الأربعاء , يونيو 12 2024

أعمى يقهر الأعذار

نقدم لكم فيما يلي قصة جديدة كتاب قصص ومواقف للكاتب أحمد السيد بعنوان أعمى يقهر الأعذار.

قد يهمك:

كتاب قصص ومواقف | أحمد السيد

أعمى يقهر الأعذار

خرج الرجل الأعمى بن أم مكتوم من بيته متوكئاً على عصاه، تتملكه خشية الله، يسرع الخطى نحو رسول الله ليستمع منه تذكرة وموعظة، لكن النبي كان مشغولاً بدعوة وفد من كبراء المشركين يضم زعماء قريش عُتبةَ وشيبةَ ابنا ربيعةَ، وأبا جهلٍ، والعباس طامعاً في إسلامهم فبإسلامهم سيسلم خلق كثير من وراءهم.

أعرض النبي عن ابن أم مكتوم وبدى على وجهه بعض العبوس لرغبته في مواصلة دعوة زعماء قريش.

نزل الوحي يعاتب النبي ويصحح موازين الاهتمام ويقارن بين الساعي إلى الله وهو يخشاه وبين المستغني عن الله، فأشادت الآيات بمسلك ابن أم مكتوم مع وجوب الاهتمام بأمثال هؤلاء، فيما ذمت الآيات مسلك ابنا ربيعة.

عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ.

وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم حين يلتقي ابن أم مكتوم يقول: أهلاً بمن عاتبني فيه الله.

ورغم أن عبد الله بن أم مكتوم من ذوي الأعذار المرفوع عنهم الحرج، إلا أن المتابع لسيرته يلحظ أن إيمانه وخشيته دفعته للعمل كما المبصرين وكان مثلاً لمن يقهرون الأعذار.

كان ابن أم مكتوم مع بلال هما اللذان توليا رفع الأذان وجمع الناس للصلاة.

وحينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج للغزو يولي عبد الله بن أم مكتوم إمارة المدينة وقيادة شئونها في غيابه، وتكرر ذلك نحو 15 مرة.

وفي عام 15هـ سعى ابن أم كلثوم متوكئاً على عصاه نحو سعد بن أبي وقاص قائد معركة القادسية ضد الفرس، وطلب منه أن يعطيه مهمة حمل الراية في المعركة وهي من أخطر المهام فهي الهدف الأول للعدو.

قال عبد الله لسعد: أقيموني بين الصفين وأعطوني الراية فإني أعمى لا أفر.

وبالفعل حمل الراية متمنياً الشهادة في سبيل الله فأكرمه الله ونالها.

وتظل صورة ابن أم مكتوم وهو كفيف ويمسك بعصاه وهو يسعى لوحة خالدة ونموذجاً رائداً لكل من يقهر الأعذار ويسرع الخطى نحو الله وهو يخشاه.

فوائد وعبر:

1- عتاب الله للنبي دليل على أن القرآن من عند الله.

2- رجل من ذوي الأعذار كابن أم مكتوم أفضل عند الله من ألف رجل من أمثال ابنا ربيعة حتى ولو كان ذو نفوذ سياسي أو مالي أو ذو مهارات وقدرات مميزة.

“وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا” نزلت في مثل ابن أم مكتوم.

3- أهمية الخشية والسعي إلى الله والاستماع إلى التذكرة (دروس ومواعظ ومجالس ذكر) فهي ترفع منزلة صاحبها عند الله.

4- ضرورة امتلاك الهمة العالية ومقاومة الكسل ومغالبة الأعذار، فعبد الله بن أم مكتوم كان أعمى لكنه كان مؤذناً ووالياً على المدينة وحاملاً للواء في القادسية وكان رديفاً لمصعب في سفارته للمدينة لدعوة أهلها إلى الإسلام قبل الهجرة، والعمى لم يمنعه من العمل والعلم والجهاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *