الأربعاء , نوفمبر 22 2017

مقومات الصيام وما يفطر وما لا يفطر

هذه المادة المختصرة من كتاب فقه الصيام للدكتور يوسف القرضاوي تتناول مقومات الصيام الأساسية والتي تضمن صحة الصيام، مع بيان ما يفطر الصائم وما لا يفطره، متضمناً نقداً فقهياً للتوسعة الزائدة للفقهاء في أمر المفطرات والتي تناقض روح الإسلام ومقاصده، مع التعرض لبعض المسائل كالمعاصي وتأثيرها على الصيام، ومن أكل أو شرب ناسيًا أو مكرهًا.

مقومات الصيام

للصوم ركنين أساسيين هما: الإمساك والنية

ونعني بالأول: الإمساك عن شهوات الطعام والشراب والمباشرة وما في حكمها طوال يوم الصوم.

والمراد بما في حكم الطعام والشراب: مثل التدخين (السيجارة، أو الشيشة، أو المضغ، أو النشوق، أو غيرها)، والمخدرات المحرمة (الحشيش والأفيون والهيروين، والكوكايين ونحوه، وإن أخذت بطريق الشم أو الحقن أو أي طريق كان).

وكل ما يتناول قصدًا بالفم، ويصل إلى المعدة، مثل أنواع الأدوية التي تتناول بالفم شربًا أو امتصاصًا، أو ابتلاعًا.

كما يدخل في حكم المباشرة: إنزال المني بطريق اختياري كالاستمناء والنظر المتعمد المتكرر والتلذذ باللمس والقبلة والعناق ونحوها، مما يعتبر مقدمات للاتصال الجنسي، فإذا أنزل بإحدى هذه الطرق أفطر.

والمراد بالنية: أن يقوم بالعبادة امتثالاً لأمر الله تعالى، وتقربًا إليه، فمن ترك الطعام والشهوة من أجل شيء غير الله تعالى، فلم يصم الصيام الشرعي.

والنية محلها القلب، والتلفظ باللسان ليس مطلوبًا. ومن دلائل نيته قيامه للسحور، وتهيئته له وإن لم يقم، وإعداده ما يلزم لفطور الغد، وترتيبه أعماله ومواعيده على وفق ظروف الصيام.

فلا داعي للإكثار من الكلام عن النية فهي حاضرة وقائمة لدى كل مسلم معتاد على الصوم.

إنما الذي يحتاج إليها هو من كان له عذر يبيح له الفطر، كالمريض والمسافر فيصوم حينًا، ويفطر حينًا، فإذا صام يحتاج إلى تجديد النية، ليتميز يوم صومه عن يوم فطره.

وجمهور الفقهاء على أن الواجب هو تبييت النية من الليل، أي إيقاعها في جزء من الليل قبل طلوع الفجر.

وذهب أبو حنيفة إجازة صوم رمضان بنية من الليل، وإلى نصف النهار.

ومنهم من قصر تبييت النية على الفرض، وأما النفل فأجازوه في النهار إلى ما قبل الزوال.

بل ذهب بعضهم إلى جواز النية بعد الزوال.

ما يُفطر الصائم وما لا يُفطره

لم يجيء في الكتاب والسنة منع الصائم من شيء إلا من الأكل والشرب والمباشرة (أي الجماع) وكذلك من الرفث والصخب والجهل والسب والكذب والزور وسائر المعاصي.

أي أن الصائم منع مما يتنافى مع المعنى المادي للصيام، وهو الأكل والشرب والجماع، وهو الذي نتحدث عنه الآن، ومما يتنافى مع المعنى الأدبي له، وهو الجهل والزور وسائر المعاصي والآثام.

فهذه هي الأشياء الثلاثة المحددة، التي منعتها النصوص واتفقت مع حكمة الصيام، هذه الثلاثة، وما ألحق بها بالإجماع مما ذكرناه من تدخين (التبغ) ومضغه ونشوقه.. إلخ، وما هو شر من التبغ من السموم البيضاء والسوداء.

واختلف الفقهاء في تفطير الحجامة والقيء، نظرًا للاختلاف في مدى صحة الأحاديث من ناحية، ودلالتها من ناحية أخرى ومعارضتها لأحاديث أخرى من ناحية ثالثة.

ترجيح التضييق في المفطرات

لقد توسع الفقهاء – رضي الله عنهم – في أمر المفطرات توسعًا ما أظنه خطر ببال أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين شاهدوا التنزيل، وفهموا عن الله ورسوله فأحسنوا الفهم، والتزموا فأحسنوا الالتزام.

تقرأ في كتب الحنفية فتجد ما يقرب من ستين مفطرًا من المفطرات، ومثل ذلك أو قريب منه في المذاهب الأخرى، وملأوا مساحات واسعة من كتب الفقه، وشغلوا مثلها من تفكير المسلمين واهتماماتهم، وأصبحت معرفة هذه المفطرات الكثيرة الغزيرة الشغل الشاغل للصائمين ولأهل الفتوى، في كل رمضان، ازدحمت المجلات والصحف والإذاعات والمساجد بالأسئلة والأجوبة حول هذه المفطرات.

وبها بعد الدين عن يسره وفطرته، وأصبح شيئًا معقدًا يحتاج إلى دراسة مطولة لكل عبادة من العبادات، حتى يعرف مداخلها ومخارجها، وأركانها وشروطها.

والواقع أن جُلَّ ما يقال في هذا المجال مما لم يدل عليه محكم قرآن ولا صحيح سنة، ولا إجماع أمة، إنما هي اجتهادات يؤخذ منها ويترك، وآراء بشر، يجب أن تحاكم وترد إلى النصوص الأصلية، والقواعد المرعية، والمقاصد الكلية.

والذي أميل إليه هنا: ألا يُفطِّر الصائم إلا ما أجمع الفقهاء على التفطير به، وذلك ما دل عليه محكم القرآن وصحيح السنة، واتفق مع حكمة الشارع من الصيام، وهو الحرمان من الشهوات، وفطام النفس عن المألوفات.

المعاصي وتأثيرها على الصيام

ذهب بعض السلف إلى أن المعاصي تفطِّر الصائم فمن ارتكب بلسانه حرامًا كالغيبة والنميمة والكذب، أو استمع بأذنه إلى حرام كالفحش والزور، أو نظر بعينه إلى حرام كالعورات ومحاسن المرأة الأجنبية بشهوة، أو ارتكب بيده حرامًا كإيذاء إنسان أو حيوان بغير حق، أو أخذ شيئًا لا يحل له، أو ارتكب برجله حرامًا، بأن مشى إلى معصية، أو غير ذلك من أنواع المحرمات، كان مفطرًا.

وإلى هذا ذهب بعض السلف: أن المعاصي كلها تُفطِّر، ومن ارتكب معصية في صومه فعليه القضاء، وهو ظاهر ما روي عن بعض الصحابة والتابعين.

وأما جمهور العلماء: فرأوا أن المعاصي لا تُبطل الصوم، وإن كانت تخدشه وتصيب منه، بحسب صغرها أو كبرها.

وذلك أن المعاصي لا يسلم منها أحد، إلا من عصم ربك، وخصوصًا معاصي اللسان؛ ولهذا قال الإمام أحمد: لو كانت الغيبة تفطّر ما كان لنا صوم!.

أكل الصائم أو شربه ناسيًا أو مكرهًا

جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” .. من نسى وهو صائم فأكل وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه ” .. وفي لفظ للدارقطني بإسناد صحيح: ” فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه .. ” وفي لفظ آخر للدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم .. ” من أفطر من رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة ” . وإسناده صحيح أيضًا قاله الحافظ ابن حجر.

وهذه الأحاديث صريحة في عدم تأثير الأكل والشرب ناسيًا على صحة الصوم.

ومن أكره على الإفطار، لا يفطر، لحديث: “إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه”. هذا ما رجحه الإمام النووي من مذهب الشافعي، وقال الأئمة الثلاثة: يبطل صومه، وإن كان مكرهًا.

استعمال السواك ومعجون الأسنان للصائم

السواك قبل الزوال مستحب كما هو دائمًا، وبعد الزوال اختلف الفقهاء فقال بعضهم: يكره الاستياك للصائم بعد الزوال.

أما معجون الأسنان، فينبغي التحوط في استعماله بألا يدخل شيء منه إلى الجوف وهذا الذي يدخل إلى الجوف مفطر عند أكثر العلماء؛ ولذا فالأولى أن يجتنب المسلم ذلك ويؤخره إلى ما بعد الإفطار.

تابع أيضاً:

مختصر كتاب فقه الصيام للدكتور يوسف القرضاوي

وجوب صيام رمضان وثبوت الهلال فلكياً

أصحاب الأعذار من الصيام| المسافر والمريض والشيخ الكبير

مقومات الصيام وما يفطر وما لا يفطر

كيفية اغتنام رمضان وما يستحب من أعمال

العشر الأواخر من رمضان وليلة القدر

صيام التطوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.