الأحد , ديسمبر 4 2022

صلح الحديبية | الرحيق المختوم

نتناول فيما يلي وقائع وأحداث صلح الحديبية والتي بدأت بخروج المسلمين لأداء العمرة بمكة، وصد قريش، ثم تبادل الرسل والانتهاء إلى صلح بين المسلمين وقريش.

الرحيق المختوم

صلح الحديبية | ذو القعدة 6 هـ

سبب عمرة الحديبية‏

لما تطورت الظروف لصالح المسلمين، بدأت التمهيدات لإقرار حق المسلمين في أداء عبادتهم في المسجد الحرام، الذي كان قد صد عنه المشركون منذ ستة أعوام‏.‏

وقد رأي رسول الله في المنام أنه دخل وأصحابه المسجد الحرام، وطافوا واعتمروا، فأخبر أصحابه ففرحوا، وأعلن أنه معتمر فتجهزوا للسفر‏.‏

واستنفر النبي العرب ليخرجوا معه، فأبطأ كثير منهم، أما هو فخرج في غرة ذي القعدة 6 هـ، في 1400 (أو 1500) ولم يخرج  إلا بسلاح المسافر‏:‏ السيوف في القُرُب‏.‏

 

قريش تصد والمسلمون يتجنبون اللقاء الدامي‏‏

وتحرك في اتجاه مكة، وفي الطريق قَلَّد الهدي وأشْعَرَه، وأحرم بالعمرة؛ ليأمن الناس أنه ما جاء لحرب، وأرسل عيناً ليخبره عن قريش.

وبلغ النبي أن قريشاً جمعت الأحابيش وأنهم يستعدون لقتاله وصده عن البيت، فاستشار أصحابه في مواجهة الأحابيش، فقال أبو بكر: إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه.

وكانت قريش قد عقدت مجلساً قررت فيه صد المسلمين عن البيت، وعلمت قريش أن المسلمون أعرضوا عن الأحابيش، وأنهم نزلوا بذي طُوَي.

خرج خالد بن الوليد في 200 فارس ليصد المسلمين، فوقف بفرسانه أمام المسلمين فرآهم في صلاة الظهر يركعون ويسجدون، فقال‏:‏ لقد كانوا على غرة، لو كنا حملنا عليهم لأصبنا منهم.

وقرر أن يميل على المسلمين ـ وهم في صلاة العصر ـ ميلة واحدة، ولكن الله أنزل حكم صلاة الخوف، ففاتت الفرصة خالداً‏.‏

سلك النبي طريقاً وَعْرًا وتجنب الطريق الرئيسي الذي يفضي إلى الحرم، فلما رأي خالد قَتَرَة الجيش الإسلامي قد خالفوا عن طريقه انطلق يركض نذيراً لقريش‏.‏

وسار رسول الله حتى إذا كان بثنية المرار قال: ‏(‏والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها‏)‏.

وتحرك النبي حتى نزل بأقصي الحديبية، على ثَمَد قليل الماء، فشكوا إلى رسول الله العطش، فانتزع سهماً من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا‏.‏

 

بُدَيْل يتوسط بين النبي وقريش‏‏

ولما اطمأن رسول الله جاء بديل بن وَرْقَاء الخزاعي في نفر من خزاعة، فقال‏:‏ إني تركت كعب ابن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العُوذ المطَافِيل ، وهم مقاتلوك وصادَوك عن البيت‏.‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم، ويخلوا بيني وبين الناس،

وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره‏)‏‏.‏

انطلق بديل إلى قريش وعرض عليهم ما قاله النبي، فأعرض سفهاؤهم، لكن ذوو الرأي منهم استمعوا له.

فبعثت قريش مِكْرَز بن حفص، فلما رآه رسول الله قال‏:‏ هذا رجل غادر، فلما جاء وتكلم قال له مثل ما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش وأخبرهم‏.‏

 

رسل قريش‏

ثم قال رجل من كنانة اسمه الحُلَيْس بن علقمة‏:‏ دعوني آته‏.‏ فقالوا‏:‏ ائته، فلما أشرف على النبي وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها‏)‏.

فبعثوها له، واستقبله القوم يلبون، فلما رأي ذلك‏.‏ قال‏:‏ سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه، فقال‏:‏ رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، وما أري أن يصدوا، وجري بينه وبين قريش كلام‏.‏

فقال عروة بن مسعود الثقفي‏:‏ إن هذا قد عرض عليكم خطة رُشْد فاقبلوها، ودعوني آته، فأتاه، فجعل يكلمه، فقال له النبي نحواً من قوله لبديل‏.‏

فقال له عروة عند ذلك‏:‏ أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخري فوالله إني لا أري وجوها، وإني أري أوباشا من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك.

قال له أبو بكر‏:‏ امصص بَظْر اللات، أنحن نفر عنه‏؟‏

قال‏:‏ من ذا‏؟‏ قالوا‏:‏ أبو بكر، قال‏:‏ أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت عندي لم أجْزِكَ بها لأجبتك‏.‏

وجعل يكلم النبي، وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي، فكلما أهوي عروة إلى لحية النبي ضرب يده بنعل السيف، وقال‏:‏ أخر يدك عن لحية رسول الله.

فرفع عروة رأسه، وقال‏:‏ من ذا‏؟‏ قالوا‏:‏ المغيرة بن شعبة، فقال‏:‏ أي عُذَر، أو لستُ أسعي في غَدْرَتِك‏؟‏ وكان المغيرة صَحِبَ قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم.

فقال النبـي‏:‏ ‏(‏أما الإسلام فأقبلُ، وأما المال فلست منـه فـي شيء‏)‏ ‏(‏وكان المغيرة ابن أخي عروة‏)‏‏.‏

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله وتعظيمهم له، فرجع إلى أصحابه، فقال‏:‏

أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، على قيصر وكسري والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً،

والله إن تَنَخَّمَ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه،

وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيماً له، وقد عرض عليكم خطة رُشْدٍ فاقبلوها‏.‏

 

هو الذي كف أيديهم عنكم‏‏

ولما رأي شباب قريش الطائشون رغبة زعمائهم في الصلح، قرروا أن يتسللوا ليلاً إلى معسكر المسلمين، ويحدثوا أحداثاً تشعل نار الحرب.

وخرج 70 (أو 80) منهم وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين، غير أن محمد بن مسلمة قائد الحرس اعتقلهم جميعاً‏، لكن النبي أطلق سراحهم رغبة في الصلح.

 

عثمان بن عفان سفيراً إلى قريش‏‏

وحينئذ أراد النبي أن يبعث سفيراً يؤكد لقريش موقفه وهدفه، فدعا عمر بن الخطاب للمهمة، لكن عمر اقترح عثمان لأن له بمكة عشيرة تمنعه من الأذى.

فأرسل النبي عثمان يخبر قريش أنه لم يأت لقتال، كما أمره النبي أن يذهب للمؤمنين والمؤمنات بمكة ويبشرهم بالفتح.

ولما وصل عثمان إلى قريش، حاول البعض منعه، فقام إليه أبان ابن سعيد بن العاص، فرحب به وحمل عثمان على فرسه، وأجاره وأردفه حتى جاء مكة، وبلغ الرسالة إلى زعماء قريش.

فلما فرغ عثمان عرضوا عليه أن يطوف بالبيت، فرفض أن يطوف حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

 

إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان‏

واحتبسته قريش عندها، لحين أن يتشاوروا ثم يردوا عثمان بالجواب، فلما طال الاحتباس، شاع بين المسلمين أن عثمان قتل، فقال رسول الله‏:‏ ‏(‏لا نبرح حتى نناجز القوم‏).

ثم دعا النبي أصحابه إلى البيعة، فثاروا إليه يبايعونه على ألا يفروا، وبايعته جماعة على الموت، وأخذ رسول الله بيد نفسه وقال‏:‏ ‏(‏هذه عن عثمان‏)‏‏.‏

أخذ رسول الله هذه البيعة تحت شجرة، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها‏:‏ ‏{‏لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ‏}‏، ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه.

 

إبرام الصلح وبنوده‏‏

وعرفت قريش ضيق الموقف، فأسرعت إلى بعث سُهَيْل بن عمرو لعقد الصلح، واشترطت عليه ألا يعتمر المسلمون هذا العام حتى لا تتحدث العرب أنه دخلها عنوة.

أتى سهيل، فلما رآه النبي قال‏:‏ ‏(‏قد سهل لكم أمركم‏)‏، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، وتكلم سهيل طويلاً، ثم اتفقا على قواعد الصلح، وخلاصتها‏:‏

1‏.‏ الرسول يرجع هذا العام، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثاً، معهم سلاح الراكب، السيوف في القُرُب، ولا يتعرضون لأذى‏.‏

2‏.‏ وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين‏.‏

3‏.‏ لكل فرد وقبيلة الحرية للانضمام لأي من الفريقين، محمد أو قريش، وأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق‏.‏

4‏.‏ من أتي محمداً من قريش من غير إذن وليه ـ أي هارباً منهم ـ رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد ـ أي هارباً منه ـ لم يرد عليه‏.‏

ثم دعا علياً ليكتب الكتاب، فأملي عليه‏:‏ ‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏)‏ فقال سهيل‏:‏ أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو‏؟‏ ولكن اكتب‏:‏ باسمك اللّهم‏.‏

فأمر النبي بذلك‏.‏ ثم أملي‏:‏ ‏(‏هذا ما صالح عليه محمد رسول الله‏)‏ فقال سهيل‏:‏ لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب‏:‏ محمد بن عبد الله فقال‏:‏ ‏(‏إني رسول الله وإن كذبتموني‏)‏.

وأمر علياً أن يكتب‏:‏ محمد بن عبد الله، ويمحو لفظ رسول الله، فأبي على أن يمحو هذا اللفظ‏.‏ فمحاه بيده، ثم تمت كتابة الصحيفة.

ولما تم الصلح دخلت خزاعة في عهد رسول الله ودخلت بنو بكر في عهد قريش‏.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.