الثلاثاء , أغسطس 9 2022

مكاتبة الملوك والأمراء | الرحيق المختوم

إن صلح الحديبية كان بداية طور جديد في حياة الإسلام والمسلمين، فقد انكسر جناح قريش وانسحبت عن ميدان الحرب، وتفرغ النبي لأمرين، نشر الدعوة الإسلامية و مكاتبة الملوك والأمراء ، والقضاء على وكر اليهود (خيبر) الذي يدبر المكائد بالمسلمين.

الرحيق المختوم

مكاتبة الملوك والأمراء

في أواخر سنة 6 هـ حين رجع النبي من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام‏ واتخذ لنفسه خاتماً ليختم به الكتب، واتخذ .‏

واختار ذوي الخبرة من أصحابه رسلاً، وأرسلهم إلى الملوك في 1 محرم 7 هـ (وقيل قبل ذلك)، أي قبل الخروج إلى خيبر بأيام.

 

إلى النجاشي ملك الحبشة‏:‏

‏نص الكتاب:

‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏

هذا كتاب من محمد رسول الله إلى النجاشي، الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدي، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمدًا عبده ورسوله.

وأدعوك بدعاية الإسلام، فإني أنا رسوله فأسلم تسلم.

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏

فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك‏‏.‏

وقيل أن هذا الخطاب لم يكن بعد الحديبية، كما قيل أن الخطاب بنص آخر.

ولما بلغ النجاشي أخذه، ووضعه على عينه، ونزل عن سريره على الأرض، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وحين توفي النجاشي في رجب 9 هـ، نعاه النبي وصلي عليه صلاة الغائب.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد طلب من النجاشي أن يرسل جعفراً ومن معه من مهاجري الحبشة، فأرسلهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري، فقدم بهم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر‏.‏

 

إلى المقوقس ملك مصر‏:‏

‏نص الكتاب:

(‏بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبــط.

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏‏)‏

فقال المقوقس‏:‏ إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه‏.‏ ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوي، وسأنظر‏.‏

وأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فجعله في حُقِّ من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتباً له يكتب بالعربية، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد‏:‏

فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت بغلة لتركبها، والسلام عليك‏)‏‏.‏

ولم يزد على هذا ولم يسلم، والجاريتان مارية، وسيرين، واتخذ النبي مارية سرية له، وهي التي ولدت له إبراهيم‏.‏ وأما سيرين فأعطاها لحسان بن ثابت‏.‏

 

إلى كسرى ملك فارس‏:‏

‏نص الكتاب:

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏

من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فـارس، سـلام على من اتبع الهدي، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.

وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك‏)‏‏.‏

فلما قرئ الكتاب على كسرى مزقه، وقال في غطرسة‏:‏ عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي.

ولما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏مزق الله ملكه‏)‏، وقد كان كما قال، فقد كتب كسرى إلى بَاذَان عامله على اليمن‏:‏ ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به‏.‏

فبعث باذان رجلين بكتاب إلى النبي يأمره أن ينصرف معهما إلى كسري، فلما قدما المدينة، وقابلا النبي وتوعداه.

وفي ذلك الوقت قام شيرويه بن كسرى على أبيه فقتله، وأخذ الملك لنفسه، وعلم النبي الخبر من الوحي، فأخبرهما بذلك‏.‏

فقالا‏:‏ أفنكتب هذا عنك، ونخبره الملك‏؟

قال‏:‏ ‏(‏نعم أخبراه ذلك عني، وقولا له‏:‏ إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى ‏!‏ وينتهي إلى منتهي الخف والحافر، وقولا له‏:‏ إن أسلمت أعطيتك ما تحت يدك، وملكتك على قومك من الأبناء‏).

فخرجا من عنده حتى قدما على باذان فأخبراه الخبر، وبعد قليل جاء كتاب بقتل شيرويه لأبيه، وقال له شيرويه في كتابه‏:‏ انظر الرجل الذي كان كتب فيه أبي إليك، فلا تهجه حتى يأتيك أمري‏.‏

وكان ذلك سبباً في إسلام باذان ومن معه من أهل فارس باليمن‏.‏

 

إلى قيصر ملك الروم‏:‏

‏نص الكتاب:

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏

من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدي، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين.

‏{‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏‏)‏ ‏[‏آل عمران‏:‏64‏]‏‏.‏

واختار لحمل هذا الكتاب دَحْيَة بن خليفة الكلبي، فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط، لكنه أجاز دحية حامل كتاب الرسول بمال وكسوة.

ويروي أبو سفيان أنه حينما كان بتجارة في الشام، دعاه هرقل ليسأله عن نبأ النبي محمد، فقال‏:‏ أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي‏؟‏

قال أبو سفيان‏:‏ أنا أقربهم نسباً

فقال‏:‏ كيف نسبه فيكم‏؟‏

قال:‏ هو فينا ذو نسب

قال‏:‏ فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله‏؟‏

قال:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ فهل كان من آبائه من ملك‏؟‏

قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم‏؟‏

قال‏:‏ بل ضعفاؤهم‏.‏

قال‏:‏ أيزيدون أم ينقصون‏؟‏

قال:‏ بل يزيدون‏.‏

قال‏:‏ فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟

قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال‏؟‏

قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ فهل يغدر‏؟‏

قال‏:‏ لا‏، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها

قال‏:‏ فهل قاتلتموه‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فكيف كان قتالكم إياه‏؟‏

قال‏:‏ الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه‏.‏

قال‏:‏ ماذا يأمركم‏؟‏

قال‏:‏ يقول‏:‏ ‏(‏اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم‏)‏، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة‏.‏

فقال: فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه‏.‏

 

ولما خرج رسول رسول الله دَحْيَة بن خليفة الكلبي من عند هرقل بالمال والكسوة، قطع طريقه ناس من جُذَام، فلم يتركوا معه شيئاً.

فشن النبي غارة على جذام، فقتل فيهم قتلاً ذريعاً، واستاق نَعَمهم ونساءهم، لكنه ردها لهم بعدما قبل احتجاج أحد زعماء القبيلة الذي أسلم وجماعة من قومه ونصروا دحية حينما قطع عليه الطريق‏.‏

 

إلى المنذر بن سَاوِي‏:‏

وكتب النبي إلى المنذر بن ساوي حاكم البحرين كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام، وبعث إليه العلاء بن الحضرمي بذلك الكتاب، فكتب المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏[‏أما بعد، يا رسول الله، فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلى في ذلك أمرك‏]‏‏.‏

فكتب إليه النبي‏:‏

‏(‏…… وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب، فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلم نعزلك عن عملك‏.‏ ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية‏)‏‏.‏

 

إلى هَوْذَة بن على صاحب اليمامة‏:‏

نص الكتاب:

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهي الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك‏)‏‏.‏

فرد عليه رداً دون رد، وكتب إلى النبي‏:‏ ‏[‏ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك‏)‏، وأجاز رسوله بجائزة، وكساه أثواباً من نسج هجر‏.‏

فقال النبي‏:‏ ‏(‏لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت، باد، وباد ما في يديه‏)‏‏.‏

 

إلى الحارث صاحب دمشق‏:‏

نص الكتاب:

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله وصدق، وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقي لك ملكك‏)‏‏.‏

 

فلما بلغ الكتاب الحارث رمي به، ولم يسلم وعزم على حرب النبي، لكن قيصر منعه، فأجاز الحارث حامل الكتاب بالكسوة والنفقة، ورده بالحسني‏.‏

 

إلى ملك عُمَان‏:‏

نص الكتاب:

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، سلام على من اتبع الهدي، أما بعد‏:‏

فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين.

فإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما ‏[‏أن تقرا بالإسلام‏]‏ فإن ملككما زائل، وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما‏)‏‏.‏

واختار لحمل هذا الكتاب عمرو بن العاص، فأجاباه إلى الإسلام، وصدقا النبي.

 

وبهذه الكتب كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أبلغ دعوته إلى أكثر ملوك الأرض، فمنهم من آمن به ومنهم من كـفر، ولكن شغل فكره هؤلاء الكافرين، وعرف لديهم باسمه ودينه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.