غزوة بدر الكبرى| كتاب الرحيق المختوم ج15

غزوة بدر الكبرى هى أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة، ونبدأ في هذه المادة المختصرة استعراض أحداث غزوة بدر وأسبابها وما تبعها من مجالس شورية، وعمليات استكشاف حتى انتهت بانتصار المسلمين.

ذات صلة:

غزوة بدر الكبرى

اسباب غزوة بدر

لما أفلتت عير قريش من النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابها من مكة إلى الشام،

ترقب رجوعها، وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها‏،‏ ولم يكن معها من الحرب إلا نحو أربعين رجلا‏.‏

وأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً‏:‏ ‏‏

(‏هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها‏)‏‏.‏

ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة‏.‏

 

قوة الجيش الإسلامي وتوزيع القيادات

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه 313، أو 314، أو 317 رجلاً ـ 82 أو 83 أو 86 من المهاجرين و 61 من الأوس و 170 من الخرزج‏.‏

ولم يكن معهم إلا فرس أو فرسان‏:‏ فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي.

وكان معهم سبعون بعيرا يتعقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً واحد‏.‏

ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير.

وقسم جيشه إلى كتيبتين‏، وأعطى راية المهاجرين إلى علي بن أبي طالب، وراية الأنصار إلى سعد بن معاذ‏.‏

وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو، وكانا هما الفارسين الوحيدين.

وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة.

وظلت القيادة العامة في يده صلى الله عليه وسلم كقائد أعلى للجيش‏.‏

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الجيش غير المتأهب،

ومضى على الطريق المؤدي إلى مكة، ثم انحرف عنه يريد بدراً،

ثم بعث بسبس بن عمرو الجني وعدي بن أبي الزغباء الجهي إلى بدر يتحسسان له أخبار العير‏.‏

 

النذير في مكة

وأما خبر العير فإن أبا سفيان – وهو المسئول عنها – كان على غاية من الحيطة والحذر، فقد كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالأخطار.

ونقلت إليه استخباراته بأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير، وحينئذ استأجر أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخاً لقريش بالنفير إلى عيرهم.

وخرج ضمضم سريعاً حتى أتى مكة، فخرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره، وقد جدع أنفه وحول رحله، وشقق قميصه، وهو يقول‏:‏

يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث‏.‏‏.‏‏.‏ الغوث‏.‏

 

أهل مكة يتجهزون للغزو

تحفز الناس سراعًا وقالوا‏:

‏ أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي‏؟ ‏ كلا والله ليعلمن غير ذلك.

فكانوا بين رجلين‏: إما خارج، وإما باعث مكانه رجلًا، فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، ولم يتخلف من بطون قريش إلا بني عدى‏. ‏

وخرج نحو 1300 مقاتل في بداية سيره، و 100 فرس و 600 دِرْع، وجمال كثيرة، وكان قائده العام أبا جهل ابن هشام‏.‏

وتذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداوة والحرب، فخافوا أن تضربهم هذه القبائل من الخلف، فتبدى لهم إبليس في صورة سُرَاقة بن مالك وقال لهم‏:

أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه‏.‏

وخرجت قريش {‏بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ‏}،

وأقبلوا بحدهم وحديدهم يحادون الله ويحادون رسوله، وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏

تحركوا بسرعة فائقة نحو الشمال في اتجاه بدر،

فلما وصلوا الجُحْفَة، تلقوا رسالة جديدة من أبي سفيان يقول لهم فيها‏:‏

إنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها الله فارجعوا‏.‏

 

العير تفلت

وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسى، ولما اقترب من بدر لقى مَجْدِىَّ بن عمرو، وسأله عن جيش المدينة، فقال‏:‏

ما رأيت أحدًا أنكره إلا إني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا.

فبادر أبو سفيان إلى مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهما، ففته فإذا فيه النوى، فقال‏:‏

هذه والله علائف يثرب.

فرجع إلى عيره سريعًا، وضرب وجهها محولًا اتجاهها نحو الساحل غربًا، وبهذا نجا بالقافلة‏.‏

 

انشقاق في جيش قريش:

لما تلقت قريش رسالة أبي سفيان، قال أبو جهل في كبرياء وغطرسة‏:‏

والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بها ثلاثًا، فننحر الجَزُور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف لنا القِيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا‏.‏

لكن الأخْنَس بن شَرِيق أشار عليهم بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهْرَة، وكانوا حوالى 300 رجلاً.‏

وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتد عليهم أبو جهل.

وواصل جيش مكة سيره حتى نزل قريبًا من بدر، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى على حدود وادى بدر‏.‏

 

تطور خطير واجتماع استشاري:

علم النبي بخبر العير والنفير، ولا مفر من اللقاء الدامي، لمنع قريش من الوصول إلى المدينة.

ونتيجة لهذا التطور الخطير المفاجئ عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا عسكريًا استشاريًا أعلى، أشار فيه إلى الوضع الراهن، وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه وقادته‏.‏

وحينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس، وخافوا اللقاء الدامي، وأما قادة الجيش فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن،

ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن،

ثم قام المقداد بن عمرو فقال‏:‏

يا رسول الله، امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى‏:‏ ‏

{‏فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ‏}‏‏،

ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا ودعا له به‏.‏

وهؤلاء القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين، وهم أقلية في الجيش، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرف رأي قادة الأنصار؛

لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش، ولأن ثقل المعركة سيدور على كواهلهم، مع أن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم،

فقال بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة‏:‏

‏‏(‏أشيروا علىّ أيها الناس‏)‏

وإنما يريد الأنصار، وفطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ‏.‏

فقال‏:‏ والله، ولكأنك تريدنا يا رسول الله‏؟‏

قال‏:‏ ‏‏(‏أجل‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فقد آمنا بك، فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة،

فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد،

وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُر في الحرب، صُدَّق في اللقاء،

ولعل الله يريك منا ما تَقَرَّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله‏.‏

فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال‏:‏ ‏‏

(‏سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم‏)‏‏.‏

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذَفِرَان، حتى نزل قريبًا من بدر‏.‏

الرسول يستكشف:

وقبل غزوة بدر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه بعملية الاستكشاف مع رفيقه أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة إذا هما بشيخ من العرب،

فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قريش وعن محمد وأصحابه ـ سأل عن الجيشين زيادة في التكتم ـ

ولكن الشيخ قال‏:‏

لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما‏؟‏

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏

(‏إذا أخبرتنا أخبرناك‏)‏،

قال‏:‏ أو ذاك بذاك‏؟‏

قال‏:‏ ‏‏(‏نعم‏)‏‏.‏

قال الشيخ‏:‏

فإنه بلغنى أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا ـ للمكان الذي به جيش المدينة‏.‏

وبلغنى أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا ـ للمكان الذي به جيش مكة‏.‏

ولما فرغ من خبره قال‏:‏

ممن أنتما‏؟‏

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏

(‏نحن من ماء‏)‏،

ثم انصرف عنه، وبقى الشيخ يتفوه‏:‏ ما من ماء‏؟‏ أمن ماء العراق‏؟‏

 

جمع أهم المعلومات:

بعث صلى الله عليه وسلم استخباراته من جديد ليبحث عن أخبار العدو، وأرسل على بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد ابن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر.

فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة، فألقوا عليهما القبض، وجاءوا بهما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فاستخبرهما القوم، فقالا‏:‏

نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء،

فكره القوم، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان ـ لاتزال في نفوسهم بقايا أمل في الاستيلاء على القافلة ـ

فضربوهما ضربًا موجعًا حتى اضطر الغلامان أن يقولا‏:‏ نحن لأبي سفيان. فتركوهما‏.‏

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال لهم كالعاتب‏:‏ ‏‏

(‏إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله، إنهما لقريش‏)‏‏.‏

ثم خاطب الغلامين قائلًا‏:‏ ‏‏(‏أخبراني عن قريش‏)‏،

قالا‏:‏ هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى،

فقال لهما‏:‏ ‏‏(‏كم القوم‏؟‏‏)‏

قالا‏:‏ كثير‏.‏

قال‏:‏ ‏‏(‏ما عدتهم‏؟‏‏)‏

قالا‏:‏ لا ندرى،

قال‏:‏ ‏‏(‏كم ينحرون كل يوم‏؟‏‏)‏

قالا‏:‏ يومًا تسعًا ويومًا عشرًا،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏(‏القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف‏)‏، ثم قال لهما‏:‏ ‏‏(‏فمن فيهم من أشراف قريش‏؟‏‏)‏

قالا‏:‏ عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البَخْتَرىّ بن هشام، وحكيم بن حِـزام، ونَوْفَل بن خويلد، والحارث بن عامر،

وطُعَيْمَة بن عدى، والنضر بن الحارث، وَزمْعَة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأميــة بن خلف في رجال سمياهم‏.‏

فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال‏:‏ ‏‏(‏هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها‏)‏‏.‏

 

نزول المطر:

ومن فضل الله في غزوة بدر أنه أنزل في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم،

وكان على المسلمين طلا طهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلب به الرمل، وثبت الأقدام، ومهد به المنزل، وربط به على قلوبهم‏.‏

 

الجيش الإسلامي يسبق إلى أهم المراكز العسكرية

وتحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه،

فنزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحُبَاب بن المنذر كخبير عسكرى وقال‏:‏

يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه‏؟‏ أم هو الرأي والحرب والمكيدة‏؟‏

قال‏:‏ ‏‏(‏بل هو الرأي والحرب والمكيدة‏)‏‏.‏

قال‏:‏ يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم ـ قريش ـ فننزله ونغوّر ـ أي نُخَرِّب ـ ما وراءه من القُلُب،

ثم نبني عليه حوضًا، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏(‏لقد أشرت بالرأي‏)‏‏.‏

فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو، فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من القلب‏.‏

 

مقر القيادة

اقترح سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبني المسلمون مقرًا لقيادته؛ استعدادًا للطوارئ، وتقديرًا للهزيمة قبل النصر، حيث قال‏:‏

يا نبى الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا،

وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بِمَنْ وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم،

ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك‏.‏

فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا ودعا له بخير،

وبني المسلمون عَرِيشًا على تل مرتفع يقع في الشمال الشرقى لميدان القتال، ويشرف على ساحة المعركة‏.‏

كما تم اختيار فرقة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم حول مقر قيادته‏.‏

 

تعبئة الجيش وقضاء الليل:

ثم عبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه‏.‏ ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده‏:‏ ‏‏

(‏هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله‏)‏‏.‏

ثم بات رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع شجرة هنالك،

وبات المسلمون ليلهم هادئي الأنفاس منيري الآفاق، غمرت الثقة قلوبهم، وأخذوا من الراحة قسطهم. كانت هذه ليلة الجمعة، 17رمضان 2 هـ‏.‏

 

قريش في عرصة القتال، ووقوع الانشقاق:

وقضت قريش ليلتها هذه في معسكرها بالعدوة القصوى، ولما أصبحت أقبلت في كتائبها، ونزلت من الكثيب إلى وادي بدر‏.‏

وأقبل نفر منهم إلى حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏[‏دعوهم‏]‏، فما شرب أحد منهم يومئذ إلا قتل، سوى حكيم بن حزام ‏.‏

وبعثت قريش عُمَيْر بن وهب الجُمَحِى لمعرفة قوة جيش المدينة، فدار عمير بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم فقال‏:‏

ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلًا أو ينقصون، ولكن أمهلونى حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد‏؟‏

فضرب في الوادى حتى أبعد، فلم ير شيئًا، فرجع إليهم فقال‏:‏

ما وجدت شيئًا، ولكنى قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم،

والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم فما خير العيش بعد ذلك‏؟‏ فروا رأيكم‏.‏

وحينئذ قامت معارضة أخرى ضد أبي جهل تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال،

فقد مشى حكيم بن حزام في الناس، واقتنع بعضهم، إلا أن أبا جهل واجه هذه المعارضة‏.

 

الجيشان يتراآن

ولما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏‏(‏اللهم هذه قريش قد أقبلت بخُيَلائها وفَخْرها تُحَادُّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحْنِهُم ‏[‏الغداة‏]‏‏)‏

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر‏:‏ ‏‏

(‏إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يَرْشُدُوا‏)‏‏.‏

وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوف المسلمين،

وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب، فقد كان في يديه قِدْح يعدل به، وكان سَوَاد بن غَزِيَّة مُسْتَنْصِلًا من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال‏:‏ ‏‏(‏استو يا سواد‏)‏،

فقال سواد‏:‏ يا رسول الله، أوجعتنى فأقدنى،

فكشف عن بطنه وقال‏:‏ ‏‏(‏استقد‏)‏،

فاعتنقه سواد وقبل بطنه،

فقال‏:‏ ‏‏(‏ما حملك على هذا يا سواد‏؟‏‏)‏

قال‏:‏ يا رسول الله، قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك‏.‏

فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير‏.‏

ولما تم تعديل الصفوف أصدر أوامره إلى جيشه بألا يبدأوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة، ثم أدلى إليهم بتوجيه خاص في أمر الحرب، فقال‏:‏

‏‏(‏إذا أكثبوكم ـ يعنى اقتربوا منكم ـ فارموهم، واستبقوا نبلكم، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم‏)‏

ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة، وقام سعد بن معاذ بكتيبة الحراسة على باب العريش‏.‏

أما المشركون فقد استفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال‏:‏

اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لانعرفه، فأحِنْه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم.

 

أول وقود غزوة بدر

خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومى ـ وكان رجلًا شرسًا سيئ الخلق ـ قائلًا‏:‏

أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه‏.‏

فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وقتله‏.‏

 

بدء المبارزة في غزوة بدر:

خرج ثلاثة من خيرة فرسان قريش كانوا من عائلة واحدة، وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة،

فلما انفصلوا من الصف طلبوا المبارزة،

فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار عَوْف ومُعَوِّذ ابنا الحارث ـ وأمهما عفراء ـ وعبد الله بن رواحة،

فقالوا‏:‏ من أنتم‏؟‏

قالوا‏:‏ رهط من الأنصار‏.‏

قالوا‏:‏ أكِفَّاء كرام، ما لنا بكم حاجة، وإنما نريد بني عمنا، ثم نادى مناديهم‏:‏ يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏(‏قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا على‏)‏،

فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا‏:‏ من أنتم‏؟‏ فأخبروهم، فقالوا‏:‏ أنتم أكفاء كرام،

فبارز عبيدة ـ وكان أسن القوم ـ عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز على الوليد‏.‏

فأما حمزة وعلى فلم يمهلا قرنيهما أن قتلاهما، وأما عبيدة فاختلف بينه وبين قرنه ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه،

ثم كَرَّ على وحمزة على عتبة فقتلاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، ومات بعد أربعة أو خمسة أيام من وقعة بدر‏‏.‏

 

الهجوم العام

وكانت بداية سيئة للمشركين؛ إذ فقدوا ثلاثة من خيرة فرسانهم وقادتهم دفعة واحدة، فاستشاطوا غضبًا، وكروا على المسلمين كرة رجل واحد‏.‏

وأما المسلمون فبعد أن استنصروا ربهم واستغاثوه وأخلصوا له وتضرعوا إليه تلقوا هجمات المشركين المتتالية، وهم مرابطون في مواقعهم، واقفون موقف الدفاع،

وقد ألحقوا بالمشركين خسائر فادحة، وهم يقولون‏:‏ أحَد أحَد‏.‏

 

الرسول صلى الله عليه وسلم يناشد ربه

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان منذ رجوعه بعد تعديل الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول‏:‏

‏‏(‏اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك‏)‏،

حتى إذا حَمِىَ الوَطِيسُ، واستدارت رحى الحرب بشدة واحتدم القتال، وبلغت المعركة قمتها، قال‏:‏ ‏‏

(‏اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا‏)‏‏.‏

وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق، وقال‏:‏

حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك‏.‏

وأوحى الله إلى ملائكته‏:‏ ‏

{‏أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 12‏]‏،

وأوحى إلى رسوله‏:‏ ‏

{‏أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏9‏]‏ ـ أي إنهم ردف لكم، أو يردف بعضهم بعضًا أرسالًا، لا يأتون دفعة واحدة‏.‏

 

نزول الملائكة في غزوة بدر

وأغفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة واحدة، ثم رفع رأسه فقال‏:‏ ‏‏

(‏أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، وعلى ثناياه النقع –أي الغبار-‏)‏‏.‏

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب العريش وهو يثب في الدرع ويقول‏:‏

‏{‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏45‏]‏ ،

ثم أخذ حَفْنَةً من الحَصْبَاء، فاستقبل بها قريشًا وقال‏:‏

‏‏(‏شاهت الوجوه‏)‏

ورمى بها في وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه من تلك القبضة،

وفي ذلك أنزل الله‏:‏ ‏{‏وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللهَ رَمَى‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏17‏]‏‏.‏

 

الهجوم المضاد

وحينئذ أصدر إلى جيشه أوامره الأخيرة بالهجمة المضادة فقال‏:‏ ‏‏(‏شدوا‏)‏،

وحرضهم على القتال، قائلًا‏:‏ ‏‏(‏والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة‏)‏،

وقال وهو يحضهم على القتال‏:‏ ‏‏(‏قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض‏)‏، ‏

[‏وحينئذ‏]‏ قال عُمَيْر بن الحُمَام‏:‏ بَخْ بَخْ‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏(‏ما يحملك على قولك‏:‏ بخ بخ‏؟‏‏)‏

قال‏:‏ لا، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها،

قال‏:‏ ‏‏(‏فإنك من أهلها‏)‏‏.‏

فأخرج تمرات من قَرَنِه فجعل يأكل منهن، ثم قال‏:‏ لئن أنا حييت حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة،

فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل‏.‏

وحين أصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر بالهجوم المضاد كانت حدة هجمات العدو قد ذهبت وفتر حماسه،

فكان لهذه الخطة الحكيمة أثر كبير في تعزيز موقف المسلمين،

فإنهم حينما تلقوا أمر الشد والهجوم ـ وقد كان نشاطهم الحربي على شبابه ـ قاموا بهجوم كاسح مرير، فجعلوا يقلبون الصفوف، ويقطعون الأعناق‏.‏

وزادهم نشاطًا وحدة أن رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع، وقد تقدمهم فلم يكن أحد أقرب من المشركين منه، وهو يقول في جزم وصراحة‏:‏ ‏

{‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ‏}‏ فقاتل المسلمون أشد القتال ونصرتهم الملائكة‏.‏

 

إبليس ينسحب وقريش تنهزم

ولما رأى إبليس ـ وكان قد جاء في صورة سراقةـ فلما رأي ما يفعل الملائكة بالمشركين فر ونكص على عقبيه،

وتشبث به الحارث بن هشام ـ وهو يظنه سراقة ـ فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا،

وقال له المشركون‏:‏ إلى أين يا سراقة‏؟‏ ألم تكن قلت‏:‏ إنك جار لنا، لا تفارقنا‏؟‏

فقال‏:‏ ‏{‏إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏48‏]‏، ثم فر حتى ألقى نفسه في البحر‏.‏

وازداد الاضطراب في صفوف المشركين نتيجة حملات المسلمين العنيفة، وأخذت جموع المشركين في الفرار، وركب المسلمون ظهورهم يأسرون ويقتلون، حتى تمت عليهم الهزيمة‏.‏

 

صمود أبي جهل

أما الطاغية الأكبر أبو جهل، فإنه لما رأى أول أمارات الاضطراب في صفوفه حاول أن يصمد في وجه هذا السيل، فجعل يشجع جيشه ويقول لهم في شراسة ومكابرة‏:‏

لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على ميعاد من محمد،

ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد، فإنهم قد عجلوا،

فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال،

ولا ألفين رجلًا منكم قتل منهم رجلًا، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم بسوء صنيعهم‏.‏

ولكن سرعان ما تبدت له حقيقة هذه الغطرسة، فما لبث إلا قليلًا حتى أخذت الصفوف تتصدع أمام تيارات هجوم المسلمين‏.‏

نعم، بقى حوله عصابة من المشركين ضربت حوله سياجًا من السيوف، وغابات من الرماح، ولكن عاصفة هجوم المسلمين بددت هذا السياج، وأقلعت هذه الغابات،

وحينئذ ظهر هذا الطاغية، ورآه المسلمون يجول على فرسه، وكان الموت ينتظر أن يشرب من دمه بأيدى غلامين أنصاريين‏.‏

 

مصرع أبي جهل

قال عبد الرحمن بن عوف رضي اله عنه إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت، فإذا عن يمينى وعن يسارى فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما،

إذ قال لي أحدهما سرًا من صاحبه‏:‏ يا عم، أرني أبا جهل، فقلت‏:‏ يابن أخي، فما تصنع به‏؟‏

قال‏:‏ أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا،

فتعجبت لذلك‏.‏ قال‏:‏ وغمزني الآخر، فقال لي مثلها،

فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس‏.‏ فقلت‏:‏ ألا تريان‏؟‏ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه،

قال‏:‏ فابتدراه فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـقال‏:‏ ‏‏(‏أيكما قتله‏؟‏‏)‏ فقـال كـل واحد منهما‏:‏ أنا قتلته،

قال‏:‏ ‏‏(‏هل مسحتما سيفيكما‏؟‏‏)‏ فـقالا‏:‏ لا‏.‏ فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلــى السيفـين فقال‏:‏ ‏‏(‏كلاكما قتله‏)‏،

وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسَلَبِه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومُعَوِّذ ابن عفراء‏.‏

ولما انتهت المعركة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏(‏من ينظر ما صنع أبو جهل‏؟‏‏)‏

فتفرق الناس في طلبه، فوجده عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وبه آخر رمق، فوضع رجله على عنقه وأخذ لحيته ليحتز رأسه، وقال‏:‏ هل أخزاك الله يا عدو الله‏؟‏

قال‏:‏ وبماذا أخزاني‏؟‏ أأعمد من رجل قتلتموه‏؟‏ أو هل فوق رجل قتلتموه‏؟‏ وقال‏:‏ فلو غير أكَّار قتلنى، ثم قال‏:‏ أخبرني لمن الدائرة اليوم‏؟‏

قال‏:‏ لله ورسوله،

ثم قال لابن مسعود ـ وكان قد وضع رجله على عنقه‏:‏ لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رُوَيْعِىَ الغنم، وكان ابن مسعود من رعاة الغنم في مكة‏.‏

واحتز ابن مسعود رأس أي جهل، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل،

فقال‏:‏ ‏‏(‏الله الذي لا إله إلا هو‏؟‏‏)‏ فرددها ثلاثًا، ثم قال‏:‏ ‏‏(‏الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، انطلق أرنيه‏)‏،

فانطلقـنا فأريته إيـاه، فقال‏:‏ ‏‏(‏هذا فرعون هذه الأمة‏)‏‏.‏

 

من روائع الإيمان في غزوة بدر:

كان عبد الرحمن بن عوف وأمية بن خلف صديقين في الجاهلية بمكة، فلما كان يوم بدر مر به عبد الرحمن، وهو أسير مع ابنه على، فأخذهما عبد الرحمن ليفتديهما.‏

قال عبد الرحمن‏:‏ فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي ـ وكان أمية هو الذي يعذب بلالًا بمكة ـ

فقال بلال‏:‏ رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا‏.‏

قلت‏:‏ أي بلال، أسيري‏.‏ قال‏:‏ لا نجوت إن نجا‏.‏ قلت‏:‏ أتسمع يابن السوداء‏.‏ قال‏:‏ لا نجوت إن نجا‏.‏ ثم صرخ بأعلى صوته‏:‏ يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا‏.‏

قال‏:‏ فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل الْمَسَكَة، وأنا أذب عنه،

قال‏:‏ فأخلف رجل السيف، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط،

فقلت‏:‏ انج بنفسك، ولا نجاء بك، فوالله ما أغني عنك شيئًا‏.‏ قال‏:‏ فَهَبَرُوهُمَا بأسيافهم حتى فرغوا منهما.‏

وقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومئذ خاله العاص بن هشام بن المغيرة، ولم يلتفت إلى قرابته منه،

ولكن حين رجع إلى المدينة قال للعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الأسر‏:‏

يا عباس أسلم، فوالله أن تسلم أحب إلى من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك‏.‏

وبعد انتهاء المعركة مر مصعب بن عمير العبدري بأخيه أبي عزيز بن عمير الذي خاض المعركة ضد المسلمين، مر به وأحد الأنصار يشد يده،

فقال مصعب للأنصاري‏:‏ شد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك،

فقال أبو عزيز لأخيه مصعب‏:‏ أهذه وصاتك بي‏؟‏ فقال مصعب‏:‏ إنه ـ أي الأنصاري ـ أخي دونك‏.‏

 

قتلى الفريقين في غزوة بدر:

انتهت المعركة بهزيمة ساحقة بالنسبة للمشركين، وبفتح مبين بالنسبة للمسلمين،

وقد استشهد من المسلمين 14 رجلًا، 6 من المهاجرين و 8 من الأنصار‏.‏

أما المشركون فقتل منهم 70، وأسر 70،  وعامتهم القادة والزعماء والصناديد‏.‏

 

مكة تتلقى نبأ الهزيمة

فر المشركون من ساحة بدر في صورة غير منظمة؛ تبعثروا في الوديان والشعاب، واتجهوا صوب مكة مذعورين، لا يدرون كيف يدخلونها خجلًا‏.‏

وتلقت مكة أنباء الهزيمة الساحقة في ميدان بدر، وقد أثر ذلك فيهم أثرًا سيئًا جدًا، حتى منعوا النياحة على القتلى؛ لئلا يشمت بهم المسلمون‏.‏

 

المدينة تتلقى أنباء النصر في غزوة بدر:

ولما تم الفتح للمسلمين أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيرين إلى أهل المدينة؛ ليعجل لهم البشرى،

أرسل عبد الله بن رواحة بشيرًا إلى أهل العالية، وأرسل زيد بن حارثة بشيرًا إلى أهل السافلة‏.‏

وكان اليهود والمنافقون قد أرجفوا في المدينة بإشاعة الدعايات الكاذبة، حتى إنهم أشاعوا خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم،

فلما بلغ الرسولان أحاط بهما المسلمون، وسمعوا الخبر، فاهتزت أرجاء المدينة تهليلًا وتكبيرًا،

وتقدم رءوس المسلمين إلى طريق بدر، ليهنئوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الفتح المبين‏.‏

قال أسامة بن زيد‏:‏

أتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت عند عثمان بن عفان، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفنى عليها مع عثمان‏.‏

 

الجيش النبوي يتحرك نحو المدينة

أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر بعد انتهاء المعركة ثلاثة أيام،

وقبل رحيله من مكان المعركة وقع خلاف بين الجيش حول الغنائم،

ولما اشتد هذا الخلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يرد الجميع ما بأيديهم، ففعلوا،

ثم نزل الوحى بحل هذه المشكلة‏، بآيات سورة الأنفال:‏

{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏

فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين‏ بعد أن أخذ منها الخمس‏.‏

 

وفود التهنئة بنصر يوم بدر:

ولما وصل صلى الله عليه وسلم إلى الرَّوْحَاء لقيه رءوس المسلمين ـ الذين كانوا قد خرجوا للتهنئة والاستقبال حين سمعوا بشارة الفتح من الرسولين ـ يهنئونه بالفتح‏.‏

قال أسيد بن حضير‏:‏

يا رسول الله، الحمد لله الذي أظفرك، وأقر عينك،

والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏(‏صدقت‏)‏‏.‏

ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مظفرًا منصورًا قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها،

فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أبي وأصحابه في الإسلام ظاهرًا‏.‏

 

قضية أسرى غزوة بدر:

ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة استشار أصحابه في الأسارى،

فقال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعَشِيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله، فيكونوا لنا عضدًا‏.‏

وقال عمر بن الخطاب‏:‏ والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننى من فلان ـ قريب لعمر ـ فأضرب عنقه،

وتمكن عليًا من عَقِيل بن أبي طالب فيضرب عنقه،

وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه،

حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين‏.‏ وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم‏.‏

فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد وجد عمر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان،

فقال‏:‏ يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك‏؟‏ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏

(‏أبكى للذى عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، فقد عرض علىّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة‏)‏ ـ شجرة قريبة‏.‏

وأنزل الله تعالى‏:‏

{‏مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏67، 68‏]‏‏.‏

وحيث إن الأمر كان قد استقر على رأي الصديق فقد أخذ منهم الفداء، وكان الفداء من أربعة آلاف درهم إلى ثلاثة آلاف درهم إلى ألف درهم،

وكان أهل مكة يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن عنده فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم، فإذا حذقوا فهو فداء‏.‏

ومنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدة من الأسارى فأطلقهم بغير فداء.‏

 

فرض الصيام وزكاة الفطر:

وفي السنة الثانية من الهجرة فرض صيام رمضان وزكاة الفطر، وبينت أنصبة الزكاة الأخرى،

وكان أول عيد تعيد به المسلمون في حياتهم هو العيد الذي وقع إثر الفتح المبين الذي حصل لهم في غزوة بدر‏.‏

 

الرحيق المختومالرحيق المختوم، المباراكفوري، غزوة بدر، غزوة بدر الكبرى، مختصر كتاب الرحيق المختوم،

كتاب الرحيق المختوم، اختصار كتاب الرحيق المختوم، أحداث غزوة بدر، وقائع غزوة بدر، صفي الدين المباركفوري.

ملخص غزوة بدر الكبرى، غزوة بدر الكبرى بالتفصيل، اسباب غزوة بدر الكبرى، بحث عن غزوة بدر الكبرى، غزوة بدر الكبرى باختصار، قصة غزوة بدر، نتائج غزوة بدر

تعليق واحد

  1. اللهم صلِ وسلم على نبينا وسيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.