خطبة عن استقبال شهر رمضان مكتوبة

هذه خطبة عن استقبال شهر رمضان مكتوبة للدكتور السيد العربى عن استقبال شهر رمضان وتتناول كيف نستقبل الشهر وكيف نغتنمه.

قد يهمك متابعة هذه الروابط:

 

شهر رمضان المبارك | ملف خاص

خطبة عن استقبال شهر رمضان مكتوبة

تقديم :

إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمد عبده ورسوله اللهم صلى على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وآل بيته كما صليت على آل ابراهيم انك حميد مجيد.

“يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ” 102: آل عمران .

“يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَـقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا” 1 : النساء .

“يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلً سَدِيدًا * يُصْلِـحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا” 71 : الأحزاب

 أما بعد :

فأن أصدق الحديث كتاب الله , وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها , وكل محدثة بدعة , وكل بدعة ضلالة , وكل ضلالة فى النار, وبعد

فان شهر رمضان من الأزمان التي لها عند المسلمين مكانةٌ عظيمةٌ, هذه المكانة ليست مجرد شجون وتقدير, بل مكانةٌ ترتبط بها القلوب والأبدان لما تجده النفوس من بهجةٍ وفرحةٍ واطمئنان وحب للخيرات وفعل للطاعات.

والناس فى رمضان تختلف مسالكهم عن غير رمضان، فيجتمعون فى البيوت للإفطار حتى تخلو الطرقات،  ويجتمع الناس على قيام رمضان, وتمتلئ المساجد فى صلاة الفجر, وهذا وغيره يدل على تلك المكانة التى هى لهذا الشهر.

وتلك المكانة تتفاوت فى قلوب المسلمين، “إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى”، فبين مقدر لقدره ومضيع , وكاسب وخاسر , وموفق ومغبون , وضال ومهتد , وتقى وفاجر عافانا الله من التضيع والخسران والغبن والضلال والفسوق والكفران وجعلنا بفضله ومنه وجوده من المؤمنين الفائزين فى الدنيا والأخرة فى رمضان وغيره من شهور العام

 

أيها الاخوة الكرام

كيف نستقبل..ونغتنم.. رمضان ؟

لو أن لك قريب أو عزيز عليك , غاب عنك أحد عشر شهرا ثم علمت بمجيئه اليك زائرا عما قريب , ماذا أنت صانع لملاقاة واستضافة هذا الضيف؟.. وكيف هو الحال اذا كان هذا الزائر هو شهر رمضان المبارك ؟

 

أتدري ما هو شهر رمضان ؟

هــــــو الشهر الذى أنزل الله فيه القرآن. “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ”.

وهــــــو الشهر الذى ابتعث الله فيه نبيه وخاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم .

وهــــــو الشهر الذى جعل الله منه الى رمضان ما بعده كفارة، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر.

وهــو الشهر الذى في أول لياليه من الخير اسمع : روى البخارى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين.

وهــو الشهر الذى جعل الله فيه لأصحاب الذنوب والخطايا المخرج، روى مسلم عن أبى هريرة حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.

وهــو الشهر الذى جعل الله فيه العمرة كحجة، فعند البخارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: … عمرة في رمضان تعدل حجة. متفق عليه.

قوله : “عمرة في رمضان تعدل حجة” في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض.

وهــو : الشهر الذى جعل الله فيه ليلة هى خير من ألف شهر فى دين وعمل العبد المؤمن : “ليلة القدر خير من ألف شهر”

فكيف نستقبل هذا الضيف المكرم ؟

 

كــــــــــــــــيف؟

لكم أسأنا استقبال هذا الضيف وهو ضيف كريم يأتى بالهدايا الكثيرة النفع التى يحتاجها كل واحد. فأي الفريقين تحب أن تكون؟ من الفريق المضيع والمستهتر والمغبون أم من أهل الحكمة وشكر النعمة، أهل تقدير العطايا والمنح الربانية، الذين يرجون ثواب ربهم؟

أهل الحكمة هم من يطلبون النجاة ويسلكون مسالكها فيعرفون لرمضان قدره ويستقبلونه بالتوبة وفعل الخيرات وترك المنكرات.

يحكى عن السلف أنهم كانو يظلون ستة أشهر يدعون ربهم أن يبلغَهم رمضان , فاذا جاء أحسنوا استقباله , فاذا رحل عنهم ظلوا ستة أشهر بعده يسألون الله قبول ما قدموا فيه.

أرأيت كيف كان حالهم … وكيف صار حالنا , نسأل الله أن يصلحنا ويصلح بنا ويحسن مآلنا ويجعلنا فى شهر رمضان من الفائزين.

كان السلف أذا انقضى رمضان يقولون رمضان سوق قام ثم انفض ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر , اللهم اجعلنا فيه وفى سائر ايامنا وأعمارنا من الرابحين المفلحين

كم من مرات جعلناه يرحل عنا وهو حزين لا يرى منا الا الجرى وراء الدنيا والرضى بالدنية فى الدين , والميل مع الذين يتبعون الشهوات.

كم زهدنا فى آخرتنا، وفرطنا في الفرصة، بفعل المنكرات , وسهرٌ أمام التلفاز؟ كم رحل عنا رمضان وهو يرى حال المسلمين المتردى وما أحوجهم إلى خير رمضان الذى جعله الله لعباده التائبين.

يأتي رمضان ونحن نعانى من حالة انهزامية وحب للدنيا، يأتى رمضان ونحن نلعق مرار تسلط اليهود على بيت المقدس وتكبرهم علينا حكاما ومحكومين, دولا وجماعات وأفراد, نلعق مرارة الإبادة التي يشنها الأعداء على المسلمين، وانتهكو حرماتهم وهدموا وخربوا أرضهم وانتهكوا أعراضهم،…فانا لله وانا اليه راجعون.

يأتى رمضان ونحن مستضعفون وقد أنهكتنا ذنوبنا وشهواتنا

ان أردنا الخلاص فلنكن من أولائك الذين يقدرون هذا الضيف قدره، ويتنعمون بكثير الفضائل والكرائم والهبات والهدايا والنعم الربانية التى يبعث بها الله تعالى مع هذا الضيف العزيز

لابد أن نجعل استقبالنا لهذا الضيف الكريم نقطة تحول فى حياتنا الايمانية وفى انفسنا :

أولاً: التوبة

نتوب من كثرة الذنوب والمعاصى التى لا تنتهى مثل شرب الدخان والتبرج والكسب الحرام والنظر الى المحرمات وإساءة التربية للأولاد، واتباع خطوات الشيطان.

لابد اذا من التحول من هذا الحال الى العكس، بتغيير النفس , والمجاهدة فى الخروج من هذا الأسر، أسر الدنيا, أسر الشهوات وحب المال، قال تعالى:” إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ….”

ولن يكون ذلك الا أن تبدأ بالتوبة , ولا نستخف بعيوبنا وذنوبنا وكأنها شئ هين، فعند البخارى عن الحارث بن سويد حدثنا عبدالله بن مسعود حديثين أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عن نفسه قال إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا قال أبو شهاب بيده فوق أنفه.

فلابد من التغيير والهجرة الى الله تعالى دون مكابرة، ولنجعل من رمضان معسكر توبة نتحول فيه من المعاصى والسيئات الى الطاعات وفعل الخيرات.

قال تعالى: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” 8 : التحريم

وقال تعالى: “وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ” 90 :هود

وقد شدد الله تعالى على من لم يتب فقال تعالى: “وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ” 11 : الحجرات..

فيا أخى : إن أردت أن يتوب الله عليك وتنجو من حالك السئ قبل الموت فتب قال تعالى: “إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ” 160 : البقرة

ياأخى الكريم: ان اردت أن يحبك الله فتب قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ” 222 :البقرة …

يا أخى فى الله: ان أردت أن يأتيك الله الأجر الذى يمكن أن يكون سببا للخلاص من ورطة الذنوب فتب قال تعالى: “إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا” 146 : النساء…

ومع هذا كله فانه جل وعلا يطلب منك الرجوع إليه تعالى , ويفتح لك بابا من أوسع الأبواب لترجع منه , وحتى لاتجد الطريق ضيقا فقد وسع الله  فى باب التوبة وجعله مفتوحا على مصرعيه للعبد طيلة حياته مالم يغرغر , أو تطلع الشمس من مغربها [ يعنى وقت الساعة ]

وليس هذا فحسب بل ان الغنى عنك وعن العالمين سبحانه, من يفتقر له كل من فى السموات والأرض , يفرح بتوبة عبده التائب ففى الحديث الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:

” “لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض فلاة دوية مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله تعالى أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته” متفق عليه من حديث ابن مسعود وأنس.

زاد مسلم في حديث أنس “ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح” ورواه مسلم بهذه الزيادة من حديث النعمان بن بشير…

أرأيت أخى كيف يفرح الله بتوبة العبد من أن العبد هو المحتاج والله هو الغنى , ياللعجب الفقير العاجز دائم الحاجة لا يفرح بالتوبة وهو فى أشد الحاجة اليها , كن أخى من الفرحين بالتوبة التى لعل وراءها رحمة رب العالمين سبحانه..

قال تعالى : “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ” 58: يونس…..

فهذا من أول ما ينبغى أن نجعله من أعمالنا فى أستقبال شهر رمضان لنكون ممن يستقبله استقبالا حسنا …..

 

 وثانـــيا : كن من أهل الشرف

أن تجعل من رمضان سببا لنيل الشرف وأن تكون من أهل الشرف خروجا من قهر الذل ذل المعاصى والانهزامية.

وليس  الشرف فى عضوية مجلس الشركاء, وليس الشرف فى جمع الأموال والاستكثار من التجارة والربح في المواسم.

نعم رمضان موسم … ولكن للبر والحسنات لا للجنيهات والريالات…نعم هو موسم …للبر والطاعات لا للمكاسب والتجارات….

الشرف هنا هو قيام الليل ففى الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :” أتاني جبريل فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس”… أخرجه الحاكم وقال الألبانى حسن

وفى الحديث “من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”……القيام وما أدراك ما القيام ذلك البر الذى لما تركه المسلمون تركوا معه سببا عظيما من أسباب عزهم.

 

وثــالــثا:… ادخال السرور على أخيك :

إن دخول شهر رمضان على المسلمين هو دخول الغوث عليهم فى دينهم ودنياهم , فأبواب الفرج تتفتح وفى الحديث “اذا كان رمضان فتحت أبواب الخير” ولم يقيد أو يستثن

وهذا معناه أن كل أبواب الخير الدنيوية والأخروية تفتح , وكلنا يشهد بذلك ويحسه , حتى أن الناس تقول “رمضان الرزق فيه واسع”

ومن هذا المنطلق لابد أن تجعل من رمضان باب خير عليك وعلى أهل بيتك , فلا مانع من التوسيع على أهل بيتك بلا تكلف واسراف , والتوسيع على أخوانك من أرحامك ومن جيرانك ومن أصحابك هو من أفضل الأعمال.

ففى الحديث الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ” أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا، أو تقضي عنه دينا، أو تطعمه خبزا “….. أخرجه ابن أبي الدنيا وقال الألبانى حسن

أرأيت أخى كيف أن ادخال السرور على أخيك من أفضل الأعمال وهذا الفضل يزداد أذا كان جارا ففي البخاري في الأدب قال صلى الله عليه وسلم :” ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه ”

 

 ورابــــعا : حسن الخلق ولين الجانب والألفة :

فلنجعل من رمضان نقطة تحول من سوء الخلق والفظاظة الأحقاد والغل وسوء الطوية وسوء معاشرة الأزواج، والخروج من كبر النفس , والتعالى, وتقطيع الأرحام, وفحش اللسان والكذب والخيانة والغيبة والنميمة.

فلنتحول من ذلك كله, نجعل من أيام هذا الشهر معسكرا تربويا , نقيم أنفسنا فيه على الأخلاق الحسنة، ففى الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم:” إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم”…… أبو داود وابن حبان وقال الألبانى صحيح.

ويكفى أن تعرف أن النبى صلى الله عليه وسلم سمى ووصف البر بأنه حسن الخلق كما فى الحديث : ” البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس”.أخرجه البخاري في الأدب وصحيح مسلم والترمذي عن النواس بن سمعان

أن يأمنك الناس وتهجر المعاصى فذلك ثمرة حسن الخلق: ففى الحديث:”المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهـم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب”. ابن ماجة وقال الألبانى صحيح.

والألفة من شيم المؤمنين :  ففى الحديث :” المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس”….أخرجه الدارقطني

وفى الحديث : ” المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم”…..أخرجه أبو داود والترمذي

والصبر على أذى الناس من الايمان لأنه من عظيم حسن الخلق : ففى الحديث : ” المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم”…أخرجه أحمد والبخاري في الأدب

أرأيت أخى هذا بعض ما فى حسن الخلق من فضائل وخيرات وبركات , فلنجعل من رمضان بداية عهد جديد , فلنستقبل رمضان بحسن الخلق ولين الجانب وحسن الطوية ومحاولة الاتلاف فيما بيننا عسى ربنا أن يرحمنا

 

 وخامــــسا: المؤمن عف اللسان :

إن سوء اللسان من سوء الخلق ولكنه أخطره، ولعل أسباب الشقاق وعدم الألفة والتفرق بين الأصحاب، والعداوة بين الأولياء والأرحام والأصهار، وبين الرجل وامرأته، بسبب اللسان.

نعم إن للسان خطورة شديدة ومن أعظمها، سب المؤمن: ففى الحديث الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ” ساب المؤمن كالمشرف على الهلكة”. الطبراني, وفى صحيح الجامع حسن .

وفى الحديث :”ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذي”…..

وفى الحديث ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده…”

ولهذا ينبغى أن نعلم أن فرقة الصف , وتفرق الجمع يرجع لأسباب من أعظمها التلاعن, كجماعة تلعن أختها،  وكفرد يلعن من ليس فى حزبه أو جماعته, وهذا لا يُرضى الا أعداء الاسلام الذين يسعون فى المسلمين بمبدأ فرق تسد.

فلهذا أخى الكريم ينبغى أن نتفطن لما أوقعنا فيه عدونا , وقد ذقنا مرارة التفرق والتلاعن والسب والمقاتلة حتى كدنا نستنزف لصالح أعدائنا , لنتنبه الى مثل هذه الأمور العظام ونخرج أنفسنا من ورطة الغفلة التى وضعنا فيها بعدنا عن ديننا, وتربص ومكر أعدائنا.

مقاطعة للسب والتلاعن والتهاجر , ونجعل من دخول رمضان علينا نقطة تحول الى الوحدة والتماسك والترابط كالبنيان , ونذر كل سبب للفرقة والشرزمة ولنتخذ من عفة اللسان وحسن الكلام سبيلا الى ذلك والله المستعان

 

وســـادســـا:  رحمة الصغير واحترام الكبير :

إننا نعانى من أزمة احترام وتقدير لكل صاحب شأن، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : “ليس منا من لم يجل كبيرنا , ويرحم صغيرنا , ويعرف لعالمنا حقه ” أخرجه أحمد والحاكم, وفى صحيح الجامع حسن .

العطف والاحترام فى محله وبضوابطه, هو سبب كبير ومؤثر فى دعوتنا وفى مسالكنا وآدابنا وديننا وايماننا، يقول الله تعالى :” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” 159 : آل عمران

فهذا يا أخى بيان من الله تعالى يبين فيه أن من أعظم أسباب نجاح الدعوة الى الله واجتماع رباط المسلمين حول قائدهم هو الرحمة والاحترام والتقدير لكل ذى منزله , واللين الباعث على الألفة والترابط , وأن الغِلظة والفظاظة تبعث على الفرقة والعداوة والانفضاض.

فلنجعل من هذا منطلقاً لإستقبالنا لرمضان ومبعث حنو واحترام وتقدير وتراحم بيننا.

 

ســـابــعا: الصدقة:

وما أدراك ما الصدقة وما أثرها فى القلوب والأبدان والأموال والأجر , وخاصة فى شهر الصدقات والجود والكرم.

قال تعالى:” قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ” 263 : البقرة

وقال تعالى:” مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ” 261 : البقرة …

وقال تعالى:” إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ” 18 : الحديد

فالصدقة من أعظم أسباب فكاك النفس من قيد الشيطان واخراجها من سلطانه وهى من أعظم ما يصد عنه الشيطان والعياذ بالله تعالى:  ففى الحديث الصحيح انه صلى الله عليه وسلم قال : ” ما يخرج رجل شيئا من الصدقة حتى يفك عنها لحي سبعين شيطانا” أخرجه أحمد والحاكم, وفى صحيح الجامع صحيح .

والصدقة من أسباب التداوى ففى الحديث الصحيح : أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ” داووا مرضاكم بالصدقة” أخرجه ابو الشيخ فى الثواب عن ابى امامة, وفى صحيح الجامع حسن .

ومن المهم أن نعرف بعض ما يعظم أجر الصدقة فمن ذلك :

ما جاء فى الحديث الصحيح : ” أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان.” متفق عليه .

وفى الحديث أيضا : “أفضل الصدقة جهد المقل، وابدأ بمن تعول”….أخرجه أبو داود والحاكم وفى صحيح الجامع صحيح .

وأحرص أخى فى أمر التصدق على ذوى الأرحام ففى الحديث الصحيح ان النبى صلى الله عليه وسلم قال : ” الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة الرحم”…..أخرجه أحمد

فاحرص أيها المريد للخير أن تجعل من استقبالك لرمضان نقطة انطلاق الى رحابة البذل خروجا من قيد الشح والبخل وتذكر قول الله تعالى : { هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ” 38 :محمد .

 

الثامـــــن: مجاهدة النفس

لابد للمؤمن الذى تتوق نفسه بصدق الى الجهاد فى سبيل الله… لابد له من تربية النفس وتخليصها مما يهلكها, لابد أن يجعل من الدنيا سجن عما حرم الله وعما يفسد الدين وينقص الايمان, ففى الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر”. أخرجه مسلم

واذا أفلح العبد فى مجاهدة نفسه لعله يفلح باذن الله فى الجهاد سواء بالسيف أو باللسان ففى الحديث ان النبى صلى الله عليه وسلم قال:” إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه”… أخرجه أحمد

فلنغتنم رمضان بصيامه , وقيامه , والتصدق , والتلاوة القرآنية و الذكر الدائم وبذل المعروف , ,وافطار الصائمين, وادخال السرور على الضعفاء والمساكين, وصلة الأرحام والاحسان الى الجيران , وحسن الخلق مع الأهل والأصحاب والعشيرة , والأزواج والذرية، والأمر بالمعروف برفق ومعروف واصلاح.

 

تـاســـعا: الطريق القصد :

قال تعالى: “وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 153 : الأنعام

وقال تعاللى : “قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ” 108 : يوسف

فاحرص أخى على طلب الهدى واتباعه فهو سبيل مرضات الله تعالى ومن كان يحب الله فليأت بالبرهان وهو اتباع الرسول وهديه ومن كان يطلب محبة الله فالطريق اليها هو اتباع الرسول وهديه :….

قال تعالى: “قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ” 31 : آل عمران

فعليك أخى أن تنطلق فى رمضان….. ونفسك طيعة تلين لك فى فعل البر لينا لاتجده منها فى غير رمضان….أغتنم هذا اللين وانطلق فى معسكر البر والخير الى ما ينبغى أن تنطلق اليه وهو تربية النفس.

وهذا الأمر العظيم يبدأ من العلم والتعلم , نعم قد يكون الانسان ذو همة واخلاص ولكنه جاهل , فعندئذ قد يفسد فى دينه أكثر مما يصلح , فالطريق القصد المستقيم الذى يوصل الى الحق واقامة النفس على ما يرضى الرب ويبعث على محبته هو إتباع السنة علما وعملا.

 

ثم العـاشــر: كن مؤمنا :

عرفنا فيما سبق ان شهر رمضان هو خير الشهور على المؤمنين , وشر الشهور على المنافقين , ومن أعظم علامات النفاق هى الانكسار أمام الفتن, كما تنكسر الأزرة أمام الريح, بينما المؤمن مثل السنبلة تميل مع الريح ثم تعود قائمة لاتنكسر, عفانا الله من النفاق وشؤمه , وجعَلنا من أهل الإيمان الصادقين المخلصين

ففى الحديث :” مثل المؤمن كمثل خامة الزرع: من حيث أتتها الريح كفتها، فإذا سكنت اعتدلت؛ وكذلك المؤمن. يكافأ بالبلاء. ومثل الفاجر كالأرزة: صماء معتدلة حتى يقصمها الله تعالى إذا شاء ” . متفق عليه

وفى الحديث : ” مثل المؤمن مثل السنبلة: تميل أحيانا، وتقوم أحيانا “…..أخرجه أبويعلي.

وفى الحديث :” مثل المؤمن مثل السنبلة: تستقيم مرة، وتَخِر مرة. ومثلُ الكافر مثل الأرزة: لا تزال مستقيمة حتى تخر ولا تشعر”…..أخرجه أحمد.

ولذلك ينبغى أخى أن تجعل من رمضان وما فيه من صنائع المعروف بداية عهد جديد وباب عظيم لمراجعة النفس طلبا للخلاص من النفاق ,حتى يكون رمضان لك من خير الشهور , ولأن الفوز مع الاخلاص , والهلاك مع النفاق ,عافانا الله بفضله وجوده وكرمه.

 

هذا وما كان صواباً فمن الله وحده وما كان سهوا أو خطأً فمنى ومن الشيطان….والحمد لله رب العالمين…

وصلى اللهم وسلم على محمدٍ وصحبه أجمعين …..سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.