صبر الرسول على أذى المشركين .. د. محمد راتب النابلسي

لأن مشيئة الله جلَّ جلاله شاءت أن تكون الدنيا دار ابتلاء ، لذلك لا بدَّ أن يمتحن الإنسان فيما يكره ، لا فيما يحب ، أنت إذا سبحت في نهرٍ ، وقد اتجهت مع حركة النهر ، ترى يسراً وراحةً في الحركة ، لكنك إذا أردت أن تسبح على عكس اتجاه النهر تحتاج إلى جهد كبير ، فإذا كان الهدف على عكس اتجاه التيار ، وكنت صادقاً في الوصول إلى هذا الهدف، تأخذ الطريق المعاكس لاتجاه النهر ، عندها تبذل جهداً كبيراً .

صبر الرسول على أذى المشركين .. د. محمد راتب النابلسي

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة المؤمنون … مع شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، صبره صلى الله عليه وسلم على أذى المشركين .
أيها الإخوة الكرام … لأن الله سبحانه وتعالى شاء أن تكون الدنيا دار ابتلاء ، حيث قال تعالى :”الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ”. “سورة الملك”

ولقوله تعالى : “وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ”. “سورة المؤمنون”

ولقوله تعالى : “أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ”. “سورة العنكبوت”

لأن مشيئة الله جلَّ جلاله شاءت أن تكون الدنيا دار ابتلاء ، لذلك لا بدَّ أن يمتحن الإنسان فيما يكره ، لا فيما يحب ، أنت إذا سبحت في نهرٍ ، وقد اتجهت مع حركة النهر ، ترى يسراً وراحةً في الحركة ، لكنك إذا أردت أن تسبح على عكس اتجاه النهر تحتاج إلى جهد كبير ، فإذا كان الهدف على عكس اتجاه التيار ، وكنت صادقاً في الوصول إلى هذا الهدف، تأخذ الطريق المعاكس لاتجاه النهر ، عندها تبذل جهداً كبيراً .

أردت من هذه المقدمة ومن هذا المثل ، أنك إذا أردت الآخرة ، لو أن الآخرة كانت مُيَسَّرةً مع الدنيا ، مع الشهوات ، مع المصالح ، لا يتضح من هو الصادق ولا من هو الكاذب ، ولكن حينما تكون الآخرة ، أو حينما تتعارض الآخرة مع مصالح الدنيا عندئذٍ يظهر الصادق ، ويظهر المخلص ، ويمتحن الإنسان .

إذاً لن يصل الإنسان إلى الجنة إلا إذا امتحن ، والامتحان ليس فيما يحبه الإنسان ، في الأعم الأغلب فيما لا يحبه ،

الإمام الشافعي سُئل :نسأل الله التمكين أم الابتلاء؟ ، فقال رضي الله عنه : لن تمكن قبل أن تبتلى.

الآن النبي عليه الصلاة والسلام لو أن حياته كانت محفوفةً بالمسرَّات ، لو أن الله سبحانه وتعالى ما خلق له أعداءً ، ولا كفاراً ، ولا من عارضه ، لو أنه لم يهاجر إلى المدينة ، لم يذهب إلى الطائف ، لم يأتمر عليه كفار قريش ، وسارت الدعوة هكذا بيُسر ، فأين الامتحان ؟ كيف يكون النبي قدوةً لمن بعده من الدعاة إلى الله عز وجل ؟ لذلك حياة النبي كانت قدوةً ، وكانت مثلاً ، وكانت أسوةً ، فلا بدَّ من أن يسير النبي في طريقٍ صعب ، ليكون قدوةً لمن بعدَه ، ولأن أساس الامتحان يقتضي ذلك ، فلذلك قال تعالى :”فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ” . “سورة الأحقاف : من آية 35”

أي أنك كمؤمن نحن جميعاً نسأل الله العافية ، نسأل الله التوفيق ، نسأل الله البَحبوحة ، اليُسر ، الصحة ، ولكن يجب أن توطِّن نفسك على أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يمتحنك ، فلابدَّ أن تهيِّئ نفسك لهذا الامتحان، إذا أردت أن تمتحن مركبة ، هل تمتحنها في الطريق النازلة أن في الطريق الصاعدة ؟ لا شك أنك تمتحنها في الطريق الصاعدة .

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ

إذا خاف الإنسان ، وكان في ظرف عصيب وخاف ، والخوف من طبيعة البشر ، فله في النبي عليه الصلاة والسلام أسوة ، النبي خاف ، فخرج منها خائفاً ، أن تخاف من قويٍ ، ظالمٍ ، غاشمٍ ، ليس هذا ضعفاً فيك ، ولا نقصاً فيك ، كمالك ، النبي عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله ، وهو نبي الله ، وهو المكرَّم عند الله، وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق ، أصابه خوف ، العبرة أن تكون في طاعة الله ، أما إذا خفت لا يوجد مانع ، تمتحن ، وقد تنجح ، وقد ترقى ، فالإنسان ينبغي أن يحرص على شيءٍ واحد ، ينبغي أن يحرص على أن يجده الله حيث أمره وأن يفتقده حيث نهاه ، هذا الذي ينبغي أن تحرص عليه ، أما أن تخاف ، إذا خفت فهذا لا يقدح في مكانتك ، ولا في كمالك ، أما أن تفتقر ، النبي كان أحياناً يدخل بيته ولا يجد طعاما ،

عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقُلْنَا لَا قَالَ فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَقَالَ أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا فَأَكَلَ. “مسلم”

أن تفتقر ليس هذا عيباً ، أن تخاف ليس هذا عيباً ، أن تؤذى ليس هذا عيباً ، لك في النبي عليه الصلاة والسلام أسوةٌ حسنه ، لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ ، أما إذا هرَّبَ الإنسان بضاعة وخاف ، فهل هذه في الله ؟ لا ليست في الله ، لأنه مهَرِّب ، هذا الخوف لا علاقة له بالدين ، إذا الإنسان خالف النظام ، خالف القوانين ، والعقاب شديد جداً ، وخاف ، فهذا خوفٌ متعلقٌ بالدنيا ، نتحدث نحن هنا عن الخوف في الله ، لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ ، أي لأنك مؤمنٌ تخاف ، لأنك تقيم أمر الله تخاف ، أحياناً يكون هذا .

قال الله تعالى: “وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ” . “سورة البروج”

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ…

النبي عليه الصلاة والسلام يبيِّن ما أصابه من خوف ، وما أصابه من أذى . على كلٍ بونٌ شاسع بين المسلمين المتأخِّرين ، وبين المسلمين السابقين ، المسلمون السابقون حملوا الإسلام ، وفتحوا البلاد ، ووضعوا أرواحهم على أكُفِّهم ، وتحملوا من الشدائد ما لا يتحمَّله أحد ، والمسلمون اللاحقون المتأخرون أخذوا هذا الإسلام جاهزاً ، أخذوه مُيَسَّراً ، كل شيء الآن ميسر ؛ المساجد مفتوحة ، دروس العلم قائمة ، لك أن تقرأ القرآن ، المصاحف ميسَّرة ، الأشرطة ميسرة ، فالأمور اختلفت اختلاف كبير جداً ، فلذلك قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ. “متفق عليه”

لأنهم حملوا الإسلام ، وفتحوا البلاد ، وجاهدوا ، وقتلوا ، وعذبوا ، وأخرجوا من ديارهم .

لكن والله الذي لا إله إلا هو لو يعلم الإنسان المشاعر أو السكينة التي ينزلها الله على قلب المُبتلى في سبيل الله ، فعندما ربنا عز وجل يكلف إنسان بطاعته ، وهذا الإنسان يعيش في مجتمع قاسٍ ، ويدفع ثمن طاعته باهظاً ، هذا لا يعلم أحدٌ إلا الله كم ينتظره من جزاءٍ من الله تعالى .

أذىً ، على خوف ، على جوع ، من هو ؟ سيد الخلق وحبيب الحق، وأنت لست مكلف بشيء ، مكلف أن تحضر درس علم ، مكلف تطبق الإسلام في بيتك ، في عملك ، لكنك لست مكلفًا أن تبذل جهدًا كبيرًا ، وتضحي بمستقبلك ، وتضحي بسلامتك ، وتضحي بأهلك .

نحن الآن إذا ذكرنا النبي عليه الصلاة والسلام نصلي عليه ، ونعظمه ، ونبجِّله ، ونوقِّره، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء بالدعوة عومل معاملة قاسية ، قال :يا أبتِ ما هذه الجماعة ؟ قال : هؤلاء القوم الذين اجتمعوا على صابئٍ لهم ، قال : فنزلنا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى توحيد الله عز وجل والإيمان ، وهم يردون عليه ويؤذونه ، حتى انتصف النهار ، وانصدع الناس عنه ، فأقبلت امرأةٌ وهي تحمل قدحاً ومنديلاً ، فتناوله صلى الله عليه وسلم ، فشرب وتوضأ ، ثم رفع رأسه فقال :يا بُنيتي خَمِّري عليك ، أي غطي ، ولا تخافي على أبيكِ

قلنا : من هذه ؟ قالوا : هذه زينب بنته صلى الله عليه وسلم

ابنته تأتي تمسح عنه العناء ، تخفف عنه ، تصور المشقة التي تحمَّلها ، أما نحن فقد تمحورنا حول مصالحنا ، وحول بيوتنا ، وحول أقواتنا ، وحول دخلنا ، وحول تجارتنا ، فلم نعبأ ببقية الناس ، ولم نعبأ بنشر السلام ولم نعبأ بإنصاف المظلوم ، ولم نعبأ بمساعدة الفقير ، ولم نهتم إلا بأنفسنا ، فيكف يتجلى الله علينا ؟ كيف يحبنا ؟ كيف يرفعنا ؟ كيف ينصرنا ؟ كيف يؤيدنا ؟

عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قُلْتُ لَهُ :مَا أَكْثَرَ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فِيمَا كَانَتْ تُظْهِرُ مِنْ عَدَاوَتِهِ

قَالَ :حَضَرْتُهُمْ وَقَدْ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ سَفَّهَ أَحْلَامَنَا وَشَتَمَ آبَاءَنَا وَعَابَ دِينَنَا وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا وَسَبَّ آلِهَتَنَا لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ أَوْ كَمَا قَالُوا قَالَ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ فَلَمَّا أَنْ مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ مَا يَقُولُ قَالَ فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ مَضَى فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ مَضَى ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ الثَّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا فَقَالَ تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ فَأَخَذَتْ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا كَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنْ الْقَوْلِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ انْصَرِفْ رَاشِدًا فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ جَهُولًا قَالَ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ حَتَّى إِذَا بَادَأَكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَأَحَاطُوا بِهِ يَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ قَالَ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمَجْمَعِ رِدَائِهِ قَالَ وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ دُونَهُ يَقُولُ وَهُوَ يَبْكِي أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَشَدُّ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا بَلَغَتْ مِنْهُ قَطُّ. “أحمد”

إذا كان للإنسان كلمات وهو يمشي في الطريق ، ورفع طفل صغير صوته ، وقلَّده بهذه الكلمات ، ألا يشعر أنه خدش ، أنه جرح .

أنتم تتطاولون ، تسخرون ، تكفرون ، تستهزؤون ، لكم مصيرٌ صعب لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِـ أي القتل ـ فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجلٌ إلا على رأسه طائرٌ واقع ، حتى إن أشدهم فيه بإيذائه تكلَّم كلاماً حسناً ، حتى إنه ليقول : انصرف يا أبا القاسم ، انصرف راشداً فوالله ما كنت جهولاً ” .

يبدو أنهم بالغوا بإيذائه ، أول مرة ، وثاني مرة ، والثالثة ، في الثالثة اللهم صلي عليه غضب ، ورأى في تطاولهم هلاكاً لهم فقال : لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ، فمن كان أشد الناس عداوةً أصبح أشدهم ليناً ، قال : انصرف يا أبا القاسم ، انصرف راشداً ، فوالله ما كنت جهولاً ، وهذه كما قال سيدنا جعفر :حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه وعفافه ، ونسبه

فالنبي عليه الصلاة والسلام معصوم قبل البعثة وبعد البعثة ، السبب لو أن الله سبحانه وتعالى عصمه بعد البعثة ، وله أخطاء قبل البعثة ، ثم جاء بهذه الدعوة ، لا هم لخصومه إلا أن يعيِّروه بأخطائه التي كانت قبل البعثة ، لكن الأنبياء باتفاق علماء التوحيد والعقيدة معصومون قبل النبوة وبعدها ، إذا جاء النبي برسالة ، خصوم الدين مهما نقَّبوا في سيرته ـ الآن أحياناً يكون رئيس دولة بالدول الغربية ، له خصوم ، ينقبوا في تاريخه السابق ، له علاقة مع فتاة ينشروها بالصحف ، له قضية مالية ، له ملف خاص ، هكذا يفعلون ـ لكن النبي عليه لصلاة والسلام لو أنه لم يكن معصوماً قبل البعثة ، ثم جاء بهذا الدين الذي عاب فيه آلهتهم ، وعاب فيه عقيدتهم ، ما كان له من همٍ إلا أن ينقبوا في ماضيه عن أخطائه مهما دقَّت ، فيكبروها ، ويشهروا بها لينالوا منه ، ولكنهم مهما نقبوا في سيرته قبل النبوة لا يجدون إلا كمالاً ، وعفةً ، وأمانةً ، واستقامةً ، وخلقاً حسناً .

فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان الغدو اجتمعوا في الحجر وأنا معهم ، فقال بعضهم لبعضٍ : ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه ، حتى إذا جاهركم محمد بما تكرهون تركتموه

فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوثبوا إليه وثبة رجلٍ واحد ، فأطافوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا ؟

لمَ كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم فيقول عليه الصلاة والسلام :نعم أنا الذي أقول كذا وكذا

أحياناً الإنسان من ضعاف الإيمان يتكلم كلمة الحق ، فإذا حوسب تجده يقول : لا أنا ما قلت هذا الكلام . لماذا التراجع ، الحق حق ، والباطل باطل ، الحق لا يستحيا منه ، الحق لا يخضع للبحث ، لا يحتمل المداهنة، قال :نعم أنا الذي أقول ذلك

والله عز وجل قال :”وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ”. “سورة القلم”

إذا المؤمن على حساب دينه تكلم كلام لا يرضي الله انتهى .

قال الله عز وجل :”الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً”. “سورة الأحزاب”

لو أن المؤمن خشي غير الله ، فسكت عن الحق إرضاءً لهذا الذي خشي منه ، أو تكلم بالباطل إرضاءً لهذا الذي خشي منه ، ماذا بقي من إيمانه ؟ انتهى ، وسقط ، وأصبح في مزبلة التاريخ .

ولقد مات عمه صلى الله عليه وسلم ـ أبو طالب ـ وحينما مات عمه أبو طالب اشتد إيذاء المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وقابلوه بأنواع العداوة والشدائد ، فتوجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، لعل ثقيفاً يقومون له ردءاً ، وعوناً ، وأنصاراً على قومه في مكة ، لكنه خاب ظنه ، وكان بالتجائه إليهم كما يقول المثل : كالمستجير من الرمضاء بالنار ، فإذا بهم يقابلونه أسوأ مقابلة ، ويردون عليه أقبح رد ، وإنما قصدهم لأنهم كانوا أخواله ، ولم يكن بينه وبينهم عداوة ، ومع ذلك بالغوا في الكفر ، وبالغوا في السخرية ، وبالغوا في الإيذاء ، وقد جاءهم مشياً بعد أن كفرت قريش برسالته .

عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال :ومات أبو طالب ، وازداد من البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم شدةً ، فعمد إلى ثقيفٍ يرجو أن يؤوه وينصروه ، فوجد ثلاثة نفرٍ منهم سادة ثقيف ، وهم إخوةٌ ، فعرض عليهم نفسه ، وشكا إليهم البلاء وما انتهك قومه منه ـ ـ فقال أحدهم : أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيءٍ قط ـ أي أنت كذاب ـ وقال الآخر : والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمةً واحدةً أبداً ، لإن كنت رسولاً لأنت أعظم شرفاً وحقاً من أكلمك ، وقال الآخر : أيعجز الله أن يرسل غيرك ـ لم يجد غيرك لأن يبعثه ؟! هذا الرد ، هذا رد أهل الطائف على دعوة النبي ـ وأفشوا ذلك في ثقيف ـ ما كتموا هذا الخبر ، مجيء النبي وعرض نفسه عليهم ، أشاعوه في ثقيف ـ واجتمعوا يستهزؤون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقعدوا له على صفين على طريقه ، فأخذوا بأيدهم حجارةً ، فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة ، وهم في ذلك يستهزؤون ويسخرون ، فلما خلص من صفَّيهم وقدماه تسيلان بالدماء ، عمد صلى الله عليه وسلم إلى حائطٍ من كرومهم ، فأتى ظل حبلةٍ من الكَرم ، فجلس في أصلها مكروباً موجعاً تسيل قدماه بالدماء فأتى ظل شجرةٍ من عنبٍ فصلى ركعتين وقال :

اللهم إن أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين ، إلى من تكلني ، إلى عدوٍ بعيدٍ يتجهمني ، أم إلى قريبٍ ملَّكته أمري إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات والأرض ، وأشرقت له الظُلمات ، وصلُح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن ينزل بي غضبك ، أو أن يحل بي سخطك ـ وفي روايةٍ : أن يحل علي غضبك ، أو أن ينزل علي سخطك ـ ولك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك
فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا
أحياناً الله عز وجل يكرم إنسان ، يعطيه ، يرفع شأنه ، يرفع ذكره، يجعل كلامه مقبول ، يلقي محبَّته في قلوب الناس ، لكن لا تعلم ماذا تحمَّل هذا الإنسان من شدائد ، وماذا صبر ، وكم صبر على ملمَّات إرضاءً لله عز وجل ، فالله عز وجل الميزان عنده دقيق جداً ، الله يقدِّر الليل والنهار ، البذل ، التضيحة ، الصبر ، تحمل الأذى ، تحمل المكاره ، تحمل المعارضة ، تحمل الفتن ، هذا كله عند الله حسابٌ جزيل .
وحده شريدًا ، طريدًا ، كفر به ، ردت دعوته ، سُخِرَ منه ، الآن إذا الإنسان له مستوى ثقافي معين ، وكان جالس إلى جانبه أقل بكثير ، دهماء ، لا يطاق هذا جاهل ، الله عز وجل أرسل أكمل الخلق ، أعلم الخلق لأناس جهلة ، لأناس كفرة ، مشركون ، غلاظ ، فظاظ ، الأخلاق قاسية جداً ، أصعب .
يوم القيامة إذا وقف الخلائق أمام الله عز وجل ، كل إنسان معه عمل طيب ، معه عمل جليل ، معه عمل نفيس ، فألا يخجل الإنسان أن لا يكون له عمل ، ماذا عملت ؟ أنا أرجو الله سبحانه وتعالى أن تسأل نفسك كل يوم هذا السؤال : ماذا سأقدم من عملٍ إلى الله عز وجل حينما ألقاه .
أيها الإخوة الكرام … هذه من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها مختارة على محورٍ واحد ؛ محور صبره صلى الله عليه وسلم ، فأحياناً الإنسان يكون دخله قليل ، قد يكون زوجته ، قد يكون بيته صغير ، قد يكون في متاعب بعمله ، متاعب بصحته ، متاعب مع أولاده ، لو وازن هذه المصائب التي يراها كبيرةً كبيرة ، مع ما أصاب النبي عليه الصلاة والسلام من مصائب ليست بشيء ، وكل شيء بثمنه ، فالمؤمن الكامل يوطِّن نفسه على الابتلاء .
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ. “الترمذي ، ابن ماجه”

والمؤمن لابد من مرحلةٍ يعالج بها ، ولابد من مرحلةٍ يبتلى بها ، ولابد من مرحلةٍ مديدة يكرَّم بها ، أنت بين ابتلاءٍ ومعالجةٍ وتكريم .

والحمد الله رب العالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.