طرائف النعيمان بن عمرو

نقدم لكم فيما يلي قصة جديدة كتاب قصص ومواقف للكاتب أحمد السيد بعنوان طرائف النعيمان بن عمرو.

قد يهمك:

كتاب قصص ومواقف | أحمد السيد

طرائف النعيمان بن عمرو

صحابي من الأنصار كانت أمه تعمل بالكهانة أسلم وشهد بيعة العقبة الثانية وشارك في جميع غزوات النبي إلا أنه كان يقع في شرب الخمر ويكثر من الفكاهة ويدبر المكائد مزحاً.

-كان نعيمان كلما دخل المدينة اشترى طعاماً وقدمه للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: هذا أهديته لك. فإذا جاء البائع بطلب من نعيمان ثمنها أحده إلى النبي وقال أعط هذا ثمن متاعه.

فيقول: اولم تهده لي؟

فيقول: والله لم يكن عندي ثمنه ولقد أحببت أن نأكله. فيضحك النبي ويأمر لصاحبه بالثمن.

-وأتى أعرابي إلى رسول الله فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه، فقيل للنعمان لو نحرتها فأكلناها ويغرم رسول الله ثمنها فنحرها ثم هرب يختبئ في دار فخرج الأعرابي وصاح: واعقراه يا محمد!

فسأل النبي: من فعل هذا؟

قالوا: نعيمان. ودلوه على مخبئه فأخرجه النبي وقال: ما حملك على هذا؟

قال: الذين دلوك علي هم الذين أمروني.

فجعل النبي يضحك ويمسح التراب من وجه نعيمان، وغرم النبي ثمنها.

-وبعدما نزل تحريم الخمر لم يستطع نعيمان أن يمتنع فكان يضعف أمامها فيقام عليه الحد ويضرب، وتكرر الأمر عدة مرات فقال الرجل: اللهم العنه، ما أكثر ما يشرب وما أكثر ما يجلد.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله، ولكن قولوا: اللهم اغفر له وارحمه.

-وكان نعيمان في سفر للتجارة مع أبي بكر، فقال لابن عمه “سويبط” المسئول عن الزاد: أطعمني. فقال: لا، حتى يأتي أبو بكر.

فذهب نعيمان إلى أناس وقال لهم: تشترون مني عبداً؟ قالوا: نعم. قال: لكنه له كلام يزعم أنه ليس بعبد وأنه ابن عمي، فإذا كان لكم هذا تركتموه، فلا تشتروه الآن ولا تفسدوا عليّ عبدي.

قالوا: بل نشتريه. فاشتروه ببعض الإبل ثم قال لهم: دونكم هو هذا. وأشار إلى “سويبط”.

فربطوه من رقبته وسحبوه وهو يصرخ لست بعبد، إنه ابن عمي.

وانطلق نعيمان إلى الطعام.

فلما جاء أبو بكر أسرع إلى القوم وأنقذ “سويبط” ورد الإبل، فلما عادوا إلى المدينة وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم ظل يضحك هو وأصحابه من ذلك حولاً.

-وحينما أسلم أبو سفيان، لقيه نعيمان وقال: يا عدو الله أنت تهجو سيد الأنصار نعيمان بن عمرو؟

فاعتذر أبو سفيان من ذلك، فلما انصرف نعيمان سأل أبو سفيان: من هذا؟ فقيل له: هو نعيمان! فتعجب أبو سفيان منه.

-وفي عهد عثمان، دخل المسجد “محرمة بن نوفل” وهو عجوز طاعن في السن وضعيف النظر، فقام في المسجد يريد أن يبول، فصاح به الناس: المسجد! المسجد!!

فأسرع نعيمان وأخذ يده وتنحى به ثم أجلسه في ناحية أخرى من المسجد، فصاح الناس بالرجل فقال: ويحكم فمن أتى بي إلى هذا الموضع؟ قالوا: النعيمان. فأقسم لئن ظفر به ليضربنه بعصاه.

وفي يوم آخر أتى نعيمان إلى هذا الرجل فقال: هل لك في نعيمان؟ قال: نعم.

فأخذه بيده حتى أوقفه على الخليفة عثمان وكان يصلي، فقال نعيمان: دونك هذا نعيمان. فجمع الرجل يده بعصاه ثم ضرب بها رأس عثمان فشجه فصاحوا به: ضربت أمير المؤمنين!!!

فسمع بنو زهرة بإصابة عثمان فاجتمعوا في ذلك، فقال عثمان: دعوا نعيمان فقد شهد بدراً.

فوائد وعبر:

1- المجتمع المسلم في المدينة كان مجتمعاً طبيعياً فيه الظالم لنفسه (المذنب) وفيه المقتصد (قليل الطاعة) وفيه السابق بالخيرات، ومنهم من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليه.

2- رغم تجاوزات نعيمان إلا أن سماحة النبي وكبار الصحابة معه لتثير العجب ويضرب بها المثل في الرفق وتفهم طبائع البشر واللين في النصح مع إصلاح آثار المشاغبات وإيثار العفو تقديراً لعطائه في ميادين أخرى.

3- كان نعيمان يقع في الذنب فيشرب الخمر ثم يتطهر منه فيقام عليه الحد حتى كرهه بعض المسلمين ولعنوه، فنهى عن ذلك فالنبي يكره الذنب ولا يكره المذنب بل يشفق عليه ويدعو له.

4- ليس غريباً أن تجد مسلماً يبذل أعمالاً صالحة ذات منزلة كبيرة في ميزان الإسلام ثم هو هو يرتكب كبيرة من الكبائر بحكم الطابع البشري، لكن هذا الذي يخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فإنه على خطر عظيم.

5- المزاح وروح الدعابة هي طبيعة بشرية وحاجة ضرورية للإنسان لكن النبي صلى الله عليه وسلم هذب المزاح، ووقف المسلم إلى مراعاة آداب وضوابط له ومن ذلك:

1- الصدق وعدم المزاح بالكذب.

قال صلى الله عليه وسلم ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم وويل له، ويل له. رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وحسنه.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً. رواه الترمذي وأحمد وصححه الألباني

2- عدم الترويع والإصرار:

قال صلى الله عليه وسلم: لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً. رواه أحمد وأبو داوود وصححه الألباني

قال صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار.

3- عدم المزاح في معصية.

قال علي بن أبي طالب: ست من المروءة ثلاث في الحضر وثلاث في السفر، وأنا اللاتي في الحضر فتلاوة كتاب الله وعمارة مساجد الله واتخاذ الإخوان في الله، وأما اللاتي في السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في غير معصية.

4- عدم الخرية من الأقوام أو من آيات الله:

“لا يسخر قوم من قوم”

“ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون” التوبة 65

5-عدم الإسراف في المزاح:

  • “ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين”
  • يقول النبي صلى الله عليه وسلم ناصحاً أبي هريرة: ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب. حديث حسن رواه أحمد والترمذي والبيهقي.
  • يقول الأحنف بن قيس: من كثر كلامه وضحكه ومزاحه قلت هيبته، ومن أكثر من شيء عرف به.
  • من حكم العرب: الإفراط في المزاح مجون والاقتصاد فيه طرف والتقصير فيه ندم.

قيل لسفيان بن عيينة المزاح هجنة.

فقال: بل سنة ولكن الشأ، فيمن يحسنه ويضعه موضعه.

أي لا يصح أن يوضع المزاح في موضع الجد والعكس، ولا يصح أن يكون كل أمر المرء مزاحاً، فإن الأمة المجاهدة لا تعرف إلا الجد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.