/////// ////
الخميس , يوليو 27 2017

قصة يوسف عليه السلام (ج2) | مختصر ابن كثير

انتشر أمر امرأة العزيز في المدينة، وأصبحت حديث النسوة، خاصة بين نساء الأمراء وبنات الكبراء، واتسعت فضيحة امرأة العزيز، فقالت النسوة: يا للعجب! امرأة العزيز تراود غلامها، لقد أصبحت مجنونة بعشقه، إن هذه المرأة لفي ضلال مبين، نسيت أنها زوجة العزيز، وراحت تعشق عبد من عبيدها.

وصلت الأخبار لامرأة العزيز، فازداد غضبها مما يقال عنها، وطعن النساء عليها وذكر عيبها والتشنيع عليها، فراحت تدبر مكيدة لهؤلاء السيدات لتثبت لهن أنها معذورة، فقامت بدعوتهن على طعام، وأعدت الطعام وفيه ما يتطلب التقطيع بالسكين، ووضعت أمام كل واحدة سكيناً حاداً، ثم أمرت يوسف أن يتهيأ بأحسن الثياب، ثم أمرته بالخروج عليهن أثناء قيامهن بتقطيع الطعام.

خرج يوسف أمامهن، فلما رأينه كان كالبدر في جماله، وعليه من العظمة والجلال في هيئته، اندهشت النسوة وأكبرن يوسف، وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم، وبهرهن حسنه، وقلن: حاشا لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم. وبينما هم منجذبون ليوسف، لم يشعرن بالسكاكين التي في أيديهن وهي تجرحها وتصيبها وتقطعها.

نجح كيد امرأة العزيز، وأثبتت للنسوة عذرها في غلامها، وقالت: أرأيتم بأنفسكم، هذا هو الذي لمتتني فيه، ولقد راودته عن نفسه فامتنع. انقلب حديث النسوة من الطعن في امرأة العزيز إلى دعمها في غيها، وأنها معذورة فيما وقعت فيه، وأنه لا ينبغي لغلامها أن يعصيها، فاستعادت امرأة العزيز ثقتها في نفسها، ووجدت تشجيعاً من النسوة اللائي حرضن يوسف على الانصياع لأوامر سيدته، وعاد الشيطان من جديد ليدعم امرأة العزيز ومعاودتها لما قد نهيت عنه، وهددت يوسف -الذي فضحها من قبل- وقالت: لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين.

كانت محنة يوسف عظيمة، وبدا أنها لم تنته بعد، فلجأ إلى الله مناجياً، قال: رب السجن أحب إلىّ مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين. فاستجاب الله له، وهو خير من يستجيب الدعاء، وصرف عنه كيد هؤلاء النسوة، فدخل يوسف في محنة أخرى ليجعل الله له منها خيراً فيما بعد، فهو سبحانه الغالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

انتهى القوم في أزمة يوسف وامرأة العزيز إلى أن يضحوا بيوسف، رغم إثبات براءته، ووضوح الأدلة على ذلك، ورأوا أنه من الأفضل حبس يوسف في السجن، ليوقفوا حديث الناس عن امرأة العزيز، وليظنوا أن يوسف هو المخطئ ولذلك أدخوله السجن ظلماً، وبذلك جعل الله السجن وقاية ليوسف من كيد النسوة.

دخل السجن مع يوسف فتيان، ولما عايشا يوسف، لاحظا عليه ما لم يلحظاه في غيره، فقد كان عابداً لله، وعليه من الجمال والجلال والعلم وتأويل الأحاديث، فأعجبهما سمته وهديه، وقوله وفعله، وذات يوم رأى كلّ واحد منهما رؤيا في المنام، رأي الأول كأنه يمسك بعناقيد من العنب اليانعة ويعصرها في كأس الملك ويسقيه، ورأى الثاني كأنه يحمل فوق رأسه ثلاث سلال من الخبز والطيور تأكل من السّلِّ الأعلى.

حكى الفتيان الرؤيا على يوسف، وطلبا منه تفسير هذه الرؤى، وقالا: نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين، فاغتنم يوسف هذا الطلب بذكاء الداعي إلى الله وقال لهما: ألم ترو أنني أستطيع إخباركما بصفات الطعام الذي يأتيكما قبل مجيئه؟ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم؟ هل تعلمون كيف عرفت ذلك؟ إن هذا من تعليم الله إياي، لأني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب، لا نشرك بالله شيئاً، هذا من فضل الله علينا ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

تساءل الفتيان: كيف يكون إلهاً واحداً يا يوسف، إننا نعبد آلهة متعددة، ولكل إله اسم محدد، ووظيفة وسلطان، هذا هو ديننا. فقال يوسف: يا صاحبى السجن، أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباءكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وبعدما رد يوسف الفضل لله، أوضح لهما تأويل وتفسير الرؤيتين، فقال: يا صاحبي السجن أما أحدكما فسيخرج ويعمل ساقياً للملك ويقدم له الخمر، وأما الآخر فسيتم قتله ويعلق على الصليب الخشبي ويترك هكذا حتى تأكل الطيور من رأسه، هذا الأمر واقع لا محالة.

مرت الأيام وإذا بتأويل يوسف يتحقق، فيعدم أحدهما، وينجو الآخر ويخرج من السجن ليعود إلى عمله ساقياً الخمر عند الملك، وعند خروج السجين أوصاه يوسف أن يذكر للملك الظلم الذي وقع عليه من العزيز وامرأته، فلما خرج السجين عاد لعمله وأصبح ساقي الملك لكن الشيطان أنساه وصية يوسف، وظل يوسف سجيناً كما هو، ولم يصل خبره للملك بعد.

مرت بضعة سنوات والحال كما هو، حتى جاء يوم ورأى الملك رؤية غريبة في منامه وكانت غير مفهومة، رأى كأن 7 بقرات سمينة وبجوارهن 7 بقرات هزيلة، فإذا بالبقرات الهزيلة تنقض على البقرات السمينة فتأكلها، ورأى كذلك 7 سنابل خضراء وبجوارها 7 سنابل يابسة، فإذا بالسنابل اليابسة تأكل السنابل الخضراء، فاستيقظ الملك مذعوراً، واستدعى مفسري الرؤى والمشتغلين بتأويل الأحاديث، وكلما جاءه أحدهم عجز عن فهم وتفسير رؤية الملك، وقال بعضهم بأنه لا تفسير لها، وقال آخرون بأنها أضغاث أحلام وليس لدينا علم بتفسير الأحلام.

كانت الرؤيا مثار اهتمام الملك وقلقه، وكان ساقي الخمر -رفيق يوسف في السجن- يقدم الخمر للملك، فرأى عجز المفسرين عن تأويل رؤية الملك، فتذكر حينها يوسف وقدرته على تأويل الأحاديث، فقال للملك: أيها الملك، أنا أستطيع أن أنبئك بتأويل هذه الرؤية؟ كان معي في السجن رفيق اسمه يوسف يستطيع تأويل كل الرؤى، فائذن لي أن أذهب إليه وأسأله عنها.

أذن الملك للساقي، وذهب ليوسف في السجن، وطلب منه تفسير الرؤيا حتى يرجع للملك ويخبره بها، فقال يوسف: ستأتي سبع سنين من الخصب يكثر فيها المطر والزرع والحصاد، وما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون، ثم تأتي بعدها سبع سنين جدب ليس فيها مطر ولا زرع فتأكلون حينها مما ادخرتمهوه في السبع الأولى، فهذه السبع الجدب هي سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون، ثم يأتي بعد ذلك عام ينزل فيه المطر بغزارة فتزرعون الفواكه والمحاصيل فتحصدون وتعصرون الأقصاب والأعناب والزيتون والسمسم، فيكون الخصب والرفاهية.

ولما عاد الساقي إلى الملك ومعه تفسير الرؤيا، تعجب الملك من قدرة هذا السجين على تفسير ما عجز عنه المفسرون، ومن رجاحة عقله في تدبير المطلوب في حال وقوع سنوات الخصب والجدب، فأمر حارسه أن يجلبه له من سجنه ليسمع منه ويراه، وانطلق الرسول إلى سجن يوسف ليأخذه إلى الملك، فلما جاءه قال له يوسف: ارجع إلى الملك واطلب منه أن يتعرف أولا على سبب سجني هنا ظلماً كل هذه السنوات، وليحقق في شأن زوجات الأمراء والوزراء اللاتي قطعن أيديهن، ويسألهن عن سبب ذلك، وماذا كانوا يطلبون مني، وليعلم الملك أن سيدي عزيز مصر يعلم بكيد هؤلاء النسوة وظلمهم لي.

استدعى الملك عزيز مصر وزوجته وزوجات الأمراء، وحقق معهم في أمر يوسف بعد كل هذه السنوات، فسأل النسوة: هل كان يوسف شاباً فاحشاً؟ قلن: حاشا لله ما علمنا عليه من سوء. واعترفت امرأة العزيز بخطئها وندمها قالت: الآن ظهر الحق وتبين، وأعترف أنني التي راودته عن نفسه وافتريت عليه، وهو حقاً من الصادقين، وليتأكد زوجي أنني لم أخنه بفاحشة في غيابه، فالله لا يهدي كيد الخائنين، وأنا لا أبرئ نفسي من الخطأ، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم.

 

قصص الأنبياء

تابع أيضاً:

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.