///////
الثلاثاء , أكتوبر 17 2017

قصة سليمان عليه السلام | مختصر ابن كثير

نبي الله سليمان، هو ابن نبي الله داوود عليهما السلام، وورث النبوة والملك عن أبيه داوود، وأعطاه الله القدرة على فهم لغة الطيور ومخاطبتها، وآتاه الله من كل شيء، سواء من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش والشياطين السارحات والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات.

اشتغل سليمان يوماً بعرض الخيول والجياد المضمرة السراع، وظل كذلك حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس، فتأخر في الصلاة بسبب أعمال الجهاد وعرض الخيل، فقال: ردوها علىّ، فأخذ يمسح أعناقها وسيقانها، وترك الخيل ابتغاء وجه الله، فعوضه الله عنها بما هو خير منها وهو الريح التي هي أسرع سيراً وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها، تجري بأمره حيث أصاب وحيث أراد من البلاد، وكان له بساط مركب من أخشاب يستخدمه في جلب ما يحتاج إليه من الدور المبنية والقصور والخيام والأمتعة والخيول والجمال والأثقال والرجال من الإنس والجان، وغير ذلك من الحيوانات والطيور، كما يستخدمه إذا أراد سفراً أو مستنزهاً، أو قتال ملك أو أعداء من أي بلاد الله شاء. فإذا حمل على البساط ما يريد يأمر الريح فتحمل البساط إلى السماء وتضعه على السحب والرخاء فتسير بها حيث أراد داوود، فإن أراد أسرع من ذلك أمر العاصفة فتحمله بأسرع ما يكون فتنقل ما يتطلب مسيرة شهر وينقله في جزء من اليوم.

كما سخر الله لسليمان من الجن عمالاً يعملون له ما يشاء، لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته، ومن خرج منهم عن الأمر عذبه ونكل به، فمنهم البناؤون الذين يصنعون المحاريب ويرسمون الصور على الجدران ويبنون حياض المياه، ومنهم الغواصون الذين يستخرجون كنوز البحر، ومنهم المقيدون بالسلاسل نتيجة عصيانهم.

وكانت لسليمان من النساء ألف امرأة، فقال يوماً: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله. ولم يقل “إن شاء الله” فلم تحمل شيئاً إلا واحداً ساقطاً أحد شقيه.

وقد كان له عليه السلام من أمور الملك واتساع الدولة وكثرة الجنود وتنوعها ما لم يكن لأحد قبله، ولا يعطيه الله أحداً بعده.

مرّ سليمان بعصفور يدور حول عصفورة فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: وما يقول يا نبي الله؟ قال: يخطبها إلى نفسه ويقول زوجيني أسكنك أي غرف دمشق شئت! وغرف دمشق مبنية بالصخر، لا يقدر أن يسكنها أحد، ولكن كل خاطب كذاب.

وأصيب الناس بقحط وانقطاع المطر، فأمر سليمان الناس يخرجوا ليسألوا الله، فلما خرج الناس إذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها تقول: اللهم أنا خلق من خلقك، ولا غناء عن فضلك. فقال سليمان: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة.

ركب يوماً في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير، فالجن والإنس يسيرون معه والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره، وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة، أي نقباء يردون أوله على آخره، فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه، ولا يتأخر عنه.

وبينما هم يسيرون مروا على وادي للنمل، فسمع سليمان نملة تحذر بقية النمل وتقول: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. فتبسم سليمان لما سمعه ولما أنعمه الله عليه من فهم لغة النمل فشكر لله وقال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علىّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.

وقد كان أبوه نبياً وأمه من الصالحات العابدات، قالت له يوماً: يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع العبد فقيراً يوم القيامة.

نظر سليمان فلم يجد الهدهد بين الطيور، وقد كان للهدهد وظيفة النظر في البقاع هل يوجد أسفلها ماء أم لا، فقال سليمان: ما لى لا أرى الهدهد؟ لماذا هو غائب؟ لو لم يأتني بسبب واضح وبين لغيابه لأذبحنه أو لأعذبنه عذاباً شديداً.

وبعد أن غاب الهدهد غيبة قصيرة، جاء وقال لسليمان: لقد اطلعت على ما لم تطلع عليه، وجئتك من سبإ من بلاد اليمن بخبر يقين، إني وجدت امرأة تحكم سبأ وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم، لكني وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون، ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون، الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم.

وكانت امرأة تسمى بلقيس تحكم سبأ في بلاد اليمن، وكان أبوها من أكابر الملوك، فلما مات انتقل الملك لرجل آخر فعم به الفساد، فتزوجته ثم قتلته، فأقبل الناس عليها وملكوها عليهم، وكان للملكة بلقيس عرش عظيم مزخرف بأنواع الجواهر واللآلئ والذهب والحلي.

قال سليمان للهدهد: سننظر هل أنت صادق أم أنت من الكاذبين. فكتب سليمان كتاباً إلى الملكة بلقيس يخبرها بأنه سليمان نبي من عند الله، ودعاها إلى طاعة الله وطاعة رسوله، والخضوع لملكه وسلطانه، وألا يستكبروا عن طاعته وامتثال أوامره، وأن يأتوا إليه مسلمين مطيعين.

حمل الهدهد الكتاب وانطلق إلى قصر بلقيس وألقاه إليها، ثم وقف في ناحية ينتظر جوابها، فجمعت بلقيس أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها وقالت لهم: يا أيها الملأ إني ألقى إلى كتاب كريم، إنه من سليمان، وإنه باسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلو علىّ وائتوني مسلمين. يا أيها الملأ أفتوني في أمري، ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون.

قال الملأ: نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد، نملك القوة والقدرة على القتال ومقاومة الأبطال، لكن الأمر إليك، فانظري ماذا تأمرين؟

قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون، وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون؟

وأرسلت بلقيس بهدايا وتحف ثمينة إلى الملك سليمان في مقره بالأرض المقدسة، فلما وصل الرسول وجاء لسليمان قال سليمان: أتمدونني بمال فما آتانى الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون. ثم قال لرسول الملكة: ارجع إلى قومك فأخبرهم أننا سنأتينكم بجنود لا قبل لكم بها ولنخرجنكم من ملككم أذلة وأنتم صاغرون. فلما وصل الرسول إلى الملكة وأخبرها الخبر، أعلنت سمعها وطاعتها لسليمان وخضوعها له، وأرسلت لسليمان لتخبره، ثم خرجت في وفد من ملئها من اليمن متجهة إلى سليمان لتعلن خضوعها.

فلما سمع سليمان بقدومهم عليه ووفودهم إليه أراد أن يظهر لها آيات تثبت نبوته وعظم ملكه، فأراد أن يجلب سرير عرشها الذي تجلس عليه في اليمن ويحضره إلى ملكه قبل أن تصل مع وفدها، فقال: يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟ قال عفريت من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. فقال الذي عنده علم من الكتاب: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرف عينك. فإذا بعرشها مستقر عنده فقال سليمان: هذا من فضل ربي أأشكر أم أكفر ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم. ثم طلب من حاشيته أن يغيروا في شكل عرشها والحلي المزين به ليختبر بلقيس هل ستهتدي وتدرك أنه عرشها أم لا؟

فلما جاءت ونظرت للعرش اندهشت فقيل لها: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو. فقيل لها: إنه عرشك فقد أوتينا العلم من قبلك وكنا مسلمين. لكنها لم تؤمن بالله وصدها ما كانت تعبد وقومها من دون الله وهي عبادة الشمس وما كان عليها آباءها.

ثم قيل لها ادخلي هذا الصرح لمقابلة سليمان، وكان سليمان قد أمر ببناء صرح مدهش من الزجاج وجعل في ممره ماء به أسماك وكائنات مائية، ثم غطاه بالزجاج، لترى بعينها عرشاً أعظم من عرشها، فلما دخلت هذا الصرح الزجاجي كان سليمان جالساً على سرير عرشه، فلما رأت الصرح قالت مندهشة: إنه صرح مشيد من زجاج! وحسبت الممر بركة من الماء، فكشفت عن ساقيها لتعبر في الممر ففوجئت أنه مغطى بالزجاج، واستستلمت بلقيس وأيقنت بنبوة سليمان فأعلنت إيمانها بالله وقالت: رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين. وأقر سليمان بلقيس على ملكها في مملكة اليمين وردها إليه.

وفاته

كان سليمان عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيسألها: ما اسمك؟ فتقول اسمها، فيسألها: لأي شيء أنت؟ فتوضح ما إذا كانت لغرس غرست أو لدواء أنبتت. وذات يوم رأى شجرة بين يديه وسألها: ما اسمك؟ قالت: الخروب. قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت. فعلم سليمان بقرب موته، فقال: اللهم عمِّ على الجن موتي، حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحت هذه الشجرة وصنع منها عصاً يتوكأ عليها.

ودخل المحراب ليصلي متكئاً على عصاه، فمات ولم تعلم به الشياطين، وظلت تعمل ولا تقترب منه مخافة أن يعاقبهم، وظلوا حول المحراب يعملون نحو عام كامل.

وجاءت الأرضة تأكل في العصا التي يتوكأ عليها سليمان وظل تأكل فيها عاماً إلى أن خارت فسقط سليمان على الأرض، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً في العذاب المهين.

قصص الأنبياء

تابع أيضاً:

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.