الجمعة , سبتمبر 17 2021

قصة الإمام البخاري (1) النشأة

نتناول في هذه المقالة قصة الإمام البخاري النشأة، وتحوي مولده ونشأته.

هو عالم رباني، ورائد موسعي، هو نابغة الزمان وإمام الحديث النبوي الصحيح، قلما أخرجت الدنيا مثله، فقد أوتي الحفظ والفهم، والهمة والأدب، خُلد ذكره الي آخر الزمان.

قصته منذ نعومة أظافره ملهمة لكل الأجيال، عاش حياته بين ورقة وقلم، وسيف وحصان، وصلاة وقرآن، وحديث وفقه.

عاش رحالاً يجوب البلاد باحثاً وطالباً للعلم حتى حقق مشروعه الكبير الذي وهب له حياته.

إنه محمد بن إسماعيل البخاري صاحب أشهر وأدق كتب الحديث النبوي، كتاب الجامع الصحيح والمشهور بصحيح البخاري.

قد يهمك:

قصة الإمام البخاري النشأة

*مولده:

وُلد محمد يوم الجمعة 13 شوال 194هـ في مدينة بخاري الواقعة حالياً بجمهورية أوزبكستان، والتي فتحها المسلمون عام 86هـ بعدما كانت تحت الصين حينها.

وكان والداه صالحين، فأبوه إسماعيل عُرف بالتقوى والصلاح، وهو من رواة الحديث الثقات الذين تتلمذوا علي يد الإمام مالك، وقد سمى مولوده محمداً تيمناً بالنبي صلى الله عليه وسلم وراجياً أن يقتفي أثره.

 *وفاة والده:

بينما محمد لا يزال طفلاً، مرض والده مرض الموت، وقد ترك لأهله علماً وصلاحاً ومالاً كثيراً مباركاً، فقد قال لمن حوله قبل وفاته: لا أعلم من مالي درهاً من حرام ولا درهماً من شبهة.

ومات الأب إسماعيل وترك ولدين الأكبر أحمد في مقتبل عمر الشباب، والأصغر محمد في عمر الطفولة، وترك زوجة صالحة هي أم الولدين وقد عزمت على استكمال تربية ولديهما على الصلاح والعلم والعمل.

*الي الكُتَّاب:

كانت الأم الصالحة تدرك أن منبع التربية الصالحة يبدأ من الكُتاب الذي يُعلم القرآن ويُدرس الحديث.

وجهت الأم ابنها محمد الي الكتاب، فارتبط منذ نعومة أظافره بالقرآن والحديث، وقد ساعد الكتاب على اكتشاف مواهب ومهارات الطفل والتي أظهرت نبوغاً منقطع النظير في سرعة الحفظ والفهم وحضور الذهن.

كانت مدينة بخاري تسمى مدينة العلم (كلمة بخار أي العلم) وقد سميت بهذا الاسم لكثرة علمائها أمثال البخاري وابن سينا وغيرهم، وهكذا تميزت نشأة الطفل محمد في أسرة صالحة، وكُتاب للقرآن والحديث، وفي مدينة تشجع وتعلي في العلم.

وراح محمد يحرص على القرآن والحديث، ويكتب ويدون، وكان محمد الأول بين أقرانه، والجميع يشهد بنبوغه وتفرده بين أقرانه.

قصة الإمام البخاري النشأة

*مرض ورؤية:

أصيب الطفل محمد بمرض أفقده بصره وهو لا يزال صغيراً، فجمع بذلك مرارة اليتم وقسوة العمى.

واغتم جميع أفراد الأسرة، ففقدان البصر يحرمه من تحقيق الطموح المرجو، والأم تبكي وتتضرع الي الله بالدعاء لصغيرها، والأخ الأكبر يمتلكه الحزن على أخيه ويحاول أن يواسيه ويخفف عنه.

ورغم هذه المصيبة وهذا الابتلاء حرص الجميع على أن يواصل محمد تعليم القرآن معتمداً على السماع لعجزه عن التدوين والكتابة.

وظل الأمر على هذا الحال لفترة من الزمن، ومحمد يحاول ويثابر ويكتسب مهارة جديدة في الحفظ السريع اعتماداً على السماع، بينما الأم تبكي صغيرها ولا يجف دمعها ولا يصمت لسانها من رجاءٍ في الله.

وذات يوم رأت الأم رؤيا عجيبة في منامها، رأت كأن خليل الله إبراهيم عليه السلام قد جاءها في المنام وقال لها: يا هذه، قد رد الله على ابنك بصره بكثرة بكائك ودعائك له.

فلما أصبحوا كانت المفاجأة أن رد الله لمحمد بصره وعاد معافيً كما كان، وكانت فرحة عارمة، وحمداً كثيراً لله صاحب الفضل والمنة.

لقد كشفت هذه الحادثة وهذه الرؤيا عن عناية الله بهذا الطفل وعن صلاح تلك الأسرة التي نشأ فيها محمد.

لوحظ علي محمد علامات النبوغ المبكر والتفوق على أقرانه، وقد رزقه الله قدرة فائقة على الحفظ والفهم السريع سواء بالقراءة أو بالسماع، فكان يحفظ من مجرد القراءة مرة واحدة.

وتميز هذا الطفل النابغة منذ نعومة أظافره بالهمة والعزم، والحرص علي العلم ومجالسة العلماء وبذل الجهد البحثي دون كلل أو ملل.

ولقد كان ارتباط محمد بالله والنشأة الصالحة على عبادة الله من أكبر علامات التوفيق والعون الإلهي.

ولما بلغ محمد سن العاشرة أتم حفظ القرآن الكريم كاملاً عن ظهر قلب وبذلك حقق الإنجاز الأول.

كما تمكن محمد من حفظ الكثير من أحاديث النبي صلي الله عليه وسلم حفظاً بالنص وبسند الرواية حفظاً مذهلاً رغم صغر سنه.

إن حب محمد للعلم قد تمكن من نفسه مما دفعه لحضور مجالس كبار العلماء والفقهاء والمشايخ في بلدته بخاري.

كان محمد يدخل على المجلس صامتاً يستحي أن يلقي السلام عليهم لصغر سنه بينهم.

سأله أحد العلماء يوماً: كم حديثاً كتبت في مجلسنا اليوم؟

فقال محمد: اثنين.

فضحك القوم استصغاراً له ولما كتبه.

فقال أحدهم: لا تضحكوا فلعله يضحك منكم يوماً.

سمع محمد هذا الكلام فحفزه وألهب حماسته للمزيد من الجهد، وراح يستزيد من حفظ الأحاديث النبوية.

لقد بلغت عزيمة محمد أن بلغ متوسط حفظه اليومي نحو 40 حديثاً شاملاً الرواة وبعضاً من سيرتهم الذاتية.

*في سن البلوغ:

لما بلغ محمد سن العاشرة من عمره كان حصيلته من حفظ الأحاديث قد وصلت إلى 70 ألف حديث.

لقد أصبح محمد معجزة وسط جيله، وأصبح مثار إعجاب وتعجب العلماء والفقهاء والمحدثين الذين عرفوا أو سمعوا عنه.

لقد تفوق محمد علي بعض أساتذته ومنهم أستاذه محمد بن سلام البيكندي، فقد كان هذا العالم يحفظ 5 آلاف حديث بينما تلميذه 70 ألف حديث.

تعجب العالم مما سمع فخرج مسرعاً ليلحق بهذا الصبي (محمد) فاستوقفه وقال له: أنت الذي تقول أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟

قال: نعم وأكثر منه، ولا أجيئك بحديث من الصحابة أو التابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثاً من حديث أو التابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظه حفظاً عن كتاب الله وسنه رسول الله صلي الله عليه وسلم.

لقد بلغت ثقة محمد بن سلام إلي تلميذه محمد مبلغاً جعله يطلب منه أن يراجع الأحاديث التي كتبها في كتبه: فقال للبخاري: انظر في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فأضرب عليه حتى لا أرويه.

ففعل البخاري ذلك، فأصبح أستاذه محمد بن سلام لا يروي إلا ما اعتمده البخاري، واعتبر الأحاديث التي لم يرض عنها البخاري أحاديث ضعيفة.

تعجب بعض أصحاب محمد فسألوه: من هذا الفتي؟

فقال: هو الذي ليس مثله أحد.. محمد بن إسماعيل البخاري.

*إلي إسحاق بن راهويه:

لما بلغ البخاري السادسة عشر من عمره، حفظ كتب ابن المبارك، ووكيع (أستاذ الإمام الشافعي)، وراح يحضر مجالس العلماء والفقهاء في المدن المحيطة ببلدته بخاري.

ذهب البخاري الي مدينة نيسابور ليتتلمذ علي يد أحد أئمة هذا العصر في الحفظ والفتوي، إنه العالم الحافظ إسحاق بن راهويه، هذا العالم الذي يحفظ 70 ألف حديث نبوي، وكان رفيقاً للإمام أحمد بن حنبل.

إسحاق بن راهويه عالم من أعلام الدين اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد، رحل الي العراق والحجاز واليمن والشام واستقر في نيسابور.
لقب الإمام أحمد بن حنبل بأمير المؤمنين في الحديث.

عاود البخاري الذهاب لمجلس ابن راهويه واستمع منه الحديث، وقد لاحظ الأستاذ نبوغ تلميذه محمد وأحبه كثيراً ووثق في علمه وقدرته.

سأل إسحاق تلاميذه سؤالاً فقهياً فأجاب البخاري إجابة أعجبت ابن راهويه فمدحته قائلاً: قويني قواك الله.

لقد اعتبر إجابة البخاري بمثابة إضافة علمية له حتى كان يفتي بإجابة البخاري.

وذات يوم وبينما إسحاق يقرأ الحديث على تلاميذه إذ قطع قراءته ليسأل البخاري عن أحد الرواة المذكورين في الحديث، فأجاب البخاري وذكر موطنه وقصته وعدد الأحاديث التي نقلها عن أحد الصحابة.

فقال إسحاق وهو معجب: كأنك قد شهدت القوم.

قصة الإمام البخاري النشأة

*مشكلة الحديث النبوي:

كانت الأمة الإسلامية تعاني في هذا التوقيت من مشكلة تتعلق بالحديث النبوي، فقد كان الناس يجدون صعوبة في تمييز الحديث النبوي الصحيح الموثوق عن النبي من الحديث الضعيف فضلاً عن الحديث الموضوع المكذوب علي النبي صلي الله عليه وسلم.

*أسباب هذه المشكلة:

1- كان النبي صلي الله عليه وسلم ينهى في أول أمره عن كتابة حديثه لئلا يختلط على الناس مع القرآن الكريم، ثم في فترة تالية أذن لبعض الصحابة بكتابة الحديث.

2- اعتمد الصحابة والتابعون علي نقل حديث النبي صلى الله عليه وسلم بالرواية الشفوية وليس بالكتابة، ثم تفرق الرواة في الأمصار.

3- ولما بدأ عصر التدوين والكتابة في القرن الثاني الهجري شرع الناس في تدوين الأحاديث وتبويبها، وكتب علماء ومحدثون كُتباً لكنها لم تكن على درجه واحدة من الصحة ففيها الصحيح وفيها الضعيف.

وإسحاق بن راهويه هو أحد الحفاظ الذين كتبوا الحديث وبذل ما بذل في جمعه.

قال إسحاق لطلابه وفيهم البخاري: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة النبي صلي الله عليه وسلم؟

هكذا طرح الأستاذ مشروعاً على طلابه لمن يستطع أن يكتب هذا الكتاب، وهو أمر يحتاجه الأمة.

إن هذا الإقتراح الذي طلبه إسحاق من طلابه لم يكن طلباً سهلاً، فعملية انتقاء الأحاديث الصحيحة من بين هذا الكم المتداول من الأحاديث هي عملية شاقة وشديدة الصعوبة.

*أسباب صعوبة استخلاص الصحيح:

1- لأنها تتطلب قدرة هائلة على الحفظ والتدوين وقدرة على استرجاع الحفظ.

2- لأنها تتطلب معرفة السير الذاتية لكل راوٍ من سلسلة رواة الحديث الواحد، ومعرفة مدى صدق الراوي ومدى ضبطه، وقدرته على الحفظ والنقل، ومدي علاقته بمن روى عنه، وهل التقاه أم لا.

3- لأنها تتطلب السفر والترحال لبلاد المسلمين لسماع الأحاديث من أصحابها وتتبع رواتها.

4- لأنها تتطلب عملية دراسة وتحليل ونقد، وعقد المقارنات وانتقاء الصحيح، وبيان سبب الضعف إن كان ضعيفاً.

5- لأنها تتطلب مالاً كثيراً وتفرغاً للمهمة ووقتاً طويلاً.

*مشروع البخاري:

لما سمع البخاري من أستاذه إسحاق هذه الأمنية التي يتم فيها جمع كتاب مختصر يضم صحيح سنه النبي صلي الله عليه وسلم، قرر البخاري وعزم أن يقوم هو بهذه المهمة الشاقة.

يقول البخاري: فوقع ذلك في قلبي وعقدت العزم على تحقيق ما تمناه الشيخ.

ولقد رأي البخاري رؤية في منامه، لقد رأي النبي صلي الله عليه وسلم وكأنه واقف بين يديه وبيده مروحة يذب بها عنه (أي يبعد الأذى عنه).

سأل البخاري بعض المعبرين فقيل له: أنت تذب عنه الكذب. (أي أنك تبعد عن النبي صلي الله عليه وسلم ما هو مكذوب عليه من الحديث).

وبهذه البشري اكتمل عزم البخاري علي الإنطلاق والشروع في تنفيذ مشروع عمره وهو انتقاء وجمع كتاب مختصر عن صحيح سنة النبي صلي الله عليه وسلم.

وهكذا بدأ محمد وعمره 16 عاماً هذا المشروع والذي كلفه الترحال الي البلاد، وإنفاق المال الكثير، والنشاط الدائم على مدار الليل والنهار، حتى استغرق هذا المشروع 16 عاماً حتى اكتمل.

وسنتناول قصة نجاح البخاري ومكانته التي وصل إليها في الجزء الثاني.

قصة الإمام البخاري النشأة

*عوامل نبوغ البخاري:

1- صلاح البخاري وحسن ارتباطه بالله والاستعانة به، وقد أحسن البخاري شكر الله “ولئن شكرتم لأزيدنكم”.

2- البيئة المحفزة: فالأسرة والكتَّاب وأهل بخاري والأساتذة شجعوا وألهبوا حماسة البخاري.

3- الرؤيا الصالحة: كرؤية والدته لإبراهيم عليه السلام، ورؤيته للنبي صلي الله عليه وسلم وهذه الرؤى كرامات وبشريات يمنحها الله لمن أحب الله ورسوله وانشغل بهما.

4- الهمة والعزيمة: اتصف البخاري بهمة عالية وعزم كبير، وتحدي على الإقدام في مشروعه مواجهاً للعقبات التي تعترضه، وهذا يتطلب جد ومثابره ومواصلة الليل والنهار والتعالي على سفاسف الأمور.

5- التوظيف الأمثل: كان البخاري متميزاً في مجال الحفظ والفهم والبحث العلمي، فوجه طاقته التوجيه الأمثل في الموهبة التي يمتلكها.

6- تحديد المشروع: فقد كان للبخاري مشروعاً محدداً، وكانت الأمة بحاجة إليه، ولم يقم بهذا المشروع أحد قبله، وقد استوعب البخاري حجم المشروع ومتطلباته وعقباته.

7- العلم من مصدره: حرص البخاري علي تلقي العلم من مصدره من العلماء المتخصصين في علمهم، وهكذا ينبغي للمبدع أن يتلقى العلم من المتخصصين المحترفين.

8- اغتنام الوقت: فقد اغتنم البخاري مرحلة الطفولة ومرحلة المراهقة أو الصبا وهي مراحل تتميز بقدرات نفسية وعقلية مميزة، فاغتنمها البخاري في معالي الأمور وترك سفاسفها وآثر الجهد على اللعب، ولم يهدر شبابه.

فيلم محمد اسماعيل بخاري كرتون

تعليق واحد

  1. ما شاء الله
    استمروا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.