الأربعاء , نوفمبر 22 2017

قصة موسى عليه السلام (ج9) | مختصر ابن كثير

في هذا الجزء نتناول قصة اصطحاب موسى لسبعين رجلاً من علماء بني إسرائيل ونزول الصاعقة عليهم، كما نتناول قصة قتيل بني إسرائيل وأمر الله لهم بذبح بقرة، وكذلك نروي قصص موسى عليه السلام مع الخضر.

السبعين رجلاً والصاعقة

أمر موسى السبعين رجلاً من علماء بني إسرائيل أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم وينطلقوا معه إلى الله فيتوبوا إليه ويسألوه المغفرة على ما فعل قومهم من عبادة العجل، فخرج بهم إلى طور سيناء، فطلب منه السبعون أن يسمعوا كلام الله، فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل في الغمام، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله، وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً، فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل.

لما فرغ الله من أمره وانكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فأخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة فأتلفت أرواحهم فماتوا جميعاً. فقام موسى يناشد ربه ويدعوه، ويرغب إليه ويقول: رب لو شئت أهلكتهم وإياي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي بها من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك. قال الله: عذابي أصيب به من أشاء من عبادي ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون.

بقرة بني إسرائيل

كان في بني إسرائيل شيخ كبير، كثير المال، وكان أولاد أخيه يتمنون موته ليرثوه، فعمد أحدهم فقتله ليلاً ورماه في مجمع الطرق، فلما أصبح الناس اختصموا فيه، وجاء ابن أخيه فجعل يصرخ ويتظلم، فقالوا: مالكم تختصمون ولا تأتون نبي الله، فاستجاب لهم وذهب لموسى وطلب منه أن يسأل ربه عن أمر هذا القتيل.

فقال موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. قالوا: أتتخذنا هزواً. قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. لكن بنو إسرائيل لم يستجيبوا لأمر الله على الفور وإنما سألوا: ادع لنا ربك يبين لنا ماهي؟ قال: إنه يقول إنها بقرة لا فارض (ليست كبيرة) ولا بكر (ليست صغيرة) وإنما وسط بين ذلك، فافعلوا ما تؤمرون.

قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟ قال: إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين. وكان هذا اللون قليل في البقر. قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون. قال: إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث (أي ليست مذللة بحراثة وسقي الأرض) مسلمة لا شية فيها (أي صحيحة ليس فيها عيب). قالوا: الآن جئت بالحق.

بحث القوم عن بقرة بهذه المواصفات، فلم يجدوا إلا بقرة واحدة عند رجل منهم كان باراً بأبيه، فطلبوها منه فرفض، فأرغبوه في ثمنها وعرضوا قيمة غالية جداً في الثمن حتى اشتروها منه، فلما جاءوا بالبقرة لنبي الله، أمرهم أن يذبحوها، فذبحوها وهم مترددون في أمرها، ثم أمرهم موسى أن يأخذوا بعضاً منها ويضربوا به على القتيل، فلما ضربوه ببعضها أحياه الله تعالى، فقام وهو يشخب أوداجه، فسأله نبي الله موسى من قتلك؟ قال: قتلني ابن أخي. ثم عاد ميتاً كما كان، وكانت آية من آيات الله لبني إسرائيل أن يروا كيف يحي الله الموتى لعلهم يعقلون.

موسى والخضر عليهما السلام

خطب موسى يوماً في بني إسرائيل، فسألوه: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى إليه: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ. فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ثم انطلق ومعه فتاه يوشع بن نون عليه السلام، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر، واتخذ سبيله في البحر سرباً، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما.

وفي اليوم التالي، قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً. ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. قال موسى: ذلك ما كنا نبغ.

فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلّم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً. قال: إنك لن تستطيع معى صبراً. قال: وكيف تعلم بصبري ولم تختبرني. قال: يا موسى إني على علم من علم الله ولا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله ولا أعلمه أنا. فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً. قال: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أخبرك به.

وانطلق الخضر وموسى يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير أجر فلما ركبا في السفينة، فوجئ موسى بالخضر يقلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال: قوم حملونا بغير أجر، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئاً إمراً. قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً. قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً. ووقف عصفور على طرف السفينة فغمس بمنقاره في البحر، فقال الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من هذا البحر!

وخرجا من السفينة، ثم مشيا على الساحل، فرأى الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً. قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبراً؟ قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً.

فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية وسألوهما عن طعام فرفضوا ضيافتهما، وبينما هما في القرية وجدا جداراً مائلاً آيل للسقوط، فقام الخضر وأقام الجدار حتى لا يسقط، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، ولو شئت لاتخذت عليه أجراً. قال: هذا فراق بيني وبينك، سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً.

وشرح الخضر سر أفعاله فقال: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً، فأردنا إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها. وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً. وأما الجدار فكان لغلامين في المدينة وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحاً، فأراد ربك أن يستخرجا كنزهما رحمة من ربك حين يكبر هذا الغلام. يا موسى إن ما رأيته لم أفعله من تلقاء نفسي وإنما هو أمر من ربي.

 

 

قصص الأنبياء

تابع أيضاً:

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.