الثلاثاء , أغسطس 9 2022

العهد المدني في السيرة النبوية | الرحيق المختوم

نتناول في هذه المادة والمختصرة من كتاب الرحيق المختوم، العهد المدني في السيرة النبوية، حيث بدأ النبي صلى الله عليه وسلم تأسيس المجتمع الإسلامي، وتضمن بناء المسجد، وعقد المعاهدات بين المسلمين بعضهم البعض، وبين المسلمين وغير المسلمين.

مراحل العهد المدني

1 ـ مرحلة تأسيس المجتمع الإسلامي، وتمكين الدعوة الإسلامية، وانتهت مع عقد صلح الحديبية 6 هـ‏.‏

2 ـ مرحلة الصلح، ودعوة ملوك الأرض،  وانتهت بفتح مكة 8 هـ‏.‏

3 ـ مرحلة دخول الناس في دين الله أفواجًا‏،‏ وقد امتدت إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم 11 هـ‏.‏

 

سكان المدينة وأحوالهم عند الهجرة

كان بالمدينة أصناف ثلاثة:‏ الصحابة، والمشركون، واليهود.

أولاً: الصحابة:

كان المسلمون يملكون أمرهم بالمدينة على خلاف وضعهم مكة، واعتنوا بمسائل الحضارة والعمران، والمعيشة والاقتصاد، والسياسة والحكومة، والسلم والحرب‏،

وكانوا على قسمين: الأنصار الذين يملكون الأرض، والمهاجرون الذين لا مأوى ولا مال لهم.

ثانياً المشركون:

هم من صميم قبائل المدينة لكنهم لم يكيدوا بالإسلام والمسلمين، وأسلموا بعد مدة قصيرة،

وكان من بين المشركين من ادعى الإسلام وأبطن الكفر والعداوة للرسول مثل عبد الله بن أبي بن سلول.‏

ثالثاً اليهود:

كانوا في أصلهم عبرانيين، وكانوا يحتقرون العرب،

ولم يكونوا متحمسين في نشر دينهم، وإنما جل بضاعتهم الدينية هي‏:‏ الفأل والسحر والنفث والرقية وأمثالها،

وبذلك كانوا يرون أنفسهم أصحاب علم وفضل وقيادة روحانية‏، وكانوا مَهَرَةً في فنون الكسب والمعيشة،

وكانوا أكالين للربا، وكانوا أصحاب دسائس ومؤامرات وعتو وفساد؛

يلقون العداوة والشحناء بين القبائل العربية المجاورة.

ولليهود ثلاث قبائل مشهورة‏ بالمدينة:‏

بنو قَيْنُقَاع، وبنو النَّضِير‏، وبنو قُرَيْظة‏،

وكانت هذه القبائل هي التي تثير الحروب بين الأوس والخزرج منذ أمد بعيد‏.‏

وكانوا ينظروا إلى الإسلام بعين البغض والحقد؛

فالرسول ليس من أبناء جنسهم، ودعوة الإسلام تؤلف القلوب، وتطفئ نار العداوة والبغضاء، وتمنع الحرام، فيتضرر نشاط اليهود التجاري.

 

الظروف الداخلية بالمدينة‏:

كانت المدينة تحاط بمن يدينون لقريش صاحبة الصدارة الدنيوية والزعامة الدينية بين أوساط العرب،

فأغرت قريش مشركي الجزيرة ضد أهل المدينة فأصبحت المدينة في حالة شبه مقاطعة تجارية، وأصبحت محفوفة بالمخاطر.

فرغم هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة إلا أن حالة الحرب بين كفار مكة ومسلمي المدينة ما زالت قائمة،

فكانت قريش ألد أعداء المسلمين، وهى التي اتبعت مع المسلمين أساليب الإرهاب والتهديد والمضايقة والتعذيب، والمقاطعة والتجويع، والتنكيل،

وشنت عليهم حربًا نفسية مضنية مع دعاية واسعة منظمة، واستولت على أملاك المسلمين بعد هجرتهم،

وحالت بينهم وبين أزواجهم وذرياتهم، وحبست وعذبت من قدرت عليه، وتآمرت على الفتك بالنبي.

 

المرحلة الأولى: بناء مجتمع جديد

بناء المسجد النبوي

نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في بني النجار يوم الجمعة ‏12 ربيع الأول سنة 1 هـ،

وقد نزل في أرض أمام دار أبي أيوب، وقال‏:‏ ‏[‏هاهنا المنزل إن شاء الله‏]‏، ثم انتقل إلى بيت أبي أيوب رضي الله عنه.

ثم بنى المسجد النبوي في المكان الذي بركت فيه ناقته صلى الله عليه وسلم،

فاشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وأسهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبِن والحجارة.

وقد قطع النخل والشجر، وصفت في قبلة المسجد، وكانت القبلة إلى بيت المقدس، وبني بجانب المسجد بيوتًا بالحجر واللبن، ثم انتقل إليها من بيت أبي أيوب‏.‏

كان المسجد موضعًا للصلاة، وجامعة لتعاليم الإسلام، ومنتدى لتآلف القبائل، وقاعدة للإدارة،

وبرلمان للمجالس الاستشارية والتنفيذية، كما كان مسكناً لفقراء المهاجرين الذين لم يكن لهم هناك دار‏.‏

وشرع الأذان، بعد رؤيته في المنام لعبد الله بن زيد بن عبد ربه ، ووافقت رؤياه رؤيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأقره النبي صلى الله عليه وسلم ‏.‏

 

المؤاخاة بين المسلمين

قال ابن القيم‏:‏

ثم أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك،

وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار،

أخي بينهم على المواساة، ويتوارثون بعد الموت دون ذوى الأرحام إلى أن رد التوارث إلى الأرحام بعد غزوة بدر.‏

وقد امتزجت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة وإسداء الخير في هذه الأخوة، وملأت المجتمع الجديد بأروع الأمثال‏.‏

روى البخاري‏:‏

أنهم لما قدموا المدينة أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن وسعد ابن الربيع، فقال لعبد الرحمن‏:‏

إني أكثر الأنصار مالًا، فاقسم مالى نصفين، ولى امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها،

قال‏:‏ بارك الله لك في أهلك ومالك، وأين سوقكم‏؟‏ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقِطٍ وسَمْنٍ،

ثم تابع الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر صُفْرَة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏مَهْيَمْ‏؟‏‏]‏ قال‏:‏ تزوجت‏.‏ قال‏:‏ ‏[‏كم سقت إليها‏؟‏‏]‏ قال‏:‏ نواة من ذهب‏.‏

 

ميثاق التحالف الإسلامي:

قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقد معاهدة لإيجاد وحدة إسلامية شاملة‏.‏ وفيما يلى بنودها ملخصًا‏:‏

هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم‏:‏ (ومن بنودها)

  • إنهم أمة واحدة من دون الناس‏.‏
  • ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر‏.‏
  • ولا ينصر كافرًا على مؤمن‏.‏
  • وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم‏.‏
  • وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم‏.‏
  • وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن‏.‏
  • وإنكم مهما اختلفـتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله ـ عز وجل ـ وإلى محمـد صلى الله عليه وسلم‏.‏

 

أثر المعنويات في المجتمع:

بهذه الحكمة وبهذا التدبير أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد مجتمع جديد،

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم بالتعليم والتربية، وتزكية النفوس، والحث على مكارم الأخلاق،

ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة‏.‏

قال عبد الله بن سلام‏:‏

لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جئت، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما قال‏:‏

[‏يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام‏]‏

وكان يقول‏:‏ ‏[‏لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه‏]‏

ويقول‏:‏ ‏[‏المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده‏]‏

ويقول‏:‏ ‏[‏لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه‏]‏

ويقول‏:‏ ‏[‏المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله‏]‏‏.‏

بمثل هذا استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يبني في المدينة أروع وأشرف مجتمع عرفة التاريخ،

وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلاً ،

وبمثل هذه المعنويات الشامخة تكاملت عناصر المجتمع الجديد الذي واجه كل تيارات الزمان حتى صرف وجهتها، وحول مجرى التاريخ والأيام.

 

معاهدة مع اليهود:

بعد أن أقام رسول الله صلى الله وعليه وسلم الوحدة العقدية والسياسية والنظامية بين المسلمين، بدأ بتنظيم علاقاته بغير المسلمين‏.‏

وأقرب من كان يجاور المدينة من غير المسلمين هم اليهود، فعقد معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدة قرر لهم فيها النصح والخير،

وترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال، ولم يتجه إلى سياسة الإبعاد أو المصادرة والخصام‏، ومن بنود المعاهدة‏:‏

  • إن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، وكذلك لغير بنى عوف من اليهود‏.‏
  • وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم‏.‏
  • وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة‏.‏
  • وإن بينهم النصح والنصحية، والبر دون الإثم‏.‏

وبهذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة وفاقية، عاصمتها المدينة، وقائدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين‏.‏

تعليق واحد

  1. صلى الله عليه وسلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.