الثلاثاء , أغسطس 9 2022

سورة البلد | تفسير وشرح ودروس

فيما يلي تفسير وشرح ودروس سورة البلد ضمن سلسلة تدبر القرآن الكريم، التي كتبها أحمد السيد، والتي تتضمن دروساً وفوائد من الآيات مع واجبات ووصايا نهاية السورة.

قد يهمك:

سورة البلد | تفسير وشرح ودروس

معاني كلمات سورة البلد:

البلدمكة
ووالد وما ولدآدم وذريته أو إبراهيم وإسماعيل
كبدكفاح وتعب
لبداًكثيراً
النجدينطريقي الخير والشر
فك رقبةعتق رقبة أو المساعدة في عتقها
مسغبةمجاعة
مؤصدةمغلقة الأبواب
متربةملتصق بالتراب من شدة الفقر

مقدمة:

السورة توجه الإنسان إلي ضبط طاقة الكفاح الموجودة بداخله إلى الكفاح الصحيح ككفاح الأنبياء، وتحفيز هذه الطاقة لاقتحام العقبة فيكون الكفاح ميموناً غير مشئوم.

شرح سورة البلد:

الآيات 1 : 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4)

رغم أنه لا قسم لكم في هذا المقام ومع ذلك أقسم بهذا البلد الحرام مكة تلك البقعة المباركة من الأرض التي تأوي أقدس بيت وضع للناس، والتي تعيش بها يا محمد وأنت صفوة خلق الله، كما حل بها أيضاً الوالد وما ولد إبراهيم وإسماعيل اللذان بنيا البيت وأسسا مكة لعبادة الله الواحد وإقام الصلاة واستقبال الحجيج.

أقسم بهذا ـــــ أننا نحن الذين خلقنا الإنسان بقدرات تمكنه من الكفاح وبذل الجهد و الكبدوالتعب لتحقيق أهدافه التي يرجوها، فالإنسان يكافح لأجل لقمة العيش __ ويكافح للإشباع شهوة أو نذوة ويكافح للوصول إلي المناصب الدنيوية و المكانة الأدبية وامتلاك القوة المادية والمعنوية، فالكبد هو طبيعة الحياة ــــ.

ولقد أعطينا الإنسان _القوة النفسية لكي يكافح الكفاح الصحيح الميمون ككفاح إبراهيم وإسماعيل وما لقياه في (الهجرة – أرض غير ـــ زرع – الذبح – بناء الكعبة – تأسيس مكة) وككفاح محمد الذي لم يذق النوم منذ أن بعث بالرسالة حيث قال لزوجه “ولي عهد النوم يا خديجة”، والذي نصب قدميه يقيم الليل حتي تورمت قدماه، والذي تعرض للأذى __من قومه حتي يقيم دين الله.

فالغرض من هذه الميزة (الكفاح) أن تساعد الإنسان على السير في طريق الله ومواجهة الصعوبات في الطريق، لكن الإنسان اغتر بالدنيا ونسي الآخرة وغفل عن الغاية التي خلق من أجلها، وانخدع بما أوتي من قوة وقدرة فكافح كفاحاً خاطئاً حيث طغى وبطش وسلب ونهب وفسق وفجر.

الآيات 5 : 10

أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)

هل يظن الإنسان أن لن يقدر عليه أحد؟

وما له إذا ما دعي للانفاق في الخير امتنع وقال:

لقد ضيعت مالاً كثيراً في الإنفاق وليس لي به حاجة.

هل يظن الإنسان أن أحداً لم يره، لم يرى عبثه وشحه؟

هل نسي أن هناك رباً خلقه وأنعم عليه بقدرات تميزه عن الخلق؟ وتجعله قادراً على اتخاذ الطريق الصحيح؟

ألم نجعل له عينين؟ ولساناً وشفتين؟ وهديناه النجدين طريق الخير وطريق الشر، وبذلك يستطيع التميز وإدراك الحقائق ويعرف كيف يكافح الكفاح الصحيح.

الآيات 11 : 20

فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)

فهلّا استجمع للإنسان طاقته وكفاح لاقتحام العقبة؟

وما أدراك ما هذه العقبةالمانعة من طريق الله؟

إنها وببساطة عتق رقبة أو المساهمة في عتقه، أو إطعام الطعام في أوقات المجاعة والأزمات بأن تقدم هذا الطعام ليتيم ذي قربى أو لمسكين معدوم الحال ملتصق بالتراب من شدة فقره.

وفوق كل هذا أن يكون من زمرة الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتحمل تبعات هذا الكفاح، وتواصوا بالمرحمة بأن يكونوا رحماء فيما بينهم، رحماء على خلق الله وضعفائهم، فلا قسوة ولا غلظة بل خفض جناح وشفقه والتماس عذر، أولئك أصحاب الميمنة، أما الذين كفروا بآياتنا فهم أصحاب المشئمة، فكفاحهم وتعبهم مشئوم وجزاؤهم مشئوم، نار مؤصدة الأبواب فلا خروج منها ولا مفر ولا راحة بل تعب وكفاح من نوع أخر لا طاقة للإنسان به.

دروس وفوائد من سورة البلد:

1- فضل المسجد الحرام:

في سورة الفجر أقسم الله بأفضل الأوقات ومنها فترة موسم الحج، وفي سورة البلد أقسم الله بأفضل بقاع الأرض وهي مكة (ملتقي الحج) وبأفضل خلق البشر محمد الذي أحل بها.

مكة هي البلد الحرام والبلد الأمين، شرفها الله بالبيت العتيق فهو مجمع الرسائل، ومحط المكارم، وفيه ترفع الدرجات وتغفر السيئات وهو قبلة المسلمين.

  • يقول تعالي: “إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ”

96 آل عمران.

  • عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عَدِيِّ ابْنِ الْحَمْرَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ: وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ”.

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

  • عن جاء عَنْ جابر – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صَلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ”.

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصححه الألباني.

  • عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى”.

رواه البخاري ومسلم

  • عن أبي هريرة قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ: “منْ حجَّ فَلَم يرْفُثْ، وَلَم يفْسُقْ، رجَع كَيَومِ ولَدتْهُ أُمُّهُ”.

متفقٌ عَلَيْهِ.

وهذه الفضائل تمثل دعوة لزيارة هذه البقاع الطاهرة للحج والعمرة والصلاة فيها.

2- التدبر في خلق _الإنسان:

أودع الله الإنسان طاقة تسمى “الكفاح” ليوجهها في الخير، وتعجب من الذي يستخدمها في الشر رغم أن الله أعطاه حواساً تمكنه من ضبط الأمور فقال:

ألم نجعل له عينين؟

ولساناً وشفتين؟

وهديناه النجدين؟

وهذا السؤال يؤكد أن هذه الأعضاء هي مصدر التحكم والتعقل في السلوك.

العين:

تحتوي كل عين على 130 مليون مستقبل ضوئي، وكل مستقبل يستطيع التقاط 5 فوتوبات على الأقل في الثانية الواحدة.

وإنسان العين (سواد العين) يكبر ويصغر حسب مسافة الهدف وحسب شدة الضوء فحسب المشاعر، فهو يتسع عند وجود حافز أو اهتمام وبالتالي يستقبل المزيد من البيانات في الثانية.

وشكر نعمة العين يكون ب:

قراءة القرآن – حفظ النظر عن المحرمات – التدبر في خلق الله – مساعدة النفس على اتخاذ السلوك السليم.

اللسان:

اللسان يشتمل على 17 عضلة تحركه في كل الاتجاهات للنطق، و3 أعصاب لتنظيم الحس، وعلى سطحه 900 نتوء للتذوق، فالإحساس بالمرارة يحصل في مؤخرة اللسان، والإحساس بالحموضة يحصل على جانبيه، والإحساس بالملوحة يحصل على سطحه، والإحساس بالحلاوة يحدث على رأسه.

وظائف اللسان :

مضغ الطعام – مز ج الطعام مع اللعاب – التذوق – تكوير اللقمة ودفعها نحو البلعوم – تنظيف الأسنان – الكلام وضبط مخارج الحروف – الإحساس باللمس والألم والحرارة.

مهالك اللسان:

الغيبة – النميمة – القذف – الكذب وشهادة الزور – الفحوالكلام الباطل.

  • قال بعض السلف: اعرف نفسك تعرف ربك.
  • عن الحافظ ابن عساكر عن مكحول قال: قال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -‏:‏ “‏يقول اللَّه – تعالى -‏:‏ يا ابنَ آدم، قد أنعمتُ عليك نعمًا عظامًا، لا تُحصي عددَها، ولا تطيق شكرَها، وإنَّ مِمَّا أنعمتُ عليك أنْ جعلت لك عينين تنظر بهما، وجعلت لهما غطاءً، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيتَ ما حرمتُ عليك فأطبق عليهما غطاءَهما، وجعلت لك لسانًا، وجعلت له غِلافًا، فانطق بما أمرتُك وأحللت لك، فإنْ عَرَضَ لك ما حَرَّمت عليك، فأغلق عليك لسانك، وجعلت لك فرجًا، وجعلت لك سترًا، فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عَرَض لك ما حرمت عليك، فأَرْخِ عليك سترك، يا ابن آدم، إنَّك لا تَحَمَّلُ سخطي، ولا تُطيق انتقامي‏”.

‏‏أخرجه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي الربيع الدمشقي‏.

3- فك رقبة وإطعام اليتيم والمسكين:

  • عن البراء قال: جاء رَجُلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: “دُلَّني على عَمَلٍ يُقَرِّبُني منَ الجَنَّةِ، ويُباعِدُني منَ النَّارِ، قال: لَئنْ كُنتَ أقصَرْتَ الخُطْبةَ، لقد أعرَضْتَ المَسْألةَ، أعْتِقِ النَّسَمةَ، وفُكَّ الرَّقَبةَ، قال: يا رسولَ اللهِ، أوَلَيستَا واحِدًا؟ فقال: لا، عِتقُ الرَّقَبةِ أنْ تَفرَّدَ بعِتْقِها، وفَكُّ الرَّقَبةِ أنْ تُعينَ في ثَمَنِها، والمِنْحةُ الوَكوفُ، والفَيءُ على ذي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فإنْ لم تُطِقْ، فكُفَّ لِسانَكَ إلَّا من خَيرٍ”.

سنن الدارقطني.

  • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ ، فَقَالَ لَهُ : ” إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ “.

رواه أحمد والحديث حسنه الحافظ في الفتح، والألباني في صحيح الجامع

4- فوائد أخرى:

  • “وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ” هي إشارة لمكانة النبي صلي الله عليه وسلم ومقامه عن الله وكأن البلد ازداد شرفاً نتيجة حلول النبي به.
  • طريق الله به عقبات مانعة عن السير فيه مما يتطلب اقتحامها وعدم الاستسلام لها، هذه العقبات مثل:

الشح والبخل – فتنة المال – فتنة الجاه – فتنة النساء والزوجة والأولاد – فتنة المهنة أو الوظيفة – فتنة الإيذاء (استهزاء – تخويف – سجن – تعذيب – قتل) – فتنة اليأس وطول الأمد – الفتور والكسل وضعف الهمة.

  • أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) فيها إشارة إلى الاهتمام بالنظر أكثر من الكلام، والشفتين لإغلاق الفم وإمساك اللسان.

واجبات:

1- السياحة والسفر إلى مكة للحج والعمرة والصلاة بالمسجد الحرام.

2- حفظ العين وإمساك اللسان فهما علامتا الإنسان العاقل.

3- المساهمة في أعمال البر والتكافل والإطعام (مادياً أو معنوياً).

4- الحذر من توجيه طاقة الإنسان (الكفاح) في أعمال الشر.

5- مصاحبة المؤمنين الذين يتواصون بالصبر وبالمرحمة.

6- الاطلاع على سيرة النبي محمد صلي الله عليه وسلم وإبراهيم وإسماعيل وإدراك حجم الكفاح وحجم التحديات التي واجهوها في طريق الله.

توصيات:

1- في بعض الدول الإسلامية يقوم المسلم منذ طفولته بتوفير مبلغ شهري يوضع في صندوق يسمى “صندوق الحج” حتى إذا ما بلغ، سافر إلى مكة لأداء المناسك وزيارة البيت، فلينظم المرء طريقة للاقتصاد وتدبير متطلبات زيارة هذه البقاع.

2- تنظم بعض الهيئات فكرة تسمى “شنطة رمضان” بها أطعمة يتم توصيلها إلى منازل الفقراء والمساكين والأيتام وأهل العفاف والمتضررين في الأزمات. ادعم وشارك مثل هذه الأعمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.