سورة التكوير| تفسير وشرح ودروس

فيما يلي تفسير وشرح ودروس سورة التكوير ضمن سلسلة تدبر القرآن الكريم، التي كتبها أحمد السيد، والتي تتضمن دروساً وفوائد من الآيات مع واجبات ووصايا نهاية السورة.

قد يهمك:

تدبر جزء عمّ

سورة التكوير | تفسير وشرح ودروس

معاني كلمات سورة التكوير:

انكدرتتناثرت وانطفأت
العشارالنوق الحوامل
سجرتفاضت وانفجرت واشتعلت
كشطتأزيلت
الموءودةالطفلة المدفونة حية
أزلفتقربت

مقدمة:

قال ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ:

إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت”.

رواه الترمذي وأحمد

إن آيات سورة التكوير تعبر بشكل مخيف عن مشاهد ليوم القيامة بأوصاف تزعج القلوب

وترعد الفرائص وتدفع العبد دفعاً نحو الاستقامة على طريق الله اتقاءً لشر ذلك اليوم.

شرح سورة التكوير:

الآيات 1 : 14

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14)

عندما تتكور الشمس وينطفئ نورها،

وتتناثر النجوم وينطمس شعاعها،

وتنسف الجبال وتتحرك من مكانها،

وتترك العشار (النوق الحوامل) فلا راغب في اقتناءها (وهي من أنفس مال العرب)،

وتتجمع الوحوش المفترسة حشداً مخيفاً لكن دون فريسة تفترسها،

وتتفجر البحار فيضاناً والنيران تشتعل في مياهها،

وتتجمع النفوس المتقاربة مع بعضها، فالمؤمنون مع المؤمنين، واليهود مع اليهود، والنصارى مع النصارى،

وتتجمع كل أمة بأقرانها،

وتسأل الموءودة بأي ذنب قتلت فلا يضيع حقها،

وتنشر صحائف أعمال كل نفس علانية بشكل فاضح أمام الخلق وتنكشف أسرارها،

وتزول السماء فلا أثر لها،

وتسعّر الجحيم وتشتعل بلهيبها،

وتقترب الجنة وتبشر أهلها،

حينها تدرك كل نفس ما أحضرته من خير وشر وما قدمت يداه.

ذات صلة:

الآيات 15 : 29

فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)

هل تظنون ذلك مجرد أساطير وأوهام أو أنها فيلماً خيالياً أو أكاذيب مزعومة؟

أقسم بالنجوم التي تخنس بالنهار وتعود بالليل، الجارية في فلكها، المكنسة الساكنة في مدارها،

وبالليل إذا تحرك فأقبل ثم أدبر،

وبالصبح إذا تنفس فأقبل بضوءه ونسيمه وحيويته،

أن هذا الكلام من عند الله،

نقله رسول كريم (جبريل)، ذو قوة ومكانة عند صاحب العرش الذي مكنه إياها، مطاع بين الملائكة، أمين على الوحي وعلى هذا الذي يخبركم به

وما صاحبكم محمد بمجنون كما تزعمون وأنتم أعلم الناس به،

وإنه قد رأي جبريل رأي العين، رآه في الأفق في هيئته وصورته الحقيقية بشكل بين وواضح

(وقد رأي محمد صلي الله عليه وسلم جبريل وله 600 جناح، أحدها غطي ما بين المشرق والمغرب)

وما محمد بالذي يخفي خبر السماء والغيب أو يبخل أو يقصر في التبليغ.

وما هذا الكلام بقول شيطان رجيم،

وهل يصدق عاقل هذا الادعاء؟

فأين تذهبون؟

وأين عقولكم؟

إن هو إلا ذكر لعالمي الإنس والجن،

لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين.

دروس وفوائد من سورة التكوير:

1-صور شديدة عن يوم القيامة

هي مشاهد تبعث على الخوف عند قراءتها وتدبرها، ومعرفة أهوال القيامة من متطلبات الإيمان باليوم الآخر.

والصور والمشاهد التي عرضتها الآيات:

تكوين الشمس وانطفاءها – تناثر النجوم وانطماسها – تحرك الجبال وانهيارها – تجمع الأنعام المرغوبة لكن دون راغب – تجمع الوحوش المفترسة لكن دون فريسة – البحار تتفجر نيراناً – سؤال الموءودة – نشر الصحائف – السماء تزول – النار تتوهج – الجنة تقترب – الأعمال حاضرة.

وعلى العاقل أن يدرك أن الاستعداد للآخرة أولي من الانشغال والاستغراق في الدنيا،

فالدنيا قصيرة وفانية، والآخرة دار الاستقرار والخلود، وعليه العمل وبذل الطاعات.

  • قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم (البحر) فلينظر بم يرجع؟”

رواه مسلم

  • عن ابن عمر رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».
  • وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك”.

رواه البخاري

  • وحينما وصلت أموال الجزية من البحرين قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: “أبشروا وأمّلوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم”.

متفق عليه

2-الإيمان بجبريل وبمحمد وبالقرآن.

  • أشارت الآيات إلي وصف الملك جبريل (رسول – كريم – ذي قوة عند الله – مكين – مطاع – أمين).
  • وأكدت صدق نبوة محمد بأنه صاحبكم أي أنتم أعرف الناس به وبأنه صادق وغير مجنون، وأنه رأي جبريل بعينه ويأخذ منه الوحي.
  • وأكد أن هذا الكلام هو وحي وقرآن من عند الله جاءكم عبر جبريل ومحمد، وليس قول شياطين أو أساطير، بل هو ذكر (للقراءة والتذكر) لمن أراد الاستقامة بإذن الله.

الدليل علي جبريل:

الملك لا يراه الناس بالعين على هيئته في الدنيا (باستثناء الأنبياء).

وقد أقسم الله بمخلوقات وظواهر تقرب وجه الشبه وتلقي في النفس القناعة والاعتقاد وتضبط التصورات عن هذا العالم الغيبي.

فهذا النجم الذي ترونه من بعيد يختفي نهاراً وليس الاختفاء دليلاً علي عدم وجوده، وكذلك جبريل والملائكة.

وهذا النجم الذي تهتدون به وتعرفون به أين الطريق الصحيح واتجاهات الشمال والجنوب والشرق والغرب، فكذلك جبريل الكريم أكرمكم بحمل وتوصيل الهداية وتبليغها.

وهذا النجم الذي يجري في فلك محدد وفق قوة دفع خفية، وكذلك جبريل منحه الله قوة وتمكين، وكما أن النجم يقود حركة الكواكب والكويكبات من حوله، فإن جبريل مطاع من الملائكة.

وكما أن حركة وعمل النجم تسير وفق دقة متناهية ونظام محكم يعطي نتائج وحسابات سليمة، فكذلك جبريل فهو أمين يبلغ رسالة ربه بدقة دون تحريف أو نقص.

3-الاستقامة:

من أراد الاستقامة فليحمل القرآن الكريم مرشداً ودليلاً، ثم ينطلق نحو الطريق والصراط المستقيم، والاستقامة تعني الالتزام بالطاعة وانتظامها واستمرارها.

  • يقول تعالي:

“إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28)”.

  • ويقول تعالي:

“فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ”. 

هود 112

  • ويقول تعالي:

“إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.

الأحقاف 13: 14

  • ويقول تعالي:

“إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ”.

فصلت 30-32

  • عن ابن عمرو سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك.

قال: قلت آمنت بالله ثم استقم.

رواه مسلم

  • عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:

قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل.

متفق عليه

  • وعن عائشة رضي الله عنها قالت: وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه.

من مظاهر الاستقامة:

الحرص على انتظام الطاعات وعدم الانقطاع عنها أو تركها مثل:

أداء الصلاة – الورد القرآني – أذكار الصباح والمساء – صيام بعض النوافل من كل شهر – …الخ

4-مشيئة الله:

  • الاستقامة لن تكون إلا بمشيئة الله، وكل أمر في هذا الكون لن يكون إلا بإذن الله،

وقد يتوقع المرء أموراً مستقبلية علي أسس علمية ومعادلات حسابية وتحليلية، لكنها لن تكون إلا بإذن الله،

وقد يعزم المرء على القيام بأمر في المستقبل ولديه الثقة واليقين في القدرة على تحقيق وتنفيذ الأمر لكنه لن يكون إلا بإذن الله.

  • وقد سأل اليهود النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن أمور، فأخبرهم بأنه سيخبرهم بها في الغد (اليوم التالي) حيث يأتيه الوحي بالإجابة،

لكن الوحي لم يأت وتأخر نحو أسبوعين،

ثم نزلت سورة الكهف بالإجابات وفيها توجيه للنبي والمسلمين:

” وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ”.

وأصبح النبي من بعدها متأدباً مع الله بقوله “إن شاء الله”.

ومن دعائه صلي الله عليه وسلم:

” اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”.

واجبات:

  1. التدبر في النجوم ومشاهدة أفلام وثائقية علمية عن الفلك والفضاء.
  2. الاهتمام بالقرآن (تلاوة، تجويداً، تدبراً وعملاً، واتخاذه دليلاً في طريق الاستقامة).
  3. الاستقامة بالحرص على انتظام الطاعات وعدم انقطاعها (صلاة – قرآن – أذكار – صيام).
  4. التأدب مع الله بقول “إن شاء الله” عند الحديث عن المستقبل.

توصيات:

  1. تصوير أو جمع صور عن الليل ورهبته والنهار وحيويته وكتابة الآيتين “وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)” للتذكير والتدبر.
  2. على الرسامين ومنتجي الأفلام الرسومية والفيديوهات أن ينتجوا مواداً تعبر عن مشاهد يوم القيامة التي وردت في الآيات وبأجواءها النفسية الموحية.
  3. “القرآن لمن أراد الاستقامة” اكتبها بخط عربي جميل في لوحة فنية.
  4. كتب العلماء والدعاة مؤلفات عن القرآن وعلومه، ومن المفيد لمن أراد الاستقامة أن يطلع على مثل هذه المؤلفات المفيدة، مثل: “كيف نتعامل مع القرآن الكريم” – “الإعجاز العلمي في القرآن” – “أخلاق القرآن”.

تعليق واحد

  1. بارك الله فيكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.