آيات الصيام (1) | تفسير في ظلال القرآن

نتناول فيما يلي تفسير آيات الصيام من كتاب “في ظلال القرآن” لسيد قطب، وفي هذا الجزء نتناول شرح الآية “كتب عليكم الصيام..” والتعرض للغاية من الصوم، والحديث عن فقه الرخص والتيسير، وأمر المترخصون والمتشددون، وعرض نماذج السنة في حالات السفر.

قد يمهك متابعة هذه الروابط:

شهر رمضان المبارك | ملف خاص

آيات الصيام | تفسير في ظلال القرآن

غاية الصوم

يبدأ التكليف بذلك النداء الحبيب إلى المؤمنين، المذكر لهم بحقيقتهم الأصيلة; ثم يقرر لهم – بعد ندائهم ذلك النداء – أن الصوم فريضة قديمة على المؤمنين بالله في كل دين، وأن الغاية الأولى هي إعداد قلوبهم للتقوى والشفافية والحساسية والخشية من الله:

يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ..

وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم .. إنها التقوى.. فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله، وإيثارا لرضاه. والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه.

فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم. وهذا الصوم أداة من أدواتها، وطريق موصل إليها. ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفا وضيئا يتجهون إليه عن طريق الصيام.. لعلكم تتقون .

 

الرخص والتيسير

ثم يثني بتقرير أن الصوم أيام معدودات، فليس فريضة العمر وتكليف الدهر. ومع هذا فقد أعفي من أدائه المرضى حتى يصحوا، والمسافرون حتى يقيموا، تحقيقا وتيسيرا:

أياما معدودات. فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ..

وظاهر النص في المرض والسفر يطلق ولا يحدد . فأي مرض وأي سفر يسوغ الفطر، على أن يقضي المريض حين يصح والمسافر حين يقيم.

وهذا هو الأولى في فهم هذا النص القرآني المطلق، والأقرب إلى المفهوم الإسلامي في رفع الحرج ومنع الضرر. فليست شدة المرض ولا مشقة السفر هي التي يتعلق بها الحكم إنما هي المرض والسفر إطلاقا، لإرادة اليسر بالناس لا العسر.

ونحن لا ندري حكمة الله كلها في تعليقه بمطلق المرض ومطلق السفر; فقد تكون هناك اعتبارات أخرى يعلمها الله ويجهلها البشر في المرض والسفر; وقد تكون هناك مشقات أخرى لا تظهر للحظتها، أو لا تظهر للتقدير البشري.. وما دام الله لم يكشف عن علة الحكم فنحن لا نتأولها; ولكن نطيع النصوص ولو خفيت علينا حكمتها. فوراءها قطعا حكمة. وليس من الضروري أن نكون نحن ندركها.

 

المترخصون والمتشددون

يبقى أن القول بهذا يخشى أن يحمل المترخصين على شدة الترخص، وأن تهمل العبادات المفروضة لأدنى سبب. مما جعل الفقهاء يتشددون ويشترطون. ولكن هذا – في اعتقادي – لا يبرر التقييد فيما أطلقه النص. فالدين لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات، إنما يقودهم بالتقوى. وغاية هذه العبادة خاصة هي التقوى.

والذي يفلت من أداء الفريضة تحت ستار الرخصة لا خير فيه منذ البدء، لأن الغاية الأولى من أداء الفريضة لا تتحقق. وهذا الدين دين الله لا دين الناس.

والله أعلم بتكامل هذا الدين، بين مواضع الترخص ومواضع التشدد; وقد يكون وراء الرخصة في موضع من المصلحة ما لا يتحقق بدونها. بل لا بد أن يكون الأمر كذلك. ومن ثم أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يأخذ المسلمون برخص الله التي رخصها لهم.

وإذا حدث أن فسد الناس في جيل من الأجيال فإن إصلاحهم لا يتأتى من طريق التشدد في الأحكام; ولكن يتأتى من طريق إصلاح تربيتهم وقلوبهم واستحياء شعور التقوى في أرواحهم.

وإذا صح التشدد في أحكام المعاملات عند فساد الناس كعلاج رادع، وسد للذرائع، فإن الأمر في الشعائر التعبدية يختلف، إذ هي حساب بين العبد والرب، لا تتعلق به مصالح العباد تعلقا مباشرا كأحكام المعاملات التي يراعى فيها الظاهر.

والظاهر في العبادات لا يجدي ما لم يقم على تقوى القلوب. وإذا وجدت التقوى لم يتفلت متفلت، ولم يستخدم الرخصة إلا حيث يرتضيها قلبه، ويراها هي الأولى، ويحس أن طاعة الله في أن يأخذ بها في الحالة التي يواجهها.

أما تشديد الأحكام جملة في العبادات أو الميل إلى التضييق من إطلاق الرخص التي أطلقتها النصوص، فقد ينشئ حرجا لبعض المتحرجين. في الوقت الذي لا يجدي كثيرا في تقويم المتفلتين.. والأولى على كل حال أن نأخذ الأمور بالصورة التي أرادها الله في هذا الدين. فهو أحكم منا وأعلم بما وراء رخصه وعزائمه من مصالح قريبة وبعيدة.. وهذا هو جماع القول في هذا المجال.

 

نماذج السنة في حالات السفر

بقي أن نثبت هنا بعض ما روي من السنة في حالات متعددة من حالات السفر، في بعضها كان التوجيه إلى الفطر وفي بعضها لم يقع نهي عن الصيام، وهي بمجموعها تساعد على تصور ما كان عليه السلف الصالح من إدراك للأمر، قبل أن تأخذ الأحكام شكل التقعيد الفقهي على أيدي الفقهاء المتأخرين.

وصورة سلوك أولئك السلف – رضوان الله عليهم – أملأ بالحيوية، وألصق بروح هذا الدين وطبيعته، من البحوث الفقهية; ومن شأن الحياة معها وفي جوها أن تنشئ في القلب مذاقا حيا لهذه العقيدة وخصائصها:

1 – عن جابر – رضي الله عنه – قال: خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس. ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس، ثم شرب. فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة. أولئك العصاة ..

“أخرجه مسلم والترمذي “.

2 – وعن أنس رضي الله عنه – قال: كنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في سفر، فمنا الصائم ومنا المفطر. فنزلنا منزلا في يوم حار، أكثرنا ظلا صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده. فسقط الصوام وقام المفطرون، فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – ذهب المفطرون اليوم بالأجر..

أخرجه الشيخان والنسائي .

3 – وعن جابر – رضي الله عنه – قال: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – في سفر، فرأى رجلا قد اجتمع عليه الناس، وقد ظلل عليه. فقال: ما له؟ فقالوا: رجل صائم. فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : “ليس من البر الصوم في السفر .. ”

أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والنسائي .

4 – وعن عمرو بن أمية الضمري – رضي الله عنه – قال: قدمت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من سفر. فقال: انتظر الغداء يا أبا أمية . قلت: يا رسول الله إني صائم. قال: إذا أخبرك عن المسافر. “إن الله تعالى وضع عنه الصيام ونصف الصلاة” .

أخرجه النسائي

5 – وعن رجل من بني عبد الله بن كعب بن مالك اسمه أنس بن مالك قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إن الله تعالى وضع شطر الصلاة عن المسافر وأرخص له في الإفطار وأرخص فيه للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما.

أخرجه أصحاب السنن.

6 – وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: سأل حمزة بن عمرو الأسلمي – رضي الله عنه – رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الصوم في السفر. “وكان كثير الصيام” فقال: “إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر” .

أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي .

وفي رواية أخرى وكان جلدا على الصوم .

7 – وعن أنس – رضي الله عنه – قال: كنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – فمنا الصائم ومنا المفطر. فلا الصائم يعيب على المفطر، ولا المفطر يعيب على الصائم .. أخرجه مالك والشيخان وأبو داود .

8 – وعن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال: خرجنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وابن رواحة رضي الله عنه.. “أخرجه الشيخان وأبو داود .

9 – وعن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك – رضي الله عنه – في رمضان وهو يريد سفرا. وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب سفره، فدعا بطعام فأكل. فقلت له: سنة؟ قال: نعم. ثم ركب..

“أخرجه الترمذي “.

10 – وعن عبيد بن جبير قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري – صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم – رضي الله عنه في سفينة من الفسطاط في رمضان. فدفع فقرب غداؤه، فقال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ؟ فأكل وأكلت.. “أخرجه أبو داود ” .

11 – وعن منصور الكلبي : أن دحية بن خليفة – رضي الله عنه – خرج من قرية من دمشق إلى قدر قرية عقبة من الفساط، وذلك ثلاثة أميال، في رمضان. فأفطر وأفطر معه ناس كثير. وكره آخرون أن يفطروا.

فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أن أراه. إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه. اللهم اقبضني إليك.. “أخرجه أبو داود ” ..

 

خلاصة الأحاديث

فهذه الأحاديث في جملتها تشير إلى تقبل رخصة الإفطار في السفر في سماحة ويسر. وترجح الأخذ بها. ولا تشترط وقوع المشقة للأخذ بها كما يشير إلى ذلك الحديثان الأخيران بوجه خاص.

وإذا كان الحديث الثامن منها يشير إلى أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وحده ظل مرة صائما مع المشقة هو وعبد الله بن رواحة، فقد كانت له – صلى الله عليه وسلم – خصوصيات في العبادة يعفي منها أصحابه.

كنهيه لهم عن مواصلة الصوم وهو كان يواصل أحيانا. أي يصل اليوم باليوم بلا فطر. فلما قالوا له في هذا، قال: إني لست مثلكم، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني .. “أخرجه الشيخان”

وثابت من الحديث الأول أنه أفطر وقال عن الذين لم يفطروا: أولئك العصاة. أولئك العصاة. وهذا الحديث متأخر – في سنة الفتح – فهو أحدث من الأحاديث الأخرى. وأكثر دلالة على الاتجاه المختار..

والصورة التي تنشأ في الحس من مجموع هذه الحالات.. أنه كانت هناك مراعاة لحالات واقعية، تقتضي توجيها معينا – كما هو الشأن في الأحاديث التي تروى في الموضوع العام الواحد، ونجد فيها توجيهات متنوعة – فالرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يربي وكان يواجه حالات حية. ولم يكن يواجهها بقوالب جامدة

ولكن الانطباع الأخير في الحس في أمر الصوم في السفر هو استحباب الفطر، دون تقيد بحصول المشقة بالفعل..

 

رخص المرض

أما المرض فلم أجد فيه شيئا إلا أقوال الفقهاء، والظاهر أنه مطلق في كل ما يثبت له وصف المرض، بلا تحديد في نوعه وقدره ولا خوف شدته، على وجوب القضاء يوما بيوم في المرض والسفر، من غير موالاة في أيام القضاء على الرأي الأرجح.

 

وقد استطردت هذا الاستطراد لا لأخوض في خلافات فقهية; ولكن لتقرير قاعدة في النظر إلى الشعائر التعبدية، وارتباطها الوثيق بإنشاء حالة شعورية هي الغاية المقدمة منها.

وهذه الحالة هي التي تحكم سلوك المتعبد; وعليها الاعتماد الأول في تربية ضميره، وحسن أدائه للعبادة وحسن سلوكه في الحياة.. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أن نأخذ هذا الدين – كما أراده الله – بتكاليفه كلها، طاعة وتقوى; وأن نأخذه جملة بعزائمه ورخصه، متكاملا متناسقا، في طمأنينة إلى الله، ويقين بحكمته، وشعور بتقواه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.