الأحد , يونيو 16 2024

الأواه ذو البجادين

نقدم لكم فيما يلي قصة جديدة كتاب قصص ومواقف للكاتب أحمد السيد بعنوان الأواه ذو البجادين.

قد يهمك:

كتاب قصص ومواقف | أحمد السيد

الأواه ذو البجادين

كان الغلام يتيماً وهو من قبيلة مزينة وكان في كفالة عمه فكان يعطيه ويحسن إليه.

دخل الإسلام قلب الغلام، وكان المسلمون أثناء هجرتهم من مكة إلى المدينة يمرون على قبيلة الغلام، فراح الغلام يصحب المهاجرين ويسير معهم عدة كيلومترات يتعرف منهم على الإسلام ويتلقى منهم القرآن فيحفظه ويظل يردده بصوت مسموع، ثم يعود ويصحب مهاجرين آخرين حتى ملك الإسلام كيان الغلام.

كان الغلام يأمل أن يسلم عمه، فلما لم يجد ذلك، تحدث إليه بهذا الشأن، فغضب عمه وعنفه وهدده وقال لئن فعلت وتابعت دين محمد لأنزعن منك كل شيء أعطيتك.

لم يبال الغلام بالتهديد ولم يفرط في دينه فأعلن قائلاً إني مسلم.

فما كان من عمه إلا أن نزع منه كل شيء حتى جرده من ثوبه، فأتى أمه فقطعت له بجاداً (كساء غليظ جافي) وترك قومه وارتحل إلى المدينة.

لما اقترب من المدينة ليلاً، شق بجاده نصفين فتأزر بإحداهما ليستر بها نصفه السفلي وارتدى الثانية في نصفه العلوي ودخل المدينة وقت السحر، وأتى المسجد فصلى الفجر خلف النبي.

لما صلى النبي وتصفح الناس رأى الغلام وعليه البجادين فسأله: من أنت؟

قال: أنا عبد العزى.

فقال: أنت عبد الله ذو البجادين.

 وعلم النبي شأنه فقال له: الزم بابي.

فلزم باب رسول الله ولسانه يسبح ويكبر بصوت مسموع.

رآه عمر بن الخطاب فلم يعجبه مظهره فقال: يا رسول الله أمراء هو؟

قال صلى الله عليه وسلم: دعه عنك فإنه أحد الأواهين.

في غزوة تبوك وفي ظلام الليل، رأى عبد الله بن مسعود شعلة مضيئة من بعيد فاقترب فإذا برسول الله مع أبي بكر وعمر يحملان جثمان الشاب عبد الله ذي البجادين إلى قبره ورسول الله في القبر يقول: أدنيا مني أخاكما.

فقد مات ذو البجادين من مرض أصابه.

فلما فرغوا من الدفن استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة رافعاً يديه يقول: اللهم إني أمسيت عنه راضياً فارض عنه.

يقول ابن مسعود: فوددت أني مكانه وقد أسلمت قبله بخمس عشرة سنة.

وقال أبو بكر: وددت أني والله صاحب القبر.

فوائد وعبر:

1-هذا الغلام رأى الحق فاتبعه وسار خلف ما اقتنع به من الحق وواجه ضغط الأهل وضحى بالامتيازات التي يتمتع بها رغبة فيما عند الله.

-وقد فعلها من قبل الغلام مصعب بن عمير حين هرب من بيته وترك ثروة أمه وودع الراحة والترف حتى استشهد ولم يجدوا ما يغطوا به جثمانه.

-وفعلها سعد بن أبي وقاص حين أضربت أمه عن الطعام كي يترك الإسلام، فقال: يا أماه تعلمين والله لو أن لك مائة نفس خرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيء.

-وفعلها خالد بن سعيد بن العاص حين حبسه أبوه وضربه حتى كسر رأسه وأجاعه ومنع عنه الماء ثلاثة أيام فصمد ثم هاجر إلى الحبشة.

2- إن ضعاف الإيمان حينما يهددون بسحب امتيازاتهم المالية أو الوظيفية يبيعون دينهم لأجل دنياهم وينسلخون من أخلاق الإسلام وقيمه.

” قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ”. التوبة 24

3- لم يعجب عمر مظهر ذي البجادين واتهمه بالمراء إلى أن صوب النبي له الأمر، ويخطئ من يحكم على الشخص من مظهره، فمعرفة معادن الناس ومنزلتهم لا تدرك إلا بالمعايشة.

عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟

فقال: رجل من أشراف الناس هذا والله حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع.

فسكت رسول الله ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟

فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع ألا يشفع وإن قال أن لا يسمع قوله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا. رواه البخاري.

وقد كان للمنافقين لهم مظاهر حسنة تعجبك وإذا تكلموا تسمع لقولهم لكنهم كانوا أسوأ الناس طوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *