///////

الرقص … المباح والمحرم | د. يوسف القرضاوي

الإسلام دين واقعي لا يحلق في أجواء الخيال المثالية الواهمة، ولكنه يقف مع الإنسان على أرض الحقيقة والواقع. ولا يعامل الناس كأنهم ملائكة أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع. ولكنه يعاملهم بشرا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.

لذلك لم يفرض على الناس ـ ولم يفترض فيهم ـ أن يكون كل كلامهم ذِكْرا، وكل صمتهم فكرا، وكل سماعهم قرآنا، وكل فراغهم في المسجد. وإنما اعترف بهم وبفطرهم وغرائزهم التي خلقهم الله عليها، وقد خلقهم سبحانه يفرحون ويمرحون، ويضحكون ويلعبون، كما خلقهم يأكلون ويشربون.

ولذلك شرع الإسلام للناس أنواعا شتى من اللهو والترويح، ومن ألوان اللهو والترويح التي اتخذها الناس في بلدان مختلفة، وفي عصور شتى: الرقص.

ولا نستطيع أن نقول: الرقص كله مباح، أو الرقص كله محظور، فحسب نوع الرقص، ومن يقوم به من رجل أو امرأة، وما يصاحبه من محرم شرعي أو لا يصاحبه، يكون الحكم عليه.

الرقص المباح

فمن المباح: رقص الرجال في المناسبات السارة، بما لا يكشف عورة، ولا يؤذي أحدا، ولا يعطل عن صلاة أو واجب، ولا ينافي قيمة دينية أو خلقية حث عليها الإسلام.

وأوضح دليل على مشروعية هذا النوع هو: رقص الحبشة بحرابهم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عيد بمشهده وتشجيعه وحثه لهم، حتى كان يقول لهم: ” دونكم يا بني أرفدة ” وهو اسم ينادى به الحبشة. كما يقال للروم: يا بني الأصفر، ونحو ذلك.

روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأقبل عليه رسول الله، وقال: دعهما، فلما غفل غمزتهما فخرجتا.

قالت: وكان يوم عيد فيه السودان (أي الحبشة) بالدرق والحراب، فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وإما قال: ” تشتهين تنظرين؟ ” فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: “دونكم يا بني أرفدة” حتى إذا مللت، قال: “حسبك”؟ قلت: نعم. قال: “فاذهبي”.( متفق عليه، كما في اللؤلؤ والمرجان (513) والدرق: الترس إذا كان من جلود فيه خشب.)

وروى الشيخان أيضا عن أبي هريرة قال: بينا الحبشة يلعبون عند النبي صلى الله عليه وسلم بحرابهم، دخل عمر، فأهوى إلى الحصى، فحصبهم بها، فقال: “دعهم يا عمر”.(متفق عليه. اللؤلؤ والمرجان514 )

وروى الإمام أحمد في مسنده عن علي رضي الله عنه: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وجعفر وزيد (أي ابن حارثة) فقال لزيد: أنت موالي (وفي رواية: أنت أخونا ومولانا) فحجل، قال: وقال لجعفر: أنت أشبهت خَلْقي وخُلُقي، فحجل وراء زيد، قال: وقال لي: أنت مني، وأنا منك، قال: فحجلت وراء جعفر

والحجل: أن يرفع رِجْلا ويقفز على الأخرى من الفرح. وقد يكون بالرجلين إلا أنها تسمى قفزا.

والحجل هو ضرب من الرقص، وإنما رقص زيد وجعفر وعلي رضي الله عنهم، تعبيرا عن فرحهم بثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل منهم.

وقد ذكر الحافظ البيهقي هذا الحديث في سننه تحت عنوان (باب من رخص في الرقص إذا لم يكن فيه تكسر ولا تخنث). وساق الحديث ثم قال: هانئ بن هانئ ـ أحد رواته ـ ليس بالمعروف جدا، وفي هذا ـ إن صح ـ دلالة على جواز الحجل.. فالرقص الذي يكون على مثاله يكون مثله في الجواز، والله أعلم.( انظر: السنن الكبرى للبيهقي (10/226).

وقوله: ليس بالمعروف جدا، يعني أنه معروف، وإن لم يكن جدا، ويكفي أن الإمام البخاري ذكره في تاريخه الكبير، وقال: (سمع عليا) ولم يذكر فيه جرحا.

وتأسيسا على ذلك لا نجد أي حرج شرعي في الرقصات الشعبية المشهورة المتوارثة في الأقطار العربية والإسلامية المختلفة، والتي يمارسها الناس في المناسبات السارة مثل الأعياد الدينية، والذكريات القومية، والأفراح الشعبية، كما في رقصات العرضة والرقص بالسيف في بلاد الخليج، ورقصات (الدبكة) في فسلطين وبلاد الشام بصفة عامة، ومثل التحطيب واللعب بالعصا في مصر. وفي كل بلد نجد ألوانا من الرقص الشعبي المعبر عن الفرحة والابتهاج، ليس فيه تكسر ولا تخنث، ولا يعمد إلى أي نوع من أنواع الإثارة. ومثل هذا لا ينكر شرعا.

ومما يدخل في هذا: رقص النساء في الأعراس، بعضهن مع بعض، مجاملة للعروس، إذا لم يشتمل على منكر آخر يقارفه.

الرقص المحظور

وإذا كان ما عرضنا له هنا بعض من الرقص المشروع والمأذون به، فهناك ألوان أخرى من الرقص تعد محظورة شرعا، لما تشتمل عليه من مخالفات ينكرها الدين.

الرقص النسائي الشرقي:

من الرقص المحظور: ما يعرف باسم (الرقص الشرقي) وهو رقص تقوم به المرأة المحترفة لهذه المهنة، تتثنى فيه وتتكسر وتتلوى كأنها الأفعى، تعتمد على الإثارة الجنسية للرجال الذين يشاهدونها ويبذلون الأموال لها، ولا سيما أنها كاسية عارية، بل تكاد تكون عارية غير كاسية، لأن المستور منها شبه مكشوف لنوع الثياب التي تلبسها، فكأنما هي ملابس من زجاج.

ولا يشك عالم ـ بل ولا مسلم عادي ـ في حرمة هذا النوع من الرقص لما فيه من تحريض على الإثم، وإغراء بالفاحشة.

وإذا كان تعمد النظر إلى المرأة إذا بدا من جسمها ما لا يحل كشفه حراما، فكيف إذا كان ذلك مع الإثارة والإغراء؟

رقص النساء (الباليه) أمام الرجال:

ومن الرقص المحظور ـ وإن كان دون السابق ـ: ما يسمى برقص (الباليه) وهو يقوم على الرشاقة والخفة والقدرة على الحركة والتثني والارتفاع والانخفاض بسرعة وتفوق.

فإذا كانت المرأة تفعل ذلك في ناد مغلق على النساء، ولا يشهده الرجال، فلا حرج في ذلك، فهو ضرب من ضروب الرياضة. ما لم يكن فيه كشف لعورة محرمة.

ولكن الحرج يتأتى إذا تم ذلك في حضور الرجال الذين ليسوا بمحارم لهؤلاء النساء، ولا يحل لهم الاطلاع على ما أمر الله بستره من زينتهن، كما قال تعالى: “وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (النور:31).

كما لا يجوز أن يصور هذا المشهد وينقل إلى الرجال أيضا.

المراقصة بين الرجال والنساء:

ومن الرقص المحظور شرعا: المراقصة بين الرجال والنساء، فنجد المرأة وقد التصقت برجل أجنبي عنها، وقد تماس جسماهما، ووضع كل منهما يده على جسد الآخر، ووقفا يتمايلان ويتثنيان يمنة ويسرة، على أنغام الموسيقى التي تحرك السواكن، وتثير الغرائز، وتوقد الشرر.

وقد يفعل ذلك بامرأة الرجل وهو جالس يتمتع بالنظر إلى امرأته وهي بين يدي رجل آخر، وكثيرا ما نراهم يتبادلون ذلك، فكل منهم يرقص مع زوجة الآخر، وإياك أن تعترض، فهذا الرقص ثقافة، وهذا الرقص حضارة، فلا تكن متخلفا، وتظن السوء بالأطهار والطاهرات. فمن الممكن أن تدخل في أتون اللهب ولا تحترق، وأن تسقط في أعماق البحر ولا تغرق!

وهذه بدعة دخيلة على مجتمعاتنا، لم يكن يعرفها الناس حتى استوردناها فيما استوردناه من الغرب، الذي لا يعرف قيمنا في الحياء والإحصان والاحتشام، والذي لا يحكمه ما يحكمنا من شرائع الحلال والحرام.

وإذا كان الشرع قد حرّم النظر بشهوة إلى المرأة الأجنبية، وحرّم الخلوة بها، سدا للذريعة إلى الفساد، وإغلاقا لباب قد تهب منه رياح الفتنة، فما بالكم بهذا التلاصق والتَّماس في جو الإثارة المصاحب له؟ وخصوصا مع إغراء الزينة والتأنق والتبرج، ومع كشف ما يحرم كشفه من بدن المرأة الذي أمر الله بستره “وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ” (النور:31).

المصدر: موقع الشيخ يوسف القرضاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.