الأحد , ديسمبر 4 2022

غزوة بني قريظة | الرحيق المختوم

تتناول هذه المقالة مختصر غزوة بني قريظة وحصارهم من قبل النبي والمسلمين بعد خيانتهم للعهد وتعاونهم مع الأحزاب لإبادة المسلمين في المدينة.

الرحيق المختوم

غزوة بني قريظة

غزوة بني قريظة
غزوة بني قريظة

لما رجع النبي الله إلى المدينة، جاءه جبريل عند الظهر، وهو يغتسل في بيت أم سلمة، فقال‏:‏

أو قد وضعت السلاح‏؟‏ فإن الملائكة لم تضع أسلحتهم، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، فانهض بمن معك إلى بني قريظة، فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم، وأقذف في قلوبهم الرعب، فسار جبريل في موكبه من الملائكة‏.‏

وأمر رسول الله مؤذناً فأذن في الناس‏:‏ من كان سامعاً مطيعاً فلا يصَلِّينَّ العصر إلا ببني قريظة. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأعطي الراية على بن أبي طالب‏.‏

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في موكبه من المهاجرين والأنصار، حتى نزل على بئر من آبار قريظة يقال لها‏:‏ بئر أنَّا‏.‏

وبادر المسلمون إلى امتثال أمره، ونهضوا من فورهم، وتحركوا نحو قريظة، وأدركتهم العصر في الطريق فقال بعضهم‏:‏ لا نصليها إلا في بني قريظة كما أمرنا، حتى إن رجالاً منهم صلوا العصر بعد العشاء الآخرة، وقال بعضهم‏:‏ لم يرد منا ذلك، وإنما أراد سرعة الخروج، فصلوها في الطريق، فلم يعنف واحدة من الطائفتين‏.‏

هكذا تحرك الجيش الإسلامي نحو بني قريظة أرسالاً حتى تلاحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهم ثلاثة آلاف، والخيل ثلاثون فرساً، فنازلوا حصون بني قريظة، وفرضوا عليهم الحصار‏.‏

 

قريظة تطلب أبا لبابة

ولما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال‏:‏ إما أن يسلموا، وإما أن يقتلوا ذراريهم ونساءهم بأيديهم، ويخرجوا إلى النبي بالسيوف، وإما أن يهجموا ويكبسوهم يوم السبت.

رفضت قريظة الخصال الثلاث، ولم يبق لهم إلا أن ينزلوا على حكم رسول الله، ولكنهم أرادوا أن يتصلوا ببعض حلفائهم من المسلمين، لعلهم يتعرفون ماذا سيحل بهم إذا نزلوا على حكمه.

بعثوا إلى رسول الله أن أرسل إلينا أبا لُبَابة نستشيره، وكان حليفاً لهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجَهَشَ النساء والصبيان يبكون في وجهه، فَرَقَّ لهم، وقالوا‏:‏ يا أبا لبابة، أتري أن ننزل على حكم محمد‏؟‏

قال‏:‏ نعم ؛ وأشار بيده إلى حلقه، يقول‏:‏ إنه الذبح، ثم أدرك أنه خان الله ورسوله فلم يرجع للنبي وإنما انطلق للمسجد النبوي وربط نفسه بسارية المسجد.

وحلف أبولبابة ألا يحل قيده إلا رسول الله بيده، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبداً،  فلما بلغ رسول الله خبره قال‏:‏

‏(‏أما إنه لو جاءني لاستغفرت له، أما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه‏)‏‏.‏

 

رعب قريظة يدفعها للاستسلام

قررت قريظة النزول على حكم رسول الله، برغم ما أشار إليه أبو لبابة، وبرغم استطاعة اليهود تحمل الحصار الطويل، وبرغم صعوبة ميدان المسلمين حيث كانوا يقاسون البرد القارس والجوع الشديد وهم في العراء، وصعوبة مواصلة الحرب منذ بداية معركة الأحزاب.

حرب قريظة كانت حرب أعصاب، فقد قذف الله في قلوبهم الرعب، وبلغ انهيار معنوياتهم إلى نهايته حين تقدم علي بن أبي طالب وصاح‏:‏ يا كتيبة الإيمان، والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم‏.‏

وحينئذ بادروا إلى النزول على حكم رسول الله، وأمر رسول الله باعتقال الرجال، وجعلت النساء والذراري بمعزل عن الرجال في ناحية.

 

حكم سعد في بني قريظة

قامت الأوس إلى رسول الله فقالوا‏:‏ يا رسول الله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فأحسن فيهم.

فقال‏:‏ ‏(‏ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ بلي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فذاك إلى سعد بن معاذ‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ قد رضينا‏.‏

فأرسل إلى سعد وقد كان يعالج في المدينة، فأُركب حماراً، وجاء إلى رسول الله.

فجعلوا يقولون، وهم كَنَفَيْهِ‏:‏ يا سعد، أجمل في مواليك، فأحسن فيهم، فإن رسول الله قد حكمك لتحسن فيهم، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئا.

فلما أكثروا عليه قال‏:‏ لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة فنعي إليهم القوم‏.‏

ولما انتهى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة‏:‏ ‏(‏قوموا إلى سيدكم‏)‏، فلما أنزلوه قالوا‏:‏ يا سعد، إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك‏.‏

قال‏:‏ وحكمي نافذ عليهم‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ وعلى المسلمين‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ وعلى من هاهنا‏؟‏ وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسول الله إجلالاً له وتعظيمًا‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم، وعلي‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال، وتسبي الذرية، وتقسم الأموال، فقال رسول الله‏:‏ ‏(‏لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات‏)‏‏.‏

وهكذا تم استئصال أفاعي الغدر والخيانة، الذين كانوا قد نقضوا الميثاق المؤكد، وعاونوا الأحزاب على إبادة المسلمين في أحرج ساعة كانوا يمرون بها في حياتهم‏.‏

وقتل مع هؤلاء شيطان بني النضير حيي بن أخطب والد صفية أم المؤمنين، وقبل أن يقتل قال لرسول الله‏:‏ أما والله ما لمت نفسي في معاداتك، ولكن من يُغالب الله يُغْلَب‏.‏

ثم قال‏:‏ أيها الناس، لا بأس بأمر الله، كتاب وقَدَر ومَلْحَمَة كتبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس، فضربت عنقه‏.‏

 

استشهاد سعد بن معاذ

ولما تم أمر قريظة أجيبت دعوة العبد الصالح سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقد انتقضت جراحته فمات منها‏.‏

وفي الصحيحين عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ‏)‏‏.‏

وصحح الترمذي من حديث أنس قال‏:‏ لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون‏:‏ ما أخف جنازته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الملائكة كانت تحمله‏)‏‏.‏

 

توبة أبي لبابة

أما أبو لُبابة، فأقام مرتبطاً بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع، ثم نزلت توبته على رسول الله سَحَرًا وهو في بيت أم سلمة.

فقامت أم سلمة على باب حجرتها، وقالت‏:‏ يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك، فثار الناس ليطلقوه، فأبي أن يطلقه أحد إلا رسول الله، فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه‏.‏

وقعت الغزوة فـي ذي القعدة 5 هـ، ودام الحصار 25 ليلة‏.، وأنزل الله تعالى في غزوة بني قريظة آيات من سورة الأحزاب‏.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.