الأحد , ديسمبر 4 2022

غزوة بني المُصطلق و حديث الإفك

غزوة بني المُصطلق وإن لم تكن طويلة الذيل، عريضة الأطراف من حيث الوجهة العسكريـة، إلا أنها وقعـت فيـها وقـائـع أحدثـت البلبلـة والاضطـراب فـي المجتمع الإسلامي.

وتمخضت عن افتضاح المنافقين، والتشريعات التعزيرية التي أعطت المجتمع الإسلامي صورة خاصة من النبل والكرامة وطهارة النفوس‏.‏ ونسرد الغزوة أولاً، ثم نذكر تلك الوقائع‏.‏

الرحيق المختوم

غزوة بني المُصطلق

أحداث الغزوة

كانت الغزوة في شعبان 5هـ أو 6هـ.، وسببها أن رئيس بني المصطلق الحارث بن أبي ضِرَار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله.

فأسرع النبي للخروج وندب الصحابة، فخرج معه جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها، وكان الحارث قد وجه عينًا ليأتيه بخبر المسلمين، فألقي المسلمون عليه القبض وقتلوه‏.‏

لما بلغ الحارث مسير رسول الله وقتله عينه، خافوا وتفرقوا، وانتهي رسول الله إلى المُرَيْسِيع فتهيأوا للقتال، ثم حملوا حملة رجل واحد، فكانت النصرة وانهزم المشركون.

فقتل من قتل، وسبى رسول الله النساء والذراري والنعم والشاء‏.، وكان من جملة السبي‏:‏ جُوَيْرِيَة بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت ابن قيس، فكاتبها، فـأدي عنها رسول الله وتزوجهـا.

وأعتق المسلمون بسبـب هـذا التزويـج مـائـة أهـل بيـت مـن بنـي المصطلق قـد أسلمـوا، وقـالـوا‏:‏ أصهـار رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

 

دور المنافقين قبل غزوة بني المصطلق‏‏

ذكرنا أن عبد الله بن أبي كان يَحْنَقُ على الإسلام والمسلمين والنبي، فقد كاد الأوس والخزرج يتوجونه رئيساً عليهم لولا قدوم النبي في الهجرة، فكان يري أن رسول الله استلبه ملكه‏.‏

كان عبد الله بن أبي يظهر حنقه وتحرقه حتى بعدما تظاهر بالإسلام، ‏لم يفكر إلا في تشتيت المجتمع الإسلامي وتوهين كلمة الإسلام‏.

وكان يوالى الأعداء، وتدخل في أمر بني قينقاع، وجاء في غزوة أحد بالشر والغدر والتفريق وإثارة الارتباك، وكانت له اتصالات ببني النضير ضد المسلمين.

وفي غزوة الأحزاب أثاروا القلق والاضطراب وبث الرعب والدهشة في قلوب المؤمنين‏.‏

وقد أدرك أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين أن سبب غلبة الإسلام ليس التفوق المادي وكثرة السلاح، وإنما القيم والأخلاق التي يتمتع بها المجتمع الإسلامي، وكانوا يعرفون أن منبع هذا الفيض إنما هو رسول الله.

وعرفوا بعد حروب خمس سنين، أن القضاء على هذا الدين وأهله لا يمكن بالسلاح، فقرروا أن يشنوا حرباً دعائية ضد الدين وشخصية الرسول.

ولما كان المنافقون هم الطابور الخامس في صفوف المسلمين، تحمل فريضة الدعاية هؤلاء المنافقون، وعلى رأسهم ابن أبي‏.‏

فحينما تزوج رسول الله بأم المؤمنين زينب بنت جحش، بعد أن طلقها زيد بن حارثة، وكان ابنه بالتبني، ومن تقاليد العرب حرمة حليلة المتبني على الرجل الذي تبناه، أثار المنافقون الشغب.

قال المنافقون كيف يتزوج زوجة ابنه، وكيف يتزوج أكثر من أربعة زوجات؟ واختلقوا قصصاً وأساطير أثرت في صفوف الضعفاء.

ونزل القرآن بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور، واستفتح الله سورة الأحزاب بقوله‏:‏ ‏{‏يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًاَ‏}‏ .‏

 

دور المنافقين في غزوة بني المصطلق‏

 

قول المنافقين ” ليخرجن الأعز منها الأذل‏”

بينما المسلمون بعد الغزوة مقيمين بالمُرَيْسِيع، وقع شجار على ورد ماء بين جَهْجَاه الغفاري (أجير لعمر بن الخطاب) وبين سِنَان بن وَبَر الجهني، فاستصرخ الأول المهاجرين واستصرخ الثاني الأنصار.

فقال رسول الله‏:‏ ‏(‏أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم‏؟‏ دعوها فإنها مُنْتِنَة‏)‏، وبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن سلول فغضب وقال‏:‏

أو قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول‏:‏ سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأكُلْكَ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

ثم أقبل على من حضره فقال لهم‏:‏ هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم‏.‏

فنقل الغلام زيد بن أرقم الخبر لعمه والذي أخبر رسول الله وعنده عمر، فقال عمر‏:‏ مُرْ عَبَّاد بن بشر فليقتله‏.‏ فقال‏:‏ ‏

(‏فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه‏؟‏ لا ولكن أَذِّنْ بالرحيل‏)‏ وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، فارتحل الناس.

فلقيه أسيد بن حضير فحياه، وقال‏:‏ لقد رحت في ساعة منكرة‏؟‏ فقال له‏:‏ ‏(‏أو ما بلغك ما قال صاحبكم‏؟‏‏)‏ يريد ابن أبي، فقال‏:‏ وما قال‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏)

قال‏:‏ فأنت يا رسول الله، تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال‏:‏ يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخَرَز ليتوجوه، فإنه يري أنك استلبته ملكاً‏.‏

ثم مشي النبي بالناس طوال يومهم وليلهم ليشغل الناس عن الحديث‏.‏

ولما علم ابن سلول أن كلامه وصل للنبي، جاء إلى الرسول يحلف كذباً أنه ما قال، ولا تكلمت به،وراحوا يكذبون الغلام الذي نقل الكلام.

فأصيب الغلام زيد بهَمٌّ وجلس في بيته حتى أرسل له رسول الله وقال له:  ‏(‏إن الله قد صدقك‏) فقد فضح الله كذب ابن سلول في سورة المنافقين.

وكان رئيس المنافقين له ابن من خيار الصحابة هو عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، تبرأ من أبيه حين سمع مقالته، ووقف له بسيفه على باب المدينة.

ومنعه الإبن أبيه من الدخول حتى يأذن رسول الله، وأذن له النبي، وكان هذا الابن قد قال للنبي‏:‏ يا رسول الله، إن أردت قتله فمرني بذلك، فأنا والله أحمل إليك رأسه‏.‏

 

حديث الإفك‏‏

كانت زوجة النبي عائشة بصبحة النبي في هذه الغزوة، وأثناء العودة من الغزوة، فقدت عائشة عقداً فخرجت تبحث عنه، ولما رجعت فوجئت بالمسلمين قد ارتحلوا وتركوها.

فحينما جاء نفر من المسلمين لحمل هودج عائشة، ظنوا أنها بداخله رغم أن الهودج كان خفيفاً، ولم ينكروا ذلك لأن عائشة كانت صغيرة في ذاك الوقت.

انتظرت عائشة في المكان ظناً أنهم سيعودون حينما يكتشفون فقدانها، وغلبتها عيناها فنامت، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المُعَطَّل‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟

كان صفوان يعرف عائشة، فاسترجع وأناخ راحلته، فقربها إليها، فركبتها، وما كلمها كلمة واحدة، ولم تسمع منه إلا استرجاعه، ثم سار بها يقودها، حتى وصل للجيش في نحر الظهيرة.

وجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفساً، فجعل يستحكي الإفك، ويستوشيه، ويشيعه، ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه.

فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله ساكت لايتكلم، ثم استشار أصحابه في فراقها، فأشار البعض بالمفارقة وأشار البعض بالإمساك وعدم الالتفات إلى كلام الأعداء‏.‏

ودب الخلاف بسبب ابن أبي بين أسيد بن حضير سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج، فجري بينهما كلام تثاور له الحيان، فخفضهم رسول الله حتى سكتوا وسكت‏.‏

أما عائشة لما رجعت مرضت شهراً، وهي لا تعلم عن حديث الإفك شيئاً، حتى علمت متأخراً صدفة، حينما خرجت مع أم مِسْطَح لقاضاء الحاجة، فتعثرت أم مسطح في مِرْطِها، فدعت على ابنها.

فاستنكرت عائشة دعاء أم مسطح على ابنها، وكان ابنها ممن شارك في حديث الإفك، فأخبرتها الخبر، فرجعت عائشة واستأذنت رسول الله أن تذهب لبيت أبويها وتستيقن الخبر.

فلما عرفت جلية الأمر، جعلت تبكي، فبكت ليلتين ويوماً، لم تكن تكتحل بنوم، ولا يرقأ لها دمع، حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها.

جاء رسول الله إليها، فتشهد وقال‏:‏ ‏(‏أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله تاب الله عليه‏)‏‏.‏

وحينئذ قَلَص دمعها، وقالت لكل من أبويها أن يجيبا، فلم يدريا ما يقولان‏.‏ فقالت‏:‏

والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم‏:‏ إني بريئة ـ والله يعلم أني بريئة ـ لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر ـ والله يعلم أني منه بريئة ـ لتُصَدِّقنِّي، والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف، قال‏:‏ ‏{‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ‏}‏ .‏

ثم تحولت واضطجعت، ونزل الوحي ساعته، فَسُرِّي عن رسول الله وهو يضحك‏،‏ فكانت أول كلمة تكلم بها‏:‏ ‏(‏يا عائشة، أما الله فقد برأك‏).

فقالت لها أمها‏:‏ قومي إليه‏.‏‏.‏ فقالت عائشة ـ إدلالاً ببراءة ساحتها، وثقة بمحبة رسول اللهـ والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله‏.‏

وجُلِد من أهل الإفك مِسْطَح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحَمْنَة بنت جحش، ولم يُحَدّ الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك، إما لأن الحدود تخفيف لأهلها، وإما للمصلحة‏.‏

وهكذا وبعد شهر أقشعت سحابة الشك والارتياب والقلق والاضطراب عن جو المدينة، وافتضح رأس المنافقين افتضاحاً لم يستطع أن يرفع رأسه بعد ذلك.

قال ابن إسحاق‏:‏ وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه،‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر‏:‏

‏(‏كيف ترى يا عمر‏؟‏ أما والله لوقتلته يوم قلت لي‏:‏ اقتله، لأرعدت له آنف، ولو أمرتها اليوم بقتله لقتلته‏)‏‏.‏

قال عمر‏:‏ قد والله علمتُ، لأمْر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري‏.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.