الجمعة , سبتمبر 17 2021

قصة الإمام البخاري (2) رحلات ومؤلفات

نتناول في هذه المقالة قصة الإمام البخاري رحلات ومؤلفات، وتحوي تحقيق أهدافه.

عزم محمد بن إسماعيل البخاري علي المضي لتحقيق هدفه الكبير، وبدأ السفر والترحال لجمع العلم واستخلاص الصحيح.

وكان البخاري من أسرة غنية فقد ترك له والده مالاً كثيراً، وقد كان البخاري ينفق من هذا المال على طلب العلم، وكان يستثمر المال من أجل المضاربة، فيعطيه للآخرين لكي يتاجروا به مقابل نسبة من الأرباح، فكان ينفق من هذه الأرباح، وقد بلغ حجم انفاقه الشهري علي طلب العلم 500 درهم.

قد يهمك:

قصة الإمام البخاري رحلات ومؤلفات

*إلي مكة:

سافر محمد وعمره 16 عاماً إلى مكة ومعه أمه وأخيه لأداء فريضة الحج، ثم عادت أسرته فيما بقي محمد ليجالس علماء مكة ويدرس مع فقهائها.

وهكذا كانت أولي رحلات محمد لطلب العلم الي مكة أرض الحرم ومهبط الوحي، وقد كثف جهوده في الحفظ والتدوين وجمع الأخبار عن الرواة.

وقد مكث في مكة نحو عام.

*إلي الشام:

سافر محمد إلى الشام وعمره 17 عاماً ليكمل مسيرة جمع الأحاديث الصحيحة، وفي بلاد الشام بدأ محمد يتعلم ويُعلم في آن واحد، فكان تارة تلميذاً متعلماً وتارة معلماً ينقل للناس ما يمليه عليهم.

وقد مكث محمد في الشام نحو عام.

*إلي المدينة المنورة:

سافر محمد إلي المدينة المنورة وعمره 18 عاماً، وقد استطاع خلال فترة مكثه فيها أن يصنف كتابين:

  1. كتاب قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم.
  2. كتاب التاريخ.

 كتاب التاريخ:

يقول البخاري: فلما بلغت ثماني عشرة سنة وصنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين، أخذت في تصنيف كتاب التاريخ بين قبر النبي صلي الله عليه وسلم ومنبره (أي في الروضة الشريفة)، وكنت أكتبه في الليالي المقمرة، وقَل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب.

وكتاب التاريخ للبخاري يشمل 40 ألف ترجمة لأربعين ألف شخصية، والترجمة تتضمن حياة شخص ومصادر تلقيه العلم ومستوي ضبطه ودقته ومدي الثقة في روايته.

وكان البخاري حريصاً على أن يصلي ركعتين قبل الشروع في كتابة ترجمة شخص.

وبهذين الكتابين بدأ اسم البخاري يتردد في الآفاق، وتحدث عنه العلماء والفقهاء في الأمصار، فقد كان لافتاً أن يكتب شاب عمره 18 عام كتاباً موسوعياً فيه هذا الكم من الترجمات.

*إلي البصرة:

سافر محمد الي البصرة وعمره 19 عاماً، وكانت البصرة مدينة علمية وجامعة عالمية وكانت هي المحطة الرابعة في رحلة البخاري العلمية وقد مكث فيها 5 سنوات.

ولما استقر بالبصرة صار محمد الي مجلس الإمام الحافظ محمد بن بشار بن كيسان الذي جمع حديث البصرة، وهو إمام في العلم والأخبار.

ولما انتهي بن كيسان من حديثه وقع نظره على الوافد الجديد محمد فسأله: من أين يا فتي؟

فقال محمد: من أهل بخاري.

فقال بن كيسان: كيف تركت أبا عبد الله؟ (يقصد البخاري)

فسكت البخاري، فقال بعضهم لابن كيسان: رحمك الله هو أبو عبد الله البخاري.

كانت مفاجأة سارة لابن كيسان، فأخذ بيده وعانقه وقال: مرحباً بمن أفتخر به منذ سنين.

كان محمد يذهب إلي مشايخ البصرة ومحدثيها ويجمع ما لديهم من صحاح الحديث، ولم يكن البخاري يدون إلا ما يحتاج لتدوينه.

وقد لاحظ اثنان من زملاء محمد أنه لا يكتب ما يمليه الشيخ عليهم خلافاً لزملائه الذين يدونون كل ما يمليه الشيخ.

وقد سألا البخاري أكثر من مرة عن سبب ذلك فقالا: إنك تختلف (تذهب) معنا وما تكتب معنا، فما تصنع؟

فقال البخاري: إنكما قد أكثرتما عليَّ وألححتما، فأرضا (اقرآ) عليَّ ما كتبتما.

فلما قرأ ما معهما، زاد البخاري عليه 15 ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب، ثم قال: أترون أني أختلف هدراً وأضيع أيامي؟!

كانت إجابته مدهشة، وفلسفته في الحياة مبهرة، لقد أدرك زملاؤه مدي تفوقه وجدّيّته، وعلموا أنه الأول بينهم، ومن المستحيل أن يسبقه أحد.

فلما أدركوا قدره وقيمته أصبحوا يراجعون ما كتبوه على حفظ محمد.

وقد ارتفعت مكانة البخاري وعلا شأنه وذاع صيته، فكان إذا دخل مسجد البصرة الكبير ينادي منادٍ: قد حضر محمد بن إسماعيل البخاري، فيجتمع الناس حوله بالآلاف ليسمعوا منه.

أقام البخاري في البصرة خمسة سنوات، قضاها في مجالسة أهل العلم، وفي تصنيف كتبه وكان يحج كل عام الي مكة ثم يعود الي البصرة.

ولما حان الرحيل من البصرة، ودّعه شيخه محمد بن بشار بن كيسان قائلاً: يا أبا عبد الله، موعدنا الحشر أن لا نلتقي بعد.

كيف تقوّي الحفظ؟:

كانت قدرات البخاري في الحفظ والفهم لافتة للأنظار، وقد سأله خادمه يوماً: هل من دواء يشربه الرجل فينتفع به الحفظ؟

قال البخاري: لا أعلم. ثم أقبل عليه وقال: لا أعلم شيئاً أنفع للحفظ من نهمة الرجل ومداومة النظر.

*إلي بغداد:

سافر البخاري الي بغداد وعمره 24 عاماً ومكث بها 5 سنوات، وخلال هذه السنوات سافر إلي كافة علماء العراق في البصرة والكوفة وبغداد وتتلمذ على أيديهم ومن بين هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل في بغداد.

كان البخاري مجتهداً وحريصاً على وقته وكان نبوغه يسبق مسيره، وقد تعرض لبعض المواقف زادت من قدره ومكانته بين الناس.

الإختبار المدهش:

لما سمع أصحاب الحديث ببغداد بمقدم البخاري وما قيل عنه، اجتمعوا وقرروا أن يختبروه واتفقوا معه على موعد جماهيري أمام الناس ليثبت فيها قدرته العلمية ومدي حفظه للحديث.

وقبيل الموعد جهّز علماء بغداد مائة حديث وتعّمدوا قلب متونها (نص الحديث) وأساندها (سلسلة الرواة) بطريقة يصعب على من يسمعها تمييز ما فيها من خطأ وصواب.

ثم أعطوا هذه الأحاديث إلى 10 رجال، لكل واحد منهم 10 أحاديث ليلقوها علي البخاري.

وحان الموعد واحتشد الجمهور من بغداد ومن الغرباء من أهل خرسان وغيرها.

تقدم الرجل الأول وسأل البخاري عن الحديث الأول، فقال البخاري: لا أعرفه ثم اتبع ذلك بالحديث الثاني ثم الثالث حتى فرغ من العشرة والبخاري لا يزيد من قوله: لا أعرفه.

وتكرر الأمر مع بقية الرجال العشرة، والناس تظن من البخاري العجز وقلة العلم.

لما تأكد البخاري أنهم قد فرغوا من أحاديثهم المائة، التفت الي الرجل الأول وقال له: أما حديثك الأول فهو كذا (وسمع له الحديث الخاطئ) وهو خطأ وصوابه كذا، وأما الحديث الثاني فهو كذا وصوابه كذا.

وأكمل البخاري العشرة أحاديث بنفس الطريقة، ثم التفت الي الرجل الثاني، وفعل كما فعل مع الأول، وواصل مع بقية الرجال وعرض عليهم أحاديثهم المائة الخاطئة مع تصحيحها وبذات الترتيب.

انتاب الناس الذهول، لم يصدقوا ما تراه أعينهم من هذه القدرات الغير عادية في الحفظ.

يقول النووي: ليس العجب من تصويبه للخطأ، وإنما العجب من حفظه للخطأ على الترتيب ومن سماعه مرة واحدة!

لقد أكد البخاري بالدليل الساطع والبرهان القاطع على أنه إمام حافظ وشيخ ماهر، وشهد الجميع له وأقروا بفضله، فازداد التفاف الجمهور حوله للسماع منه حتى بلغ مجلسه 20 ألف رجل بين عالم وفقيه ودارس ومستمع، وجعلوا على المجلس منادياً يبلّغ كلام البخاري ويردده حتى يسمع كل الناس حديثه.

ثقة العلماء:

ازدادت ثقة العلماء في علم البخاري، وقد حدث ذات مرة أن جاءه بعض تلاميذ عمرو بن علي وهو من علماء بغداد ومحدثيها فسألوا البخاري عن حديث فقال: لا أعرفه.

ففرحوا وساروا الي أستاذهم يخبروه، وظنوا أنه سيفرح بذلك فقال لهم: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث.

لقد بلغت ثقة العلماء في البخاري مبلغاً عظيماً حتى إنهم ليخطّئون أنفسهم أمام علم البخاري.

 ورغم المكانة التي وصل إليها البخاري في بغداد، ورغم احتشاد الجمهور حوله كمعلم، إلا أنه قرر الرحيل لاستكمال مشروعه وتحقيق الهدف الذي وصل لأجله.

*إلي مصر:

سافر البخاري وعمره 29 عاماً إلي مصر مروراً بالشام والجزيرة والحجاز، وفي هذه الرحلة أنفق مالاً كثيراً.

وذات مرة تأخر وصول الأرباح التي ينفق منها، حتي بلغ به الأمر أنه لم يجد ما يشتري به طعاماً فجعل يأكل حشيش الأرض وظل علي ذلك يومين حتي جاء رجل لا يعرفه البخاري وذلك في اليوم الثالث وأعطي البخاري صرة فيها دنانير ثم انصرف.

كتاب صحيح البخاري:

بعدما أتم البخاري 32 عاماً من عمره، تمكن من إتمام مجهوده ومشروعه الكبير، فقد أكمل جمع صحيح السنة في كتاب سماه “صحيح الجامع” واشتهر باسم “صحيح البخاري”.

يقول البخاري كتبت عن 1080 نفساً ليس فيهم إلا صاحب حديث، ولم أكتب إلاّ عمن قال الإيمان قول وعمل، وكنت إذا كتبت عن رجل حديثاً سألته عن اسمه وكنته ونسبه وحمله الحديث، فإن كان الرجل فهماً أخذت منه الحديث، فإن لم يكن سألته أن يخرج إلي أصله ونسخته التي كتب الحديث فيها، وما أدخلت في هذا الكتاب الي ما صح، وتركت من الصحاح كي لا يطول الكتاب، وانتقيت أحاديث هذا الكتاب من ستمائة ألف حديث، وصنفته في ستة عشر عاماً وجعلته حجة فيما بيني وبين الله، فكنت أجمع الحديث وأدونه في الأمصار حتي إذا حطت بي الرحال إلي مكة المكرمة كتبت ما اخترته من صحاح الحديث في بيت الله الحرام، وما وضعت في هذا الكتاب حديثاً إلاّ اغتسلت قبل ذلك واستخرت الله تعالي وصليت ركعتين وتيقنت، وإنني أحفظ هذا الكتاب ولا يخفي عليّ جميع ما فيه.

ولما ألف البخاري هذا الكتاب عرضه علي الإمام أحمد بن حنبل ويحيي بن معين وعلي بن المديثي وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة، وتحفظوا علي أربعة أحاديث رأوا فيها عدم الصحة، إلا أن جميع العلماء  شهدوا بدقة وصحة وجمال هذا الكتاب.

يقول الإمام النسائي: ليس في كتب الحديث كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري.

وروي عن أبي زيد المروزي أنه قال: كنت نائماً بين الركن والمقام (في بيت الله الحرام) فرأيت النبي صلي الله عليه وسلم في المنام فقال لي: يا أبا زيد، إلي متي تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله، وما كتابك؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.

وقد حرص البخاري أن ينشر كتابه ويُسمع الناس أحاديثه ثم يجيزهم في روايته عنه، وقد سمع من صحيح البخاري 90 ألف شخص من شتي البلاد.  

قد يعجبك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.