/////// ////
الخميس , يوليو 27 2017

قصة موسى عليه السلام (ج5) | مختصر ابن كثير

في هذا الجزء نروي قصص نبي الله موسى مع فرعون وفيها نستعرض الآيات السبعة الأخرى بعد آية العصا واليد، لكن فرعون يستكبر ولا يؤمن.

آيات موسى التسعة.. واستكبار فرعون

أخذ الله آل فرعون بالسنين لعلهم يذكرون ويوقنون بكلام نبي الله، فأصيبت البلاد بالجدب وقلة الأمطار، وقال لهم موسى: هذه آية من آيات الله لتعلموا أنه هو الذي يرزق بالمطر ويمنعه وليس فرعون، لكنهم قالوا لموسى: إنه لسحر منك، وإنه لمن شؤمك ومن شؤم ما جئت به أنت وقومك. ولما كشف الله عنهم الجدب وجاء المطر والخصب قالوا: هذا الخير جاء ببركتنا لأننا نستحقه وهو الذي يليق بنا.

كانت مصر أرض زراعية كثيرة الثمار، فعاقبهم الله بنقص من الثمرات لعلهم ينتهوا عن كفرهم ويستمعوا لموسى، لكنهم كعادتهم أساءوا لموسى وتشائموا به مع كل مصيبة تحل عليهم، وقالوا له: مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.

فجاءهم موسى بآية أخرى من عند الله، فأرسل الله عليهم الطوفان ونزلت السيول التي أغرقت البلاد، فهرولوا إلى موسى وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل. فلما كشف الله عنهم هذا البلاء نكثوا وخالفوا وعودهم.

فجاءهم موسى بآية أخرى من عند الله وهي الجراد الذي انتشر في البلاد فأكل الزروع والثمار ودخل البيوت والعمران إلا بيوت بني إسرائيل، فلجأوا لموسى أن يدعو ربه أن يذهب هذا الرجز عنهم وينفذوا ما طلبه منهم، فلما رفع الله هذا البلاء وانصرف الجراد، عادوا فنكثوا وعودهم.

فجاءهم موسى بآية آخرى وهي آية القمل، فانتشر السوس والبراغيث في بيوت آل فرعون وفي فراشهم فلم يقر لهم قرار ولم يمكنهم معه الغمض ولا العيش، ولم يصب بنو إسرائيل من ذلك، فذهبوا لموسى ليطلبوا منه رفع البلاء ووعدوه أن يؤمنوا ويرسلوا معه بني إسرائيل، لكنهم أخلفوا ما وعدوا به.

فلما خالفوا وعدهم، جاءهم موسى بآية أخرى من آيات الله وهى الضفادع، فانتشرت الضفادع انتشاراً كبيراً في آل فرعون حتى كانت تسقط في طعامهم وأوانيهم، بل وصل آذاها لدرجة أن أحدهم إذا فتح فمه لطعام أو شراب سقطت فيه ضفدعة، ولم يصب بنو إسرائيل من هذا البلاء بشئ، ففزعوا إلى موسى يطلبون منه أن يرفع ربه البلاء وأقسموا أنهم ليؤمنون به، فلما رفع الله البلاء عنهم لم ينفذوا شيئاً من كلامهم.

فجاءهم موسى بآية أخرى من عند الله، وهي مزج الماء بالدم، فأصبح النيل مخلوطاً بالدم، واختلطت مياه آبارهم بهذا الدم القذر، ففزعوا إلى موسى وقالوا: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون، فلما رفع الله هذا الرجز عن النيل، إذا هم ينكثون.

لم يرد الله الهداية لهؤلاء، فالهداية بيد الله وليست بأيديهم، فقد ختم الله على قلوبهم بالكفر، وكلما جاءتهم آية أكبر من الآيات التي سبقتها استكبروا وجحدوا ولم يؤمنوا، بل أساءوا الأدب مع نبى الله وكانوا يسخرون منه، ولم يخلد ببالهم أن الله يلزمهم الحجة ويمهلهم، لكن ذرية قليلة من قوم فرعون آمنوا وكتموا إيمانهم خوفاً من بطش فرعون، منهم زوجة فرعون وابن عمه.

نادى فرعون في قومه ليقنعهم بخطأ موسى وضلاله وقال: يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ أفلا تبصرون؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يستطيع أن ينطق كلمة سليمة (يعير موسى بلدغة في لسانه)، فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (يقصد أن موسى كيف يكون رسول الله ولم يلقي له الله أسورة ذهب يلبسها أو تأتي معه الملائكة لتحرسه؟). واستخف فرعون قومه فأطاعوه رغم فساد منطقه وضعف حجته، ورغم وضوح الآيات المتتابعات التي جاء بها موسى.

حاول فرعون خداع قومه وإثبات أنه إله ولا يوجد إله غيره، فقال: ما علمت لكم من إله غيري، ومع هذا اذهب أيها الوزير هامان أوقد لي على الطين وابن لى صرحاً مرتفعاً جداً حتى أصعد عليه وأبلغ أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً. وبنى فرعون قصراً عالياً لم ير بناء أعلى منه وكان مبنياً من الطوب التي تم صنعه بالطين والنار، وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصده الله عن سبيل المهتدين.

قال الملأ من قوم فرعون من الأمراء والكبراء: يا فرعون، أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك. فقال فرعون: سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون.

وانتشر الخوف والفزع بين بني إسرائيل من قرار فرعون بقتل أبناءهم، واشتكوا لموسى فقال: استيعنوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. فقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا. قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخفلكم في الأرض فينظر كيف تعملون. يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين. قالوا: على الله توكلنا، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين.

وتحرك الذي آمن من قوم فرعون وراح يقوم بواجبه نحو دين الله ويدعو قومه للهداية، وقد خلد القرآن موقف هذا المؤمن، فقال لقومه: ياقوم اتبعوا نبي الله موسى، إني أخاف عليكم إن رفضتم دعوته أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح وقوم عاد والذين من بعدهم حين رفضوا دعوة نبيهم، يا قوم إني أخاف عليكم حين يأتي يوم القيامة وينادى عليكم مع الكافرين، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم، أتذكرون يوم أن جاء عزيز مصر يوسف نبي الله، وهدى أهل مصر إلى عبادة الله، وأحسن إلى الناس في دنياهم وأخراهم، وكنتم تشكون في دعوته حتى إذا مات قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً، لقد ثبت لكم خطأ ذلك وها هو قد جاءكم رسول من سلالته وذريته، فمن اتبعه فهو على الحق، أما من تكبر وتمرد فإن الله لا يهدي هذا المسرف المتشكك الذي يجادل في آيات الله بغير دليل.

كان هذا الرجل نعم المؤمن الذي يبذل ما بوسعه لهداية الناس حتى يؤمنوا بالله ويستجيبوا لنبيهم موسى عليه السلام فقال: يا قوم اتبعوني لتكون مع نبى الله أهدكم سبيل الرشاد، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع قليل لكن الآخرة هي دار القرار والخلود، أتعلمون أن من عمل سيئة فلا يجزى إلا بمثلها؟ لكن من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب.

لم يستجب القوم لدعو هذا الرجل المؤمن رغم قوة حجته وصواب دعوته، وطلبوا منه ألا يتبع موسى فهو من شيعة القبط ولا يصح له أن يتبع موسى الذي ينتمي لشيعة بني إسرائيل، وطالبوه أن يظل على عبادة قومه ويتبع الفرعون، فقال المؤمن: يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار؟ تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار؟ لا جرم أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار، فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.

 

 

قصص الأنبياء

تابع أيضاً:

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.