/////// ////
الخميس , يوليو 27 2017

قصة شعيب عليه السلام | مختصر ابن كثير

نبي الله شعيب عليه السلام، أرسله الله تعالى إلى قومه أهل مدين الذين كفروا بالله وعبدوا الأيكة (شجرة) وساءت أخلاقهم وشاع فيهم الغش والخداع، وكان شعيب من بني قومه وينتمي لإحدى العشائر الكبيرة، وكان فصيح اللسان، قوي البلاغة، وسماه بعض السلف “خطيب الأنبياء”، وقد كان قومه من العرب.

وسمي “أهل مدين” بهذا الاسم نسبة إلى مدينتهم “مدين” الواقعة في أطراف الشام القريبة من بحيرة قوم لوط، ووقعت أحداث هذه القصة بعد مدة قريبة من هلاك قوم لوط، وكان فساد قوم مدين قريب الشبه من فساد قوم لوط.

كان أهل مدين كفاراً، من قطاع الطرق، يقطعون السبيل ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها، وكانوا من أسوأ الناس معاملة، يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيهما، يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص.

بعث الله تعالى شعيباً عليه السلام لهؤلاء القوم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فقال: “يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره”، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحة، من بخس الناس أشيائهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم، فقال: “أوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ولا تقعدوا بكل صراط توعدون”.

كان شعيب يدعوهم بأسلوب طيب، ويخاطب فطرتهم والخير الكامن في نفوسهم، فيقول لهم: “يا قوم إني أراكم بخير، فأطيعوا أمري، تفوزوا برضوان الله، بقية الله خير لكم إن كنتم تعلمون”.

قال القوم: يا شعيب، أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا؟ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ أين رشدك يا شعيب؟ فقال شعيب: ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي الذي بعثني إليكم، ورزقني النبوة والرسالة، وأمرني كما أمركم أن نلتزم بأمره، فأنا أول من ينفذ أمر الله، وما ينبغي لي أن آمركم بشئ وأخالفه أنا، إنما أريد الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

قالوا: يا شعيب أنت لست برسول الله، إنما أنت بشر مثلنا، وتسحر الناس بكلامك، أنت من المسحرين، وأنت تبغي من وراء ذلك منفعة خاصة بك.

قال شعيب: يا قومي أنا لا أكذب عليكم، أنا رسول لكم من عند الله، وما أسألكم على ذلك من أجر، إن أجري إلا على رب العالمين.

وراح شعيب يذكرهم بنعم الله وفضله عليهم، ويحذرهم من غضبه وعاقبة المفسدين من قبلهم، فقال: “واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم وانظروا كيف كانت عاقبة المفسدين، ألم تذكروا ما حدث لقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد، ياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود”.

آمن مع شعيب عدد قليل لكن أكثر القوم رفضوا دعوته واستمروا في كفرهم وسوء أخلاقهم، وزاد القوم في فسادهم فراحوا يمنعون الناس أن يسمعوا لشعيب، ويصدون الناس عن سبيل الله، وتعرضوا بالإيذاء للمؤمنين حتى يرتدوا عن إيمانهم ويعودوا لمسيرة قومهم المعوجة في الكفر والضلال، ونصبوا العدواة والشقاق مع شعيب.

قال شعيب: ياقوم إن كنتم قد نصبتم لي العداء والشقاق بسبب دعوتي لكم بعبادة الله، وأعلنتم رفضكم لدعوتي، فعلى الأقل ينبغي لكم أن تنتهوا عن إفسادكم خوفاً من أن ينزل عليكم العذاب كما نزل على من قبلكم.

عجز القوم أن يواجهوا منطق وفصاحة شعيب، وقالوا: “يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً، ولولا قبيلتك وعشريتك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز”، فتعجب شعيب وقال: “ياقوم أقبيلتي أعز عليكم من الله؟ تحسبون حساب العشيرة ولا تخافون من حساب الله العليم بكم المحيط بكل شيء؟

اشتدت عداوة القوم لشعيب وهددوه بالطرد من القرية إن لم يعد إلى عبادتهم وملتهم، قال الملأ الذين استكبروا من قومه: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا.

تعجب شعيب من تهديد القوم، وقال: ما هذا؟ أتكرهونا على اتباع ملتكم؟ وهل الإيمان يكون بالإكراه؟ والله لا نعود إلى ملتكم بعد أن هدانا الله، ونجانا من العذاب الذي يصيب الكافرين، إنا توكلنا على الله، هو حافظنا ومعيننا، ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل، فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب.

قالوا: يا شعيب أنت كاذب، وائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين، أسقط علينا كسفاً من السماء إن كنت تستطيع، أو ائتنا بعذاب أليم، ياقومنا إنكم إن اتبعتم شعيباً إنكم إذا لخاسرون.

قال شعيب: “اصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وارتقبوا إني معكم رقيب”، ورفع شعيب يديه إلى الله وقال: “ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين”.

نزول العذاب والهلاك (يوم الظلة)

استجاب الله لدعوة نبيه شعيب، وكتب على قومه الهلاك، فأصاب القوم حر شديد، وتوقف هبوب الهواء سبعة أيام فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها، وكانت ظلة العذاب، فلما تكاملوا تحتها رمتهم بشرر وشهب، وأخذتهم الرجفة، أي رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالاً شديداً، وجاءتهم صيحة من السماء فأزهقت الأرواح، وأسكنت الحركات، وأصبحت جثثهم جاثية، لا أرواح فيها، ولا حركات، وأصبح الذين كذبوا شعيباً هم الخاسرون.

ونجى الله شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منه، ونظر شعيب إلى ما حل بقومه وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، لكنكم كفرتم، فكيف أحزن على قوم كافرين؟

 

قصص الأنبياء

تابع أيضاً:

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.