الهجرة النبوية إلى المدينة | الرحيق المختوم ج12

نتناول في هذه المادة أحداث الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة بدءاً من مقدمات الهجرة بعد نجاح بيعة العقبة، وهجرة المسلمين أرسالاً على مدار شهرين ونصف تقريباً حتى حان موعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

كما نتناول أحداث دار الندوة وإجماعهم على قتل النبي، كم نتابع أحداث عناية الله بنبيه وحفظه حين خرج من بيته أمام الكفار ومكث في غار ثور والتي انطلق منها حتى وصل إلى المدينة، ونجحت الهجرة النبوية، وهذه المادة مختصرة من كتاب الرحيق المختوم لصفي الدين المباركفوري.

 

طلائع الهجرة

بعد نجاح بيعة العقبة الثانية في تأسيس وطن للإسلام، أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن‏.‏

  1. كان من أول المهاجرين أبو سلمة، هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة، لما قرر الخروج، رفض أصهاره أن يصحب زوجته وابنه للهجرة، فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم، فقالوا‏:‏ لا نترك ابننا معها، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به‏.‏ وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة‏.‏ ثم لحقت به زوجته وابنه بعد ام من هجرته.
  2. وهاجر صُهَيْب بن سِنان الرومى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أراد الهجرة قال له كفار قريش‏:‏ أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك‏؟‏ والله لا يكون ذلك‏.‏ فقال لهم صهيب‏:‏ أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ فأني قد جعلت لكم مالى، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏[‏ربح صهيب، ربح صهيب‏]‏‏.‏
  3. وتواعد عمر بن الخطاب، وعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل موضعًا اسمه التَّنَاضُب فوق سَرِف يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدينة، فاجتمع عمر وعياش، وحبس عنهما هشام‏.‏ ولما قدما المدينة تبعهما أبو جهل وأخوه الحارث ليعيدا عياش، فالتقيا عياش وقالا له‏:‏ إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط، ولا تستظل بشمس حتى تراك، فَرَقَّ لها‏.‏ فحذره عمر أن القوم يريدون فتنته عن دينه، فرفض عياش تحذير عمر وخرج معهما، ولما عاد معهما، وفي الطريق عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة نهارًا موثقًا، وقالا‏:‏ يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا‏.‏

هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرة إذا علموا ذلك‏.‏ ولكن على رغم ذلك خرج الناس أرسالًا يتبع بعضهم بعضًا‏.‏ وبعد شهرين وبضعة أيام من بيعة العقبة الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلى ـ أقاما بأمره لهما ـ وإلا من احتبسه المشركون كرهًا، وقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج، وأعد أبو بكر جهازه‏.‏

قالت عائشة ‏:‏ وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏على رِسْلِك، فأني أرجو أن يؤذن لي‏]‏‏.‏ فقال له أبو بكر‏:‏ وهل ترجو ذلك بأبي أنت‏؟‏ قال‏:‏ ‏[‏نعم‏]‏، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمَر ـ وهو الخَبَطُ ـ أربعة أشهر‏.‏

 

في دار الندوة ‏[‏برلمان قريش‏]‏

ولما رأى المشركون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا، أصابتهم الكآبة والحزن، وساورهم القلق، فقد تجسد أمامهم خطر حقيقى عظيم، أخذ يهدد كيانهم الوثني والاقتصادي‏. ‏

فقد كانوا يعلمون ما في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم من قوة التأثير، وما في أصحابه من العزيمة والفداء، وما للأوس والخزرج من القوة والمنعة، وما للمدينة من موقع استراتيجي لتجارة أهل مكة.

وفي يوم الخميس 26 من شهر صفر سنة 14 من النبوة، عقد برلمان مكة ‏[‏دار الندوة‏]‏، وتوافد إلى هذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية؛ ليتدارسوا خطة القضاء على حامل لواء الدعوة الإسلامية.

ومن أبرز الوجوه في هذا الاجتماع أبو جهل بن هشام، وجبير بن مُطْعِم، وطُعَيْمَة بن عدى، والحارث بن عامر، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، والنَّضْر بن الحارث، وأبو البَخْتَرِى بن هشام، وزَمْعَة بن الأسود، وحَكِيم بن حِزَام، ونُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجاج، وأمية بن خَلَف‏.‏

واعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، ووقف على الباب، فقالوا‏:‏ من الشيخ‏؟‏ قال‏:‏ شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا‏.‏ قالوا‏:‏ أجل، فادخل، فدخل معهم‏.‏

 

الإجماع على قتل النبي صلى الله عليه وسلم

وبعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول، ودار النقاش طويلًا‏.‏ قال أبو الأسود‏:‏ نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولا نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت‏.‏

قال الشيخ النجدى‏:‏ لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى به‏؟‏ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حى من العرب، ثم يسير بهم إليكم ـ بعد أن يتابعوه ـ حتى يطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيًا غير هذا‏.‏

قال أبو البخترى‏:‏ احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله ـ زهيرًا والنابغة ـ ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم‏.‏

قال الشيخ النجدى‏:‏ لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه ـ كما تقولون ـ ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم، فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره‏.‏

قال أبو جهل‏:‏ والله إن لى فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد‏.‏ قالوا‏:‏ وما هو يا أبا الحكم‏؟‏ قال‏:‏ أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نَسِيبا وَسِيطًا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعَقْل، فعقلناه لهم‏.‏

قال الشيخ النجدى‏:‏ القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره‏.‏

 

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم

بين تدبير قريش وتدبير الله سبحانه وتعالى

نزل جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبين له خطة الرد على قريش فقال‏:‏ لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه‏.‏

وذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة ـ حين يستريح الناس في بيوتهم ـ إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة، قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر‏:‏ فداء له أبي وأمى، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر‏.‏

قالت‏:‏ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏، فاستأذن، فأذن له فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر‏:‏ ‏[‏أخرج مَنْ عندك‏]‏‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله ‏.‏ قال‏:‏ ‏[‏فأني قد أذن لى في الخروج‏]‏، فقال أبو بكر‏:‏ الصحبة بأبي أنت يا رسول الله ‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏نعم‏]‏‏.‏

ثم أبرم معه خطة الهجرة، ورجع إلى بيته ينتظر مجىء الليل‏.‏ وقد استمر في أعماله اليومية حسب المعتاد حتى لم يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة، أو لأي أمر آخر اتقاء مما قررته قريش‏.‏

 

تطويق منزل الرسول صلى الله عليه وسلم

أما أكابر مجرمي قريش فقضوا نهارهم في الإعداد سرا لتنفيذ الخطة صباحًا، واختير لذلك أحد عشر رئيسًا من هؤلاء الأكابر.

وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينام في أوائل الليل بعد صلاة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى المسجد الحرام، يصلي فيه قيام الليل، فأمر عليًا رضي الله عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتسجى ببرده الحضرمي الأخضر، وأخبره أنه لا يصيبه مكروه‏.‏

فلما كانت عتمة من الليل وساد الهدوء، ونام عامة الناس جاء مجرمو قريش إلى بيته صلى الله عليه وسلم سرًا، واجتمعوا على بابه يرصدونه، وهم يظنونه نائمًا حتى إذا قام وخرج وثبوا عليه ‏.‏

وقف أبو جهل وقفة الزهو والخيلاء، وقال مخاطبًا لأصحابه المطوقين في سخرية واستهزاء‏:‏ إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها‏.‏

وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل في وقت خروجه صلى الله عليه وسلم من البيت، فباتوا متيقظين ينتظرون ساعة الصفر‏‏.‏

 

الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر بيته

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت، واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رءوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏9‏]‏‏.‏ فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ومضى إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلًا حتى لحقا بغار ثَوْر في اتجاه اليمن‏.‏

وبقى المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبة والفشل، فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم، ورآهم ببابه فقال‏:‏ ما تنتظرون‏؟‏ قالوا‏:‏ محمدًا‏.‏ قال‏:‏ خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم، وذر على رءوسكم التراب، وانطلق لحاجته، قالوا‏:‏ والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم‏.‏

ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا عليًا، فقالوا‏:‏ والله إن هذا لمحمد نائمًا، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا‏.‏ وقام علىٌّ عن الفراش، فسقط في أيديهم، وسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ لا علم لي به‏.‏

 

من الدار إلى الغار

غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته إلى دار رفيقه أبي بكر رضي الله عنه‏.‏ ثم خرجا من باب خلفي؛ ليخرجا من مكة على عجل وقبل أن يطلع الفجر‏.‏

سلك النبي صلى الله عليه وسلم عكس طريق المدينة، فاتجه جنوب مكة نحو اليمن، وسار نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل ثَوْر وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة، وكان يمشى في الطريق على أطراف قدميه كى يخفي أثره فحفيت قدماه، حتى انتهي إلى غار في قمة الجبل عرف في التاريخ بغار ثور‏.‏

 

إذ هما في الغار

ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر‏:‏ والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبًا فشق إزاره وسدها به، وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏[‏ما لك يا أبا بكر‏؟‏‏]‏ قال‏:‏ لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب ما يجده‏.‏

وظل الرسول ورفيقه في الغار ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد‏.‏ وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما‏، ثم يصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، و‏كان‏ يرعى عليهما عامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر مِنْحَة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رِسْل ـ وهو لبن مِنْحَتِهما ورَضيفِهما ـ حتى يَنْعِق بها عامر بن فُهَيْرَة بغَلَس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالى الثلاث، وكان عامر بن فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليُعَفي عليه‏.‏

أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلات رسول الله صلى الله عليه وسلم صباح ليلة تنفيذ المؤامرة‏.‏ فأول ما فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليًا، وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما‏.‏

ولما لم يحصلوا من عليّ على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر وقرعوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا لها‏:‏ أين أبوك‏؟‏ قالت‏:‏ لا أدرى والله أين أبي‏؟‏ فـرفع أبو جهل يـده ـ وكان فاحشًا خبيثًا ـ فلطم خـدها لطمة طـرح منها قرطها‏.‏

وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة استخدام جميع الوسائل التي يمكن بها القبض على الرجلين، فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة ‏[‏في جميع الجهات‏]‏ تحت المراقبة المسلحة الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، كائنًا من كان‏.‏

وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن من دون جدوى وبغير عائدة‏.‏

وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره، يقول أبو بكر:‏ كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرفعت رأسى فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت‏:‏ يا نبي الله ، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا‏.‏ قال‏:‏ ‏[‏اسكت يا أبا بكر، اثنان، الله ثالثهما‏]‏، وفي لفظ‏:‏ ‏[‏ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما‏]‏‏.‏

وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة‏.‏

 

في طريق الهجرة النبوية إلى المدينة

وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه للخروج إلى المدينة‏.‏

وكانا قد استأجرا عبد الله بن أُرَيْقِط الليثى، وكان هاديًا وماهرًا بالطريق وكان على دين كفار قريش، وأمناه على ذلك، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثَوْر بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فلما كانت ليلة الاثنين غرة ربيع الأول سنة 1هـ جاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين، وكان قد قال أبو بكر للنبى صلى الله عليه وسلم عند مشاورته في البيت‏:‏ بأبي أنت يا رسول الله ، خذ إحدى راحلتى هاتين، وقرب إليه أفضلهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن‏.‏ وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها بسُفْرَتِهما، ونسيت أن تجعل لها عِصَامًا، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة، فإذا ليس لها عصام، فشقت نطاقها باثنين، فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت بالآخر فسميت‏:‏ ذات النطاقين‏.‏

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وارتحل معهما عامر بن فُهَيْرة، وأخذ بهم الدليل ـ عبد الله بن أريقط ـ على طريق السواحل‏.‏

وأول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربًا نحو الساحل، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس، اتجه شمالًا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وسلك طريقًا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرًا‏.‏

 

وهاك بعض ما وقع في طرق الهجرة النبوية

  1. كان من دأب أبي بكر رضي الله عنه أنه كان ردفًا للنبى صلى الله عليه وسلم، وكان شيخًا يعرف، ونبى الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول‏:‏ من هذا الرجل الذي بين يديك‏؟‏ فيقول‏:‏ هذا الرجل يهدينى الطريق، فيحسب الحاسب أنه يعنى به الطريق، وإنما يعنى سبيل الخير‏.‏
  2. وفي اليوم الثاني أو الثالث مر بخيمتى أم مَعْبَد الخزاعية، وكان موقعهما بالمُشَلَّل من ناحية قُدَيْد على بعد نحو 130 كيلو مترًا من مكة، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء الخيمة، ثم تطعم وتسقى من مر بها، فسألاها‏:‏ هل عندها شيء‏؟‏ فقالت‏:‏ والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم، القِرَى والشاء عازب، وكانت سَنَةٌ شَهْباء‏.‏

فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، فقال‏:‏ ‏[ما هذه الشاة يا أم معبد‏؟‏‏]‏ قالت‏:‏ شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال‏:‏ ‏[هل بها من لبن‏؟‏‏]‏ قالت‏:‏ هي أجهد من ذلك‏.‏ فقال‏:‏ ‏[أتأذنين لى أن أحلبها‏؟‏‏]‏ قالت‏:‏ نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها‏.‏ فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتَفَاجَّتْ عليه ودَرَّتْ، فدعا بإناء لها يَرْبِض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها، فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها فارتحلوا‏.‏

فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلًا، فلما رأي اللبن عجب، فقال‏:‏ من أين لك هذا‏؟‏ والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت‏؟‏ فقالت‏:‏ لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا، قال‏:‏ أني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صِفِيه لى يا أم معبد، فوصفته بصفاته الكريمة فقال أبو معبد‏:‏ والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا‏.‏

  1. ورأى أحد رجال مكة ركب النبي بالساحل فلما وصل مكة أخبرهم، فقام سراقة بن مالك سراً وانطلق بفرسه ورمحه، حتى إذا ما اقترب منهم، عَثَرَتْ فرسه ووقع عنها، فاستخرج الأزلام، فاستقسم بها، أيواصل أم لا‏؟‏ فخرجت النتيجة بلا، فعصى الأزلام وركب فرسه وواصل حتى اقترب وسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، وسَاخَتْ يدا الفرس في الأرض ووقع سراقة، فاستقسم بالأزلام مرة أخرى فخرجت بلا، فنادى الركب بالأمان فوقفوا، فركب فرسه حتى وصل إليهم، وأخبرهم بأخبار قريش، وعرض عليهم الزاد، فقيل له: أَخْفِ عنا‏، فطلب كتاب أمْنٍ، فأمر النبي عامر بن فُهَيْرة، فكتب له في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
  2. في الطريق ـ في بطن رِئْم ـ لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير، وهو في ركب من المسلمين، كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابًا بياضًا‏.‏

 

النزول بقباء

وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء‏.‏

قال عروة بن الزبير‏:‏ سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحَرَّة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أَوْفي رجل من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبَيَّضِين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودى أن قال بأعلى صوته‏:‏ يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح‏.‏ وتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة‏.‏

قال ابن القيم‏:‏ وسُمِعت الوَجْبَةُ والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحى ينزل عليه‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ الله َ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏4‏]‏‏.‏

قال عروة بن الزبير‏:‏ فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول‏.‏ فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيى أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك‏.‏

وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال، وكان يومًا مشهودًا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها، وقد رأي اليهود صدق بشارة قدوم النبي .‏ ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء على كلثوم بن الهدم.

ومكث على بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاثًا حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، ثم هاجر ماشيًا على قدميه حتى لحقهما بقباء، ونزل على كلثوم بن الهَدْم‏.‏

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام‏:‏ الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس‏.‏ وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، فلما كان اليوم الخامس ـ يوم الجمعة ـ ركب بأمر الله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار ـ أخواله ـ فجاءوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة وهم حوله، وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادى، وكانوا مائة رجل‏.‏

 

الدخول في المدينة

ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجمعة حتى دخل المدينة ـ ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعبر عنها بالمدينة مختصرًا وكان يومًا مشهودًا أغر، فقد ارتجت البيوت والسكك بأصوات الحمد والتسبيح، وتغنت بنات الأنصار بغاية الفرح والسرور‏: ‏

طلع البدر علينا **من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ** ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا ** جئت بالأمر المطاع

وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته‏:‏ هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فكان يقول لهم‏:‏ ‏[خلوا سبيلها فإنها مأمورة‏]‏، فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوى اليوم فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلًا، ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها، وذلك في بني النجارن أخواله صلى الله عليه وسلم، وبادر أبو أيوب الأنصارى إلى رحله، فأدخله بيته، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏[المرء مع رحله‏]‏، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته، فكانت عنده‏.‏

وبعد أيام وصلت إليه زوجته سَوْدَة، وبنتاه فاطمة وأم كلثوم، وأسامة بن زيد، وأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة، وبقيت زينب عند أبي العاص، لم يمكنها من الخروج حتى هاجرت بعد بدر‏.‏

وكانت بالمدينة وباءً، ووعك أبو بكر وبلال، فانطلقت عائشة تخبر النبي فقال‏:‏ ‏[اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء‏]‏‏.‏ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجُحْفَة‏]‏‏.‏

وقد استجاب الله دعاءه صلى الله عليه وسلم، ونقل وباء المدينة إلى الجحفة، وبذلك استراح المهاجرون عما كانوا يعانونه من شدة مناخ المدينة‏.‏

وبذلك تنتهي أحداث الهجرة النبوية ونواصل في المقال التالي أحداث الحياة في المدينة بعد الهجرة.

الرحيق المختوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.