبعة الخامسة، 1407هـ- 1987م.
190- الطريق إلى المدينة، محمد العبده، دار الجوهرة، عمان، الطبعة الثانية، 1999م.
191- الطريق إلى جماعة المسلمين، حسين بن محسن بن علي جابر، دار الوفاء بالمنصورة في مصر الطبعة الخامسة، 1413هـ-1992م.
(ظ)
192- ظاهرة الإرجاء، سفر الحوالي، مكتبة الطيب، الطبعة الأولى، 1417هـ، القاهرة، مصر.
(ع)
193- العبادة في الإسلام، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية عشرة، 1405هـ- 1985م.
194- عبد الله بن مسعود، عبد الستار الشيخ، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية 1410هـ- 1990م.
195- العبقرية العسكرية في غزوات الرسول، محمد فرج، دار الفكر العربي، القاهرة الطبعة الثالثة، سنة 1977م.
196- عقيدة أهل السنة في الصحابة، د. ناصر حسن الشيخ، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، 1413هـ- 1993م.
197- علاج القرآن الكريم للجريمة، د. عبد الله الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1413هـ.
198- العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية، د. سعيد عبد الله حارب المهيري، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1416هـ- 1995م.
199- علاقة الآباء بالأبناء في الشريعة الإسلامية، د. سعاد الصالح، الناشر: تهامة جدة، الطبعة الأولى، 1401هـ.
200- عمدة التفسير (مختصر ابن كثير) الشيخ أحمد شاكر, مكتبة التراث الإسلامي, 1991م
201- عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني.
202- العهد والميثاق في القرآن الكريم، د. ناصر العمري، دار العاصمة، الطبعة الأولى، 1413هـ.
203- عون المعبود، شرح سنن أبي داود، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر بيروت.
204- عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، ابن سيد الناس، دار المعرفة، بيروت.
(غ)
205- الغرباء الأولون، سلمان العودة، الطبعة الثالثة، دار ابن الجوزي، الدمام السعودية عام 1412هـ- 1991م.
206- غزوة أحد, أحمد عز الدين.
207- غزوة أحد دراسة دعوية، محمد عيظة بن سعيد بن مذجح، دار إشبيليا، الطبعة الأولى، 1420هـ- 1999م.
208- غزوة أحد لأبي فارس، محمد عبد القادر أبو فارس، ط1، 1402هـ- 1982م، دار الفرقان، عمان – الأردن.
209- غزوة الأحزاب, محمد عبد القادر أبو فارس، دار الفرقان، عمان، الطبعة الأولى، 1403هـ- 1983م.
210- غزوة الأحزاب، محمد أحمد باشميل، دار الفكر، الطبعة الخامسة، 1397هـ- 1977م.
211- غزوة بدر الكبرى الحاسمة، محمود خطاب.
212- غزوة بدر الكبرى، محمد أبو فارس، دار الفرقان، الطبعة الأولى، 1402هـ- 1982م.
213- غزوة بدر الكبرى، محمد أحمد باشميل، طبعة دار الفكر، الطبعة السادسة، سنة 1394هـ.
214- غزوة تبوك، محمد أحمد باشميل، دار الفكر، بيروت.
(ف)
215- فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
216- الفتح الرباني، للساعاتي، أحمد عبد الرحمن الساعاتي، في ترتيب مسند الإمام أحمد، أحمد عبد الرحمن الساعاتي، مطبعة الفتح الرباني بالقاهرة، الطبعة الأولى.
217- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية، من علم التفسير، محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر.
218- الفصل في الملل والنحل، لابن حزم، مكتبة السلام العالمية.
219- فصول في السيرة النبوية، عبد المنعم السيد.
220- فقه الإسلام، شرح بلوغ المرام، لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، مطابع الرشيد، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، عام 1403هـ.
221- فقه الابتلاء محمد أبو صعيليك، دار البيارق، عمان – بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ- 1999م.
222- فقه التمكين في القرآن الكريم، علي محمد الصلابي، دار البيارق، عمان، الطبعة الأولى، 1999م.
223- فقه الدعوة إلى الله، عبد الحليم محمود، دار الوفاء، الطبعة الأولى، 1410هـ – 1990م.
224- فقه الدعوة الفردية، د. سيد محمد نوح، دار اقرأ، صنعاء.
225- فقه الزكاة للقرضاوي، مكتبة وهبة، الطبعة الحادية والعشرون، 1414هـ- 1994م.
226- الفقه السياسي للوثائق النبوية، خالد الفهداوي، دار عمار، الطبعة الأولى 1419هـ- 1998م.
227- فقه السيرة النبوية، منير الغضبان، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث مكة المكرمة.
228- فقه السيرة، محمد سعيد رمضان البوطي، الطبعة الحادية عشرة، دار الفكر، دمشق– سوريا، 1991م.
229- فقه السيرة للغزالي، دار القلم، دمشق، سوريا الطبعة الرابعة، 1409هـ- 1989م.
230- فلسفة التربية الإسلامية، ماجد عرسان الكيلاني، مكتبة هادي، مكة المكرمة، طبعة عام 1409هـ.
231- الفوائد لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، دار الريان للتراث، القاهرة مصر، الطبعة الأولى 1407هـ- 1987م.
232- في السيرة النبوية قراءة لجوانب الحذر والحماية، الدكتور إبراهيم علي محمد أحمد، وزارة الأوقاف بدولة قطر الطبعة الأولى، رجب 1417هـ.
233- في ظلال السيرة النبوية، الهجرة النبوية، الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس، دار الفرقان، عمان، الأردن، الطبعة الثانية، 1408هـ- 1988م.
234- في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، الطبعة التاسعة، 1400هـ- 1980م.
(ق)
235- القاموس المحيط، مجد الدين محمد الفيروزآبادي، مطبعة مصطفى البابي وأولاده، بمصر, الطبعة الثانية 1371هـ- 1952م.
236- قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد قلعجي، دار النفائس بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1416هـ- 1996م.
237- قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير وأثرها في التراث العربي، تأليف د. السيد إبراهيم محمد، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1406هـ- 1986م.
238- قضايا في المنهج، سلمان العودة، دار مكتبة القدس، الطبعة الثالثة، 1420هـ- 1999م.
239- قضايا نساء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنات, حفصة بنت عثمان الخليفي، دار المسلم, الطبعة الأولى، 1418هـ- 1997م.
240- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (660هـ) المكتبة الحسينية المصرية، بجوار الأزهر، الطبعة الأولى، 1353هـ – 1934م.
241- القول المبين في سيرة سيد المرسلين، د. محمد الطيب النجار، دار اللواء، الرياض، 1401هـ- 1981م.
242- قيادة الرسول السياسية والعسكرية، أحمد راتب عرموش، دار النفائس، الطبعة الأولى 1419هـ- 1989م.
243- القيادة العسكرية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، دار القلم، الطبعة الأولى، 1410هـ- 1990م.
(ك)
244- الكامل في التاريخ، لابن الأثير، دار صادر، بيروت.
(ل)
245- لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت.
246- لقاء المؤمنين، عدنان النحوي، مطابع الفرزدق التجارية، الرياض – السعودية،الطبعة الثالثة، 1405هـ- 1985م.
(م)
247- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، لأبي الحسن الندوي، دار المعارف الطبعة السابعة، 1408هـ- 1988م.
248- المال في القرآن الكريم، سليمان الحصين، دار المعراج الدولية، الطبعة الأولى، 1415هـ- 1995م.
249- مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم، دار المسلم، الرياض، الطبعة الثانية، 1416هـ- 1996م.
250- مباحثات في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم، دار القلم، دمشق، سوريا.
251- مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الثامنة، 1401هـ- 1981م.
252- مبادئ علم الإدارة، محمد نور الدين عبد الرزاق، مكتبة الخدمات الحديثة، جدة السعودية، الطبعة الأولى، بدون تاريخ.
253- مبادئ نظام الحكم في الإسلام، عبد الحميد متولي، دار المعارف, الطبعة الأولى.
254- المبسوط، شمس الدين السرخسي، مطبعة السعادة، مصر، الطبعة الأولى.
255- المجتمع المدني في عهد النبوة، د. أكرم العمري، الطبعة الأولى 1404هـ- 1984م.
256- مجلة المجتمع الكويتية، عدد رقم 248، 17 صفر 1399هـ.
257- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتاب العربي، بيروت الطبعة الثالثة، سنة 1402هـ- 1982م.
258- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع عبد الرحمن بن محمد قاسم العاصمي النجدي، المكتب التعليمي السعودي بالمغرب.
259- مجموعة الوثائق السياسية، لمحمد حميد الله، دار النفائس، الطبعة الخامسة، 1405هـ- 1985م.
260- محاسن التأويل، محمد جمال الدين القاسمي، دار الفكر، بيروت.
261- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية، أبي محمد بن عبد الحق بن غالب الأندلسي، تحقيق المجلس العلمي بفاس، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب طبعة 1395هـ.
262- محمد رسول الله، محمد الصادق عرجون، دار القلم، الطبعة الثانية، 1415هـ- 1995م.
263- محمد رسول الله، محمد رشيد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1975م.
264- محنة المسلمين في العهد المكي، د. سليمان السويكت، مكتبة التوبة, الرياض، الطبعة الأولى، 1412هـ- 1992م.
265- المختار من كنوز السنة، محمد عبد الله دراز، دار الأنصار القاهرة، الطبعة الثانية 1978م.
266- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة، لابن قيم الجوزية، اختصره محمد الموصلي، مكتبة الرياض الحديثة.
267- مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، لمحمد بن عبد الوهاب، جامعة الإمام محمد بن سعود.
268- مختصر صحيح مسلم للحافظ زكي المنذري، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، دمشق الطبعة الثالثة، سنة 1397هـ- 1977م.
269- المدخل إلى العقيدة والإستراتيجية العسكرية، محمد جمال الدين علي محفوظ، مطابع الهيئة المصرية للكتاب بالقاهرة.
270- مدخل لفهم السيرة، د. يحيى اليحيى، أخذها المؤلف من صاحب الكتاب قبل أن يطبعها.
271- المدرسة النبوية العسكرية لأبي فارس، دار الفرقان، عمان.
272- المدينة المنورة فجر الإسلام والعصر الراشدي، محمد حسين شراب، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى 1415هـ- 1994م.
273- المرأة في العهد النبوي، د. عصمة الدين كركر، دار الغرب الإسلامي، بيروت الطبعة الأولى 1993م.
274- مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته وأثره على الأمة, خالد أبو صالح، دار الوطن، الطبعة الأولى، 1414هـ.
275- مرويات غزوة أحد، حسين أحمد الباكري، رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية، إشراف، د. أكرم العمري، عام 1399هـ.
276- مرويات غزوة الحديبية، د. حافظ الحكمي، دار ابن القيم، الطبعة الأولى، 1411هـ – 1991م.
277- مرويات غزوة بدر، أحمد باوزير، مكتبة طيبة، الطبعة الأولى 1400هـ- 1980م.
278- مرويات غزوة بني المصطلق، إبراهيم القريبي، طبع المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، عام 1402هـ.
279- مساجد القاهرة ومدارسها، أحمد فكري، طبعة الإسكندرية، 1961م.
280- المستدرك على الصحيحين، للإمام أبي عبد الله النيسابوري بذيله التلخيص للذهبي، دار النشر مكتب المطبوعات الإسلامية, طبعة سنة 1390هـ – 1970م.
281- المستشفيات الإسلامية، د. عبد الله عبد الرزاق، مسعود العيد, دار الضياء للنشر والتوزيع، عمان، الأردن الطبعة الأولى، 1408هـ- 1987م.
282- المستطرف في كل فن مستطرف، شهاب الدين الأبشيهي، مكتبة الحياة، بيروت.
283- المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1418هـ- 1997م.
284- المسلمون والروم في عصر النبوة، عبد الرحمن أحمد سالم، دار الفكر العربي، طبعة 1418هـ- 1997م.
285- مسند أبي يعلي الموصلي, الحافظ أحمد بن علي التميمي – دار المأمون للتراث- دمشق, بيروت, ط1.
286- المسند، أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، بيروت.
287- المشروع الإسلامي لنهضة الأمة قراءة في فكر حسن البنا، لمجموعة من الباحثين.
288- مشكاة المصابيح، الخطيب التبريزي المكتب الإسلامي، دمشق، الطبعة الأولى، 1381هـ- 1961م.
289- مصعب بن عمير، الداعية المجاهد، محمد حسن بريغش، دار القلم، دمشق، الطبعة الرابعة، 1407هـ- 1987م.
290- مصنف عبد الرزاق، لأبي بكر عبد الزراق بن همام الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى.
291- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: أحمد حجر العسقلاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.
292- معارك خالد بن الوليد، د. ياسين سويد، المؤسسة العربية للدارسة والنشر الطبعة الرابعة، 1989م.
293- معالم قرآنية في الصراع مع اليهود، د. مصطفى مسلم محمد، دار المسلم، الرياض، الطبعة الأولى، 1415هـ- 1994م.
294- المعاهدات في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، د. محمد الديك، ، دار الفرقان للنشر والتوزيع, الطبعة الثانية، 1418هـ- 1997م.
295- معجم البلدان، الياقوت الحموي، دار صادر، ودار بيروت، 1404هـ-1984م.
296- معجم الطبراني، سليمان بن أحمد الطبراني، دار العربية، بغداد، 1398هـ.
297- المعجم الكبير لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني, م:260هـ- ت360هـ، دار مكتبة العلوم والحكم، طبعة 2، 1406هـ- 1985م.
298- معركة الوجود بين القرآن والتلمود، عبد الستار فتح الله سعيد، مكتبة المنار.
299- المعوقون للدعوة الإسلامية في عهد النبوة وموقف الإسلام منها، د. سميرة محمد جمجوم، دار المجتمع جدة، الطبعة الأولى، 1407هـ- 1987م.
300- المغازي النبوية، تحقيق سهيل زكار، للزهري، دار الفكر، دمشق، 1401 – 1981م.
301- مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، عروة بن الزبير، تحقيق: د. محمد الأعظمي، نشر: مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، الطبعة الأولى، 1401هـ- 1981م.
302- المغازي للواقدي، محمد عمر بن واقد المتوفي 207هـ، تحقيق د. مارسدن جونس، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1404هـ- 1984م.
303- مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، دار الشروق, القاهرة، الطبعة الثامنة، 1413هـ- 1993م.
304- المفصل في أحكام النساء، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1413هـ – 1993م.
305- مقاصد الشريعة الإسلامية، د. محمد سعد اليوبي، دار الهجرة، الرياض، الطبعة الأولى، 1418هـ- 1998م.
306- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يوسف حامد العالم، الدار العلمية للكتاب الإسلامي، ط2، سنة 1415هـ – 1993م، الرياض.
307- مقدمة ابن الصلاح وشرحها، للحافظ العراقي، طبع دار الكتب العلمية بيروت، لبنان.
308- مقدمة ابن خلدون، للعلامة عبد الرحمن بن خلدون، ط، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة بدون تاريخ.
309- مقومات الداعية الناجح، د. علي بادحدح، دار الأندلس الخضراء، جدة، الطبعة الأولى، 1417هـ- 1996م.
310- مقومات السفراء في الإسلام، حسن فتح الباب، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة 1970م.
311- مقومات النصر، د. أحمد أبو الشباب, المكتبة العصرية، لبنان 1420هـ- 1999م.
312- مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول للأستاذ أحمد الشريف.
313- ملامح الشورى في الدعوة الإسلامية، عدنان النحوي، الطبعة الثانية.
314- من معين السيرة، صالح أحمد الشامي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، 1413هـ- 1992م.
315- من هدي سورة الأنفال، محمد أمين المصري، طبع مكتبة دار الأرقم، الكويت.
316- المنافقون، محمد جميل غازي، مكتبة المدني ومطبعتها، جدة، السعودية 1972م.
317- منامات الرسول صلى الله عليه وسلم، عبد القادر الشيخ إبراهيم، دار القلم العربي، بحلب، الطبعة الأولى، 1419هـ- 1999م.
318- مناهج وآداب الصحابة في التعلم والتعليم، د. عبد الرحمن البر، دار اليقين المنصورة، الطبعة الأولى، 1420هـ- 1999م.
319- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لأبي الفرج بن الجوزي، دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان.
320- منهاج السنة النبوية، لابن تيمية مؤسسة قرطبة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1416هـ- 1986م.
321- المنهاج القرآني في التشريع، عبد الستار فتح الله سعيد، مطابع دار الطباعة الإسلامية، الطبعة الأولى، 1413هـ، 1992م.
322- منهج الإعلام الإسلامي في صلح الحديبية، سليم حجازي، دار المنارة، الطبعة الأولى، 1406هـ- 1986م.
323- منهج الإسلام في تزكية النفس، د. أنس أحمد كرزون، دار نور المكتبات، دار ابن حزم، الطبعة الثانية، 1418هـ- 1997م.
324- المنهج التربوي للسيرة النبوية- التربية الجهادية، منير الغضبان، مكتبة المنار، الطبعة الأولى، 1411هـ- 1991م.
325- منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، دار الشروق، الطبعة الخامسة، 1403هـ- 1983م.
326- المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير الغضبان، مكتبة المنار، الأردن الطبعة الثالثة 1411هـ – 1990م.
327- منهج الرسول في غرس الروح الجهادية في نفوس الصحابة، السيد محمد نوح، نشرته جامعة الإمارات العربية المتحدة, الطبعة الأولى، 1411هـ – 1990م.
328- الموازنة بين ذوق السماع وذوق الصلاة والقرآن، للإمام ابن القيم الجوزية، تحقيق: مجدي فتحي السيد.
329- الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق إبراهيم موسى اللخمي الشهير بالشاطبي، دار الفكر، 1341هـ.
330- الموسوعة في سماحة الإسلام، محمد الصادق عرجون، الدار السعودية للنشر والتوزيع جدة ط الثانية 1404هـ.- 1984م
(ن)
331- نشأة الدولة الإسلامية، د. عون الشريف قاسم، دار الكتب اللبناني، بيروت، ط2، 1400هـ – 1980م.
332- نصب الراية في أحاديث الهداية، بحاشية بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، عبد الله ابن يوسف بن محمد الزيلعي, المكتب الإسلامي، دمشق، 1393هـ.
333- نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، إعداد مجموعة من المختصين بإشراف صالح بن حميد، دار الوسيلة، الطبعة الأولى 1418هـ.
334- نظام الحكم، في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ظافر القاسمي، دار النفائس، الطبعة السادسة، 1411هـ- 1990م.
335- نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية، محمد عبد الحي الكتاني، دار الأرقم، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية.
336- النظام السياسي في الإسلام، محمد عبد القادر أبو فارس، دار الفرقان، الطبعة الثانية 1407هـ- 1986م.
337- نظرات في رسالة التعاليم, محمد عبد الله الخطيب, محمد عبد الحليم حامد، دار التوزيع والنشر الإسلامية, مصر 1995.
338- نظرات في السيرة للإمام حسن البنا، سجلها وأعدها للنشر أحمد عيسى عاشور، مكتبة الاعتصام، القاهرة، الطبعة الأولى، 1399هـ- 1979م.
339- نفوس ودروس في إطار التصوير القرآني، توفيق محمد سبع، مجمع البحوث الإسلامية القاهرة، مصر الطبعة الأولى، بدون تاريخ.
340- النكت والعيون (تفسير الماوردي)، لأبي الحسن علي بن حبيب الماوردي، تحقيق خضر محمد خضر – نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية والتراث الإسلامي، بالكويت.
341- النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير, تحقيق طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي ط/ المكتبة الإسلامية 1385هـ.
342- نور اليقين، محمد الخضري، دار القلم، دمشق، سوريا.
343- نيل الأوطار، شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، محمد بن علي الشوكاني، دار الحديث، القاهرة.
(هـ)
344- الهجرة الأولى في الإسلام، د. سليمان العودة، دار طيبة للنشر، الرياض، الطبعة الأولى، 1419هـ.
345- هجرة الرسول وصحابته في القرآن والسنة، أحمد عبد الغني النجولي الجمل، دار الوفاء، الطبعة الأولى، 1409هـ- 1989م.
346- الهجرة النبوية المباركة، د. عبد الرحمن البر، دار الكلمة، المنصورة، مصر، الطبعة الأولى، 1418هـ – 1997م.
347- الهجرة في القرآن الكريم، أحزمي سامعون جزولي، مكتبة الرشد الرياض، الطبعة الأولى، 1417هـ- 1996م.
348- هذا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يا محب، لأبي بكر الجزائري، مكتبة لينة.
349- هذا الدين، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، مصر، الطبعة الرابعة، 1412هـ-1992م.
(و)
350- واقعنا المعاصر، لمحمد قطب، مؤسسة المدينة للصحافة والطباعة والنشر، جدة الطبعة الثانية، 1408هـ- 1987م.
351- الوحي والرسالة، د. يحيى اليحيى، أخذت من المؤلف صورة قبل الطبع.
352- الوسطية في القرآن الكريم، علي محمد الصلابي، دار النفائس، دار البيارق، الطبعة الأولى، 1419هـ- 1999م.
353- وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، أبو الحسن بن عبد الله السمهوري، دار المصطفى، طبعة القاهرة، 1326هـ.
354- الوفود في العهد المكي وأثره الإعلامي، لعلي رضوان أحمد الأسطل، دار المنار، الأردن عمان الطبعة الأولى 1404هـ – 1984م.
355- وقفات تربوية مع السيرة النبوية، أحمد فريد، دار طيبة، الرياض، الطبعة الثالثة، 1417هـ- 1997م.
356- وقفات تربوية من السيرة النبوية، عبد الحميد البلالي، المنار، الكويت, الطبعة الثالثة، 1411هـ – 1991م.
357- الولاء والبراء في الإسلام، محمد سعيد القحطان، دار طيبة الرياض، الطبعة السادسة، 1413هـ.
358- ولاية الشرطة في الإسلام، نمر محمد الحميداني، دار عالم الكتب، الطبعة الثانية، 1414هـ- 1994م.
(ي)
359- يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر الجنة والنار، لصديق حسن.
360- اليهود في السنة المطهرة، د. عبد الله الشقاري، دار طيبة، الرياض، طبعة أولى، 1417هـ- 1996م.
361- اليوم الآخر في الجنة والنار، د. عمر الأشقر، مكتبة الفلاح، الكويت، الطبعة الثانية، 1408هـ- 1988م.
* * *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.