الأحد , يونيو 16 2024

الذين جاءوا بالإفك

نقدم لكم فيما يلي قصة جديدة كتاب قصص ومواقف للكاتب أحمد السيد بعنوان الذين جاءوا بالإفك.

قد يهمك:

كتاب قصص ومواقف | أحمد السيد

الذين جاءوا بالإفك

كان جيش المسلمين في استراحة أثناء عودته من غزوة بني المصطلق 5هـ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالرحيل، وجاء الرهط وحملوا هودج عائشة (قبة متنقلة) ووضعوه على ناقة وهم يظنون أن عائشة بداخله فقد كانت عائشة خفيفة الوزن، ثم انصرفوا مرتحلين.

كانت السيدة عائشة (عمرها 14 عام) تبحث عن عقد قد فقدته، فلما عادت فوجئت بارتحال الجيش فمكثت في مكانها.

وفي آخر الليل مر الصحابي صفوان بن المعطل والذي يقوم بمهمة الساقة أي السير خلف الجيش، فرأى جارية نائمة فلما اقترب فوجئ أنها عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فاسترجع قائلاً: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فاستيقظت على صوته فغطت وجهها، وأراخ صفوان راحلته دون أن يكلمها فركبت ثم قاد الراحلة حتى لحق بالجيش وقد مرضت عائشة.

رأى زعيم المنافقين ابن سلول إقبال صفوان وعائشة فخاض في عرضهما وقال مقالة الإفك عنهما، وسرعان ما انتشر الحديث بين الناس، وعائشة لا تعلم.

تولى كبر الحديث ابن سلول وجماعة المنافقين وقد تورط بعض المؤمنين في ترديد ونقل هذا الكلام، بينما رفض بعض المؤمنين هذا الكلام وأحسنوا الظن وقالوا: هذا إفك عظيم.

أما أغلب المؤمنين فقد سكتوا فلم يصدقوا ولم يكذبوا، وقد تأذي الرسول صلى الله عليه وسلم من خوض الناس في عرض أهله، كما تأذي آل أبو بكر وكانت فتنة امتدت لنحو شهر.

لما نقهت عائشة من مرضها، علمت صدفة من أم مسطح، فلما تأكدت من الخبر من أمها ظلت تبكي ولا تنام.

استشار النبي صلى الله عليه وسلم على بن أبي طالب وزيد بن حارثة في فراق أهله، فقال زيد خيراً في عائشة، وقال علي: اسأل الجارية تصدقك.

فسألها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت خيراً في عائشة.

فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل (يشير لابن سلول) قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا لي رجلاً (يقصد صفوان) ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي.

فقام سعد بن معاذ سيد الأوس فقال: أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك.

فغضب سعد بن عبادة سيد الخزرج وقال: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله وقد كان بن سلول ينتمي للخزرج.

فقال أسيد بن خضير له: لنقتلنه فإنه منافق، تجادلنا في منافق؟!

فتثاور الحيان حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت.

ثم اصطحب النبي أبا بكر ودخلا على عائشة وعندها أمها، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه.

قالت عائشة لأبيها: أجب رسول الله عني فيما قال.

فقال أبو بكر: والله ما أدري ما أقول لرسول الله.

فقالت لأمها: أجيبي رسول الله.

قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله.

فقالت السيدة عائشة: إني والله لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقنم به، فلئن قلت إني بريئة والله يعلم إني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقن، والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.

فلم يبرح النبي مجلسه حتى نزل الوحي يبرئ السيدة عائشة، فابتسم النبي وقال: يا عائشة أما الله عز وجل فقد برأك.

فقالت أمها: قومي إلى رسول الله (أي اشكريه) قالت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل.

وقد استرضاها رسول الله فقد كانت أحب نسائه إليه.

وقد نزلت الآيات التي كرمت العفيفة بنت الصديق وأشادت بالمؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمؤمنين، وأنزلت عقوبة بالجلد 80 جلدة لمن قذف عفيفاً أو عفيفة ولا تقبل شهادته إلا بعد توبته.

وأقيم الحد على حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وتابوا واعتذر حسان لعائشة في أبيات شعرية، ولم يقم الحد على المنافقين لأنهم أنكروا ولم يعترفوا على أنفسهم ولم يشهد عليهم أحد.

فوائد وعبر:

1- وردت القصة في سورة النور الآيات 11-22

” إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ، لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”.

2- الأصل حسن الظن بالمؤمنين وعدم قبول اتهامات بدون دليل. ” لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ” النور 12

3- يحرم الخوض في أعراض وتداول أحاديث الفاحشة والجنس والقول دون علم.

” إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ”

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله” رواه مسلم.

وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع” رواه مسلم.

4- قذف المحصنات المؤمنات هو من السبع الموبقات وحده الجلد ولم يستثن من العقوبة حسان رغم أنه شاعر الرسول ولا مسطح رغم أنه شهد بدراً ولا حمنة رغم أنها زوجة الشهيد مصعب بن عمير، ولم ينج من الفتنة إلا محسنوا الظن وأمسكوا ألسنتهم.

تقول زوجة النبي السيدة زينب بنت جحش عن عائشة: أصون سمعي وبصري ولا أعلم عنها إلا خيراً.

5- من المؤسف أن بعض الصحف والمواقع الإلكترونية تحرص على نشر حوادث وفضائح الفاحشة وتوسع لها المانشيتات وتفرد لها التغطيات، وتنسج حولها القصص الصحفية مما يساهم في نشر الفاحشة وشيوعها.

” إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” النور 19

6- كان أبو بكر ينفق على مسطح فلما خاض في الإفك منع عنه الإنفاق، ثم نزل قول الله تعالى:

” وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”.

قال أبو بكر: بلى يا رب أحب أن تتغفر لي.

وعاود أبو بكر الانفاق على مسطح وتسامح مع من أخطأ وصحح خطأه.

ذات صلة:

امرأة تراود بائع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *