السبت , فبراير 24 2024

أبو بكر الصديق (26) الوفاة

سنتناول فيما يلي من سيرة أبو بكر الصديق (26) الوفاة

قد يهمك:

كتاب أبو بكر الصديق

كتاب قصص ومواقف | أحمد السيد

أبو بكر الصديق (26) الوفاة

تسليم الخلافة:

في جمادى الآخرة عام 13هـ مرض الخليفة أبو بكر واشتد عليه المرض فلما ثقل واستبان له من نفسه جمع الناس إليه فقال:

إنه قد نزل بي ما ترون ولا اظني إلا ميتاً لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي،

وردَّ عليكم أمركم، فأمّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرّتم في حياة مني كان أجدر ألَّا تختلفوا بعدي.

وهكذا أراد أبو بكر ان يختار المسلمون خليفة جديداً وتتم إجراءات تسلم السلطة قبل موته مخافة حدوث اختلاف كما حدث بعد وفاة النبي.

وتشاور الصحابة فيما بينهم لكنهم لم يحسموا الأمر، فقد كان كل واحد منهم يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه،

فرجعوا إلى ابي بكر فقالوا رأينا يا خليفة رسول الله رأيك فقال أبو بكر: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده.

استشارة المهاجرين والأنصار:

بعدما عهد الصحابة لابي بكر امر اختيار الخليفة الجديدة، أجري مشاورات مع كبار المهاجرين والانصار ورجالات الشورى وأهل الحل والعقد يسألهم عن عمر بن الخطاب.

سأل أبو بكر عبد الرحمن بن عوف: أخبرني عن عمر بن الخطاب؟

فأيد اختياره قائلاً: هو والله أفضل من رأيك فيه

فسأل عثمان فقال: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله؟، فقال عثمان اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله والله لو تركته ما عَدَتْك.

ودعا أسيد بن حضير وسأله فقال: اللهم أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا ويسخط للسخط، والذي يُسِّر خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.

وكذلك استشار أبو بكر سعيد بن زيد وآخرين من المهاجرين والأنصار وكلهم تقريباً كانوا برأي واحد في عمر إلَّا طلحة بن عبيد الله خاف على المسلمين من شدته.

قال طلحة لأبي بكر، ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟

فقال أبو بكر: أجلسوني، أبالله تخوفوني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك

ثم قال عن غلظة عمر: ذاك لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه.

وهكذا انتهت الشورى باختيار عمر، وبذلك منع أبو بكر وقوع اختلاف بين المسلمين أو حدوث فراغ في موقع الخلافة.

ودعا أبو بكر عمر فأخبره بما انتهى إليه، فأبى عمر أن يقبل، فتهدده أبو بكر بالسيف، فما ينبغي لعمر أن يرفض ما تم تكليفه به، فما كان أمام عمر إلَّا أن قبل.

ثم أشرف أبو بكر على الناس ليطمئن من رضا الناس بعمر فقال: أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استحفظت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا.

فقالوا: سمعنا وأطعنا.

البيعة لعمر:

كتب أبو بكر عهداً يوثق انتقال السلطة ليتم قراءته على الناس في المدينة وفي الأمصار، وهذا نص العهد:

(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آلُ الله ورسوله ودينه ونفسي، وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به، وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب “وَسَيَعْلَمُ اْلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ”)

وختم أبو بكر العهد بخاتمة لمزيد من التوثيق، وأمر عثمان بن عفان أن يقرأ العهد على الناس

وقرأ عثمان على الناس ثم سألهم: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟

قالوا: نعم، ثم أقبل الناس يبايعون عمر، وهكذا تسلم عمر أمر الخلافة في حياة أبي بكر وبدأ ممارسة مهامه من فوره.

وصية الصديق لعمر:

ثم اختلى الصديق بعمر وأوصاه بتقوى الله واتباع الحق وذكَّره بالآخرة ومصير أهل الجنة وأهل النار، ومما جاء في وصيته:

اتقى الله يا عمر، واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة

رحيل أبي بكر:

استمر مرض الصديق خمسة عشر يوماً، فلما رأت عائشة اشتداد المرض عليه قالت:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى    إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

فنظر الصديق لابنته ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين ولكن قول الله أصدق “وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد”

ثم قال: يا عائشة إنه ليس أحد من أهلي أحبَّ إلىَّ منك، وقد كنت نحلتك حائطاً (حديقة) وإن في نفسي منه شيئاً فردّيه إلى الميراث.

قالت: نعم (وقد فعلت)

ثم قال أبو بكر: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهما ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا

ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا وليس عندنا من فيئ المسلمين قليل ولا كثير إلَّا هذا العبد الحبشي (عبد نوبي كان يحمل صبيانه)

وهذا البعير الناضج (البعير الذي يستقى عليه) وجرد هذه القطيفة، فإذا متّ فابعثي بهن إلى عمر وابدئي منهن.

وفي رواية قال أبو بكر: إن عمر لم يدعني حتى أصبت من بيت المال ستة آلاف درهم، وإن حائطي الذي بمكان كذا فيها، فرديه إلى عمر.

تابع:

وفي يوم الاثنين (ليلة الثلاثاء) 22 جمادى الآخرة عام 13هـ قال أبو بكر لعائشة: في أي يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالت: في يوم الاثنين،

فقال: اني لأرجو فيما بيني وبين الليل، ففيم كفنتموه؟

قالت: في ثلاثة أُثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة،

فقال: انظري ثوبي هذا فيه ردع زعفران أو مشق فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين،

فقيل له: قد رزق الله وأحسن، نكفنك في جديد.
قال: إن الحي هو أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه عن الميت، إنما يصير الميت إلى الصديد والبلى.

وأوصى الصديق أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب رسول الله،

وكان آخر ما تكلم به الصديق في هذه الدنيا: “توفني مسلما وألحقني بالصالحين”، وصعدت روحه رضى الله عنه وعمره 63 عاماً هجرياً.

وارتجت المدينة لوفاة الصديق، ولم تر المدينة منذ وفاة النبي يوماً أكثر حزنا وبكاءً من ذلك المساء الحزين

أبو بكر الصديق (26) الوفاة

رثاء علي بن أبي طالب:

وقف علي بن أبي طالب باكياً أمام البيت الذي فيه جثمان الصديق ورثاه قائلاً:

رحمك الله يا أبا بكر، كنت إلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته.

وكنت أول القوم اسلاماً وأخلصهم ديناً وأشدهم لله يقيناً وأخوفهم له وأعظمهم غناء في دين الله،

وأحوطهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحدبهم على الإسلام وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب

وأفضلهم سوابق وأرفعهم عنده وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل جزاء.

صدقت رسول الله حين كذبه الناس، وكنت عنده بمنزلة السمع والبصر،

سماك الله في تنزله صديقاً فقال: “والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون” الزمر 33

واسيته حين بخلوا وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم الصحبة،

ثاني اثنين صاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة، ورفيقة في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمته

أحسن الخلافة حين ارتدوا، فقمت بالأمر مالم يقم به خليفة نبي ونهضت حين وهن أصحابه،

وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ وهنوا.

تابع:

وكنت كما قال رسول الله: ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله، متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله تعالى،

جليلاً في أعين الناس، كبيراً في أنفسهم، لم يكن لأحدهم فيك مغمر، ولا لقائل فيك مهمز، ولا لمخلوق عندك هوادة

الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه، القريب والبعيد عنك في ذاك سواء،

وأقرب الناس عندك أطوعهم لله عز وجل وأتقاهم، شأنك الحق والصدق والرفق، قولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم

اعتدل بك الدين، وقوى بك الإيمان، وظهر أمر الله، فسبقت -والله- سبقاً بعيداً،

وأتعبت من بعدك إتعاباً شديداً، وفزت بالخير فوزاً مبيناً.

فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله عز وجل قضاءه، وسلمنا له أمره،

والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدأ، كنت للدين عزاً وحرزاً وكهفاً،

فألحقك الله عز وجل بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك.

وصلى عمر عليه، ونزل قبره ومعه عثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن.

وأرسلت عائشة رضي الله عنها إلى عمر العبد الحبشي والبعير الناضح والقطيفة

وأمر الحائط كما وصى أبيها قبل وفاته، فلما جاء الرسول إلى عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض ويقول:

رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *