غزوة فتح مكة | الرحيق المختوم

غزوة فتح مكة هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، وأشرق به وجه الأرض ابتهاجاً.‏

الرحيق المختوم

غزوة فتح مكة

سبب الغزوة‏‏

في بنود معاهدة الحديبية، أن أي اعتداء على قبيلة داخلة في عقد محمد أو قريش، يعتبر اعتداء على ذلك الفريق‏.‏

وكانت خُزَاعَة في عهد النبي، وبنو بكر في عهد قريش، وكانت بين خزاعة وبني بكر عداوة، فلما وقعت الهدنة، اغتنمها بنو بكر ليصيبوا من خزاعة الثأر القديم.

فأغارت جماعة من بني بكر ليلاً في شعبان 8 هـ، على خزاعة فأصابوا منهم رجالاً، وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح والرجال.

وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي، للمدينة يخبر النبي، ثم تبعه بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي ليخبر النبي بمن أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة‏.‏

 

أبو سفيان يخرج إلى المدينة ليجدد الصلح‏

ولا شك أن ما فعلت قريش وحلفاؤها كان غدراً محضاً ونقضاً صريحاً للميثاق، وأحست قريش بخطئها وشعرت بعواقبه الوخيمة، فأرسلت أبا سفيان ليجدد الصلح مع النبي‏.‏

وقدم أبو سفيان المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فمنعته من أن يجلس على فراش رسول الله. ثم التقى بالنبي وكلمه لكن النبي لم يرد عليه.

فذهب أبو سفيان إلى أبي بكر يطلب منه أن يكلم النبي فرفض أبو بكر، فذهب إلى عمر فرفض، فدخل على على بن أبي طالب يطلب منه أن يشفع له إلى النبي، فرفض. ورجع أبو سفيان مكة خائباً

 

التهيؤ للغزوة ومحاولة الإخفاء‏‏

أمر النبي الناس أن يتجهزوا، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة، وقال‏:‏ ‏(‏اللّهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها‏)‏‏.‏

وزيادة في التعمية بعث النبي سرية إلى بطن إضَم، ليظن الظان أنه صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى تلك الناحية، ثم هى هى فيما بعد تلحق بركب النبي إلى مكة.

وكتب حاطب بن أبي بَلْتَعَة كتاب إلى قريش يخبرهم بمسير النبي إليهم، ثم أرسله مع امرأة، وعلم النبي الخبر من السماء، فبعث علياً والمقداد والزبير بن العوام وأبا مَرْثَد الغَنَوِي يأخذوا الكتاب من المرأة، ففعلوا.

فدعا النبي حاطباً، فقال‏:‏ ‏(‏ما هذا يا حاطب‏؟‏‏)‏ ، فأقسم حاطب للنبي أنه لم يرتد ولكنه أراد أن يجعل لقرابته حماية في مكة.

فقال عمر بن الخطاب‏:‏ دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله، وقد نافق.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏إنه قد شهد بدراً، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال‏:‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم‏)‏.

فذَرَفَتْ عينا عمر، وقال‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

وهكذا لم يبلغ قريش أي خبر عن زحف المسلمين‏.‏

 

الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة‏‏

غادر النبي المدينة في 10 رمضان 8 هـ، صائماً إلى مكة، في 10 آلاف‏.‏

ولما كان بالجُحْفَة لقيه عمه العباس، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً.

ولما كان بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان ابن الحارث وابن عمته عبد الله بن أبي أمية، فأعرض عنهما، لكن أم سلمة سألته العفو، فعفا عنهما.

 

الجيش الإسلامي ينزل بمَرِّ الظَّهْرَان‏‏

ولما بلغ الكُدَيْد أفطر، وأفطر الناس معه‏، ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران عشاء، فأمر الجيش، فأوقدوا النيران.

فأوقدت 10 آلاف نار، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب.

 

أبو سفيان بين يدي النبي‏

ركب العباس  بغلة النبي، وخرج لعله يجد أحداً يخبر قريشاً ليخرجوا يستأمنون النبي قبل أن يدخلها‏.‏

وخرج أبو سفيان يتحسس الأخبار، ومعه حكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، وويتساءلون فيما بينهم لمن هذه النيران التي أوقدت.

فأقبل العباس عليهم وسمع حوارهم، فقال لهم: هذا رسول الله في الناس، واصباح قريش والله‏.‏

وطلب العباس من أبي سفيان أن يركب خلفه ليأخذه إلى النبي فيستأمنه قبل أن يظفر به ويضرب عنقه، فركب أبو سفيان خلف العباس وانطلقا إلى معكسر المسلمين حيث النبي.

ورأى عمر أبا سفيان خلف العباس فجرى نحو الرسول، فأسرع العباس بالبغلة ليسبق عمر، فلما دخلوا على النبي، قال عمر‏:‏ يا رسول الله، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه.

قال العباس:‏ يا رسول الله، إني قد أجرته.

فلما أكثر عمر في شأنه قال العباس‏:‏ مهلاً يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا.

قال عمر‏:‏ مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك كان أحب إلى من إسلام الخطاب، لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به‏).

وفي اليوم التالي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله‏؟‏‏)‏

قال‏:‏ بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك‏؟‏ لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغني عني شيئاً بعد‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله‏؟‏‏)

قال‏:‏ بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك‏:‏ أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيء‏.‏

فقال له العباس‏:‏ ويحك أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، قبل أن تضرب عنقك.

فأسلم وشهد شهادة الحق‏.‏

قال العباس‏:‏ يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن‏)‏‏.‏

 

الجيش الإسلامي يغادر مر الظهران إلى مكة‏‏

وفي صباح 17 رمضان 8 هـ  غادر النبي مر الظهران إلى مكة، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خَطْمِ الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها.

وكلما مرت به قبيلة يقول أبو سفيان‏:‏ يا عباس، من هذه‏؟‏ فيخبره باسمها، فيقول أبو سفيان: مالي ولبني فلان، حتى مر به رسول الله في كتيبته الخضراء، لا يري منهم إلا الحَدَق من الحديد.

قال أبو سفيان‏:‏ سبحان الله‏!‏ يا عباس، من هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار.

قال‏:‏ ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة‏.‏ ثم قال‏:‏ والله يا أبا الفضل، لقد أصبح مُلْكُ ابن أخيك اليوم عظيماً‏.‏

قال العباس‏:‏ يا أبا سفيان، إنها النبوة.

قال‏:‏ فنعم إذن‏.‏

وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له‏:‏ اليوم يوم الملحمة، اليوم تُسْتَحَلُّ الحُرْمَة، اليوم أذل الله قريشاً‏.‏

فلما حاذي رسول الله أبا سفيان قال‏:‏ يا رسول الله، ألم تسمع ما قال سعد‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏وما قال‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ قال كذا وكذا‏.‏

فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف‏:‏ يا رسول الله، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏بل اليوم يوم تُعَظَّم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً‏)‏

ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه قيس، ورأي أن اللواء لم يخرج عن سعد‏.‏

 

قريش تباغت زحف الجيش الإسلامي‏

وطلب العباس من أبي سفيان أن ينطلق إلى مكة يخبرهم بما رأى، فدخل أبو سفيان مكة، وصرخ بأعلى صوته‏:‏ يا معشر قريش، هذا محمد، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به‏.‏ فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن‏.‏

فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت‏:‏ اقتلوا الحَمِيت الدسم الأخمش الساقين، قُبِّحَ من طَلِيعَة قوم‏.‏

قال أبو سفيان‏:‏ ويلكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن‏.‏

قالوا‏:‏ قاتلك الله، وما تغني عنا دارك‏؟‏

قال‏:‏ ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن‏.‏

فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وتجمع سفهاء قريش مع عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو بالخَنْدَمَة ليقاتلوا المسلمين‏.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.