///////

محمد راتب النابلسي: الهجرة حركة والتزام

الهجرة النبوية هي حدث هام في تاريخ الإسلام، وأسس لمرحلة جديدة من دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث تأسست بعدها أول دولة في الإسلام.

ويقصد بالهجرة النبوية هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام مكة إلى يثرب والتي سميت لاحقاً بالمدينة المنورة، حيث أذن النبي لأصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة بعدما اشتد الإيذاء على المسلمين في مكة.

وبدأ الصحابة يخرجون إلى يثرب أرسالًا ونزلوا على الأنصار في دورهم فآووهم ونصروهم، ولم يبقَ بمكة منهم إلا النبي محمد وأبو بكر وعلي بن أبي طالب، أو محبوس، أو ضعيف عن الخروج.

لما رأت قريش خروج المسلمين، خافوا خروج النبي محمد، فاجتمعوا في دار الندوة، واتفقوا أن يأخذوا من كل قبيلة من قريش شابًا فيقتلون محمد فيتفرّق دمه بينَ القبائل. فأخبر جبريل محمدًا بالخبر وأمره ألا ينام في مضجعه تلك الليلة، فأمر محمد عليًا أن يبيت في فراشه بدلا منه ويتغطى ببرده الأخضر ليظن الناس أن محمدا نائم في فراشه. واجتمع أولئك النفر عِند بابه، لكنه خرج من بين أيديهم لم يره منهم أحد، وهو يحثوا على رؤوسهم التراب.

جاء النبي إلى أبي بكر ثم خرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار ثور، وهو كهف في جبل بأسفل مكة فدخلاه. وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى في الغار، فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم، يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن النبي محمد وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. وكان عامر بن فهيرة يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفي عليه، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما.

ذكر ابن هشام أن النبي وأبا بكر لما دخلا إلى غار ثور ضربت العنكبوت على بابه بعش، فخرجت قريش في طلبه حتى وصلوا باب الغار، فقال بعضهم: «إن عليه العنكبوت قبل ميلاد محمد» فانصرفوا. وقصة العنكبوت والحمامتين قد ضعفها بعض المحدثين وحسنها بعضهم، والذي ثَبت في صحيح مسلم قول أبي بكر الصديق:«نظرتُ إلى أقدامِ المشركين على رؤوسِنا ونحن في الغارِ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ! لو أنَّ أحدَهم نظر إلى قدمَيه أبصَرَنا تحت قدمَيه، فقال: «يا أبا بكرٍ ! ما ظنُّك باثنَين اللهُ ثالثُهما»»

وبعد مبيت ثلاث ليال في الغار خرج النبي وصاحبه من الغار متجهان إلى يثرب، وبينما هما في الطريق، إذ عرض لهما سراقة بن مالك وهو على فرس له، فدعا عليه محمد فساخت قوائم فرسه، فقال: «يا محمد أدع الله أن يطلق فرسي وأرجع عنك وأرد من ورائي»، ففعل فأطلق ورجع فوجد الناس يلتمسون محمدا فقال: «ارجعوا فقد استبرأت لكم ما ههنا» فرجعوا عنه.

ومر النبي محمد وأبو بكر وعامر بن فهيرة، ودليلهما عبد الله بن أريقط في الطريق بخيمة أم معبد واسمها “عاتكةُ”، فسألاها شراء شيئًا يأكلانه، فقالت: «واللهِ ما عندنا طعامٌ ولا لنا منحةٌ ولا لنا شاةٌ إلا حائلٌ»، قال ابن إسحاق: «فدعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ببعضِ غنمِها فمسح ضرْعَها بيدِه ودعا اللهَ وحلبَ في العسِّ حتى أرغى وقال اشربي يا أم معبدٍ فقالت اشرب فأنتَ أحقُّ بهِ فردَّه عليها فشربت ثم دعا بحائلٍ أخرى ففعل مثلَ ذلك بها فشربَه ثم دعا بحائلٍ أخرى ففعل بها مثلَ ذلك فسقى دليلَه ثم دعا بحائلٍ أخرى ففعل بها مثلَ ذلك فسقى عامرًا ثم تروَّحَ».

وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء فنزل على كلثوم بن الهدم، وجاءه المسلمون يسلمون عليه، ونزل أبو بكر على خبيب بن إساف، وأقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدّى الودائع التي كانت عند النبي للناس، حتى إذا فرغ منها لحق بالنبي فنزل معه على كلثوم بن هدم. وبقي محمد وأصحابه في قباء عند بني عمرو بن عوف 4 أيام، وقد أسس مسجد قباء لهم، ثم انتقل إلى المدينة المنورة.

كان الأنصار يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرون النبي، فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إلى منازلهم، فلما كان يوم 12 ربيع الأول خرجوا على عادتهم فلما حمي الشمس رجعوا، فصعد رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة، فرأى النبي محمد وأصحابه فقال: «يا بني قيلة! هذا صاحبكم قد جاء هذا جدكم الذي تنتظرونه» فثار الأنصار إلى السلاح ليستقبلوا النبي.

ظن الناس في البداية أن أبا بكر هو النبي، ولما أقبل أبو بكر حتى ظلل النبي بردائه من شدة الحر، هنا عرف الناس رسولَ الله عند ذلك، فلبث رسول الله في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله، ثم ركب راحلته وسار يمشي معه الناسُ حتى بركت عند مسجد رسول الله بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربداً للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله المنزل»، ثم عاد رسول الله الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: «بل نهبه لك يا رسول الله»، فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.