سورة الانفطار| تفسير وشرح ودروس

فيما يلي تفسير وشرح ودروس سورة الانفطار ضمن سلسلة تدبر القرآن الكريم، التي كتبها أحمد السيد، والتي تتضمن دروساً وفوائد من الآيات مع واجبات ووصايا نهاية السورة.

قد يهمك:

سورة الانفطار | تفسير وشرح ودروس

تدبر جزء عمّ

معاني كلمات سورة الانفطار:

انفطرتانشقت
انتثرتتساقطت
فسواكمستوي الخلقة سالم الأعضاء
ركبكشكل صورة مميزة لك
فجرتامتلأت وفاضت فانفجرت
بعثرتقلبت بلا نظام وترتيب
فعدلكمعتدل الهيئة متناسق الأعضاء

شرح سورة الانفطار:

الآيات 1 : 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)

انفجار البحار

انفجار البحار

عندما تتشقق السماء، وتتساقط الكواكب، وتتفجر البحار براكيناً، وتتبعثر القبور بما فيها، عندها تدرك كل نفس ما قدمت وأخرت من خير وشر، في السر والعلن، ما تحبه وما تكرهه، إنه يوم القيامة الذي تتحطم فيه السماء بكواكبها والأرض ببحارها، بعدما ظلت مستقرة آلاف السنين انتظاراً لنهايتها الموعودة.

وقد شهدت خلال هذه السنين عصيان هذا الإنسان تحت سمائها وفوق أرضها، وهو يظن أن الدنيا دار استقرار ومتاع ولهو، وأنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء.

الآيات 6 : 12

يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)

خلقك فسواك فعدلك

خلقك فسواك فعدلك

يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم؟

الذي خلقك (من عدم) فسواك (بالسمع والبصر والعقل) فعدلك (في هيئة معتدلة متناسقة متوازنة) فركبك في صورة مميزة لك عن الآخرين، وكل ذلك بمشيئة الله لا بمشيئتك.

هل أدركتم نعمة الله وكرمه عليكم فشكرتموه وعبدتموه؟

هل فهمتم أن الله لم يخلقكم عبثاً وإنما لعبادته تحت هذه السماء المستقرة مؤقتاً، وفوق هذه الأرض المستقرة مؤقتاً، حتى يأتي ذلك اليوم حيث التشقق والسقوط والانفجار والبعثرة؟

كلا.. لم تشكروا ولم تعبدوا ولم تستعدوا لهذا اليوم، بل تكذبون بالدين وما فيه من حساب دقيق علي أعمالكم، رغم أن عليكم ملائكة مرافقين لكم، يحفظون أعمالكم ويكتبونها، وهم كرام في عملهم، فالحسنة يكتبونها مضاعفة، والسيئة يؤخرون كتابتها لعلكم تتوبون فلا يكتبونها.

إنهم يعلمون جيداً كل ما تفعلون، ما تقدمون وما تؤخرون، يرصدون أعمال جوارحكم وأعمال قلوبكم، حفظهم غاية في الدقة والرصد، أدق من كاميرات المراقبة والبرامج الحاسوبية، وأعمق من أجهزة الكواشف الضوئية والحرارية والشعاعية، إنهم يرصدون النوايا القلبية والمشاعر النفسية والأعمال الظاهرة والخفية، ثم يجازي كل امرئ بعمله.

الآيات 13 : 19

إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)

تفسير سورة الانفطار

اللهم أجرنا من النار

إن الأبرار (الطائعين) لفي نعيم نفسي وبدني، وإن الفجار (الوالغين في العصيان بشكل فج) لفي جحيم بدني ونفسي، يصلونها يوم الدين، ولن يترك منهم أحد أو يغيب عن هذا العذاب، ولن يكون عذاباً مؤقتاً بمدة محددة بل أبد الآبدين.

إنه يوم الدين (الجزاء) وما أدراك ما يوم الدين؟

إنك لا تدري حجم شدته ثم ما أدراك ما يوم الدين؟

لن يمكنك إدراك حجم أهواله وفظاعته، إنه لا يشبه النظام الذي عشتموه في الدنيا، إنه يوم لا تملك فيه نفس لنفس شيئاً، لا وساطة، ولا قرابة، ولا سلطة، ولا مال.

الكلمة والأمر فقط لله ولا أحد سواه.

فهل لازلت تغتر بربك؟

ذات صلة:

دروس وفوائد من سورة الانفطار:

1- بين الرجاء والخوف

إن من تمام معرفة العبد بالله جل في علاه أن يعلم أنه تعالي حين يعطي يجزل في العطاء، فهو خير من يعطي ويمنح ويعفو ويغفر ويجيب سؤال السائلين ويعطي الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف لمن يشاء، مما يجعل العارف لا يقنط من رحمته.

ومن تمام المعرفة أيضاً أنه حين يعاقب فإن عقابه شديد غليظ ينتقم أشد انتقام ويعذب أقسي العذاب، للدرجة التي تجعل المؤمن لا يطمع في جنته مقابل أن يتقي عذابه وغضبه، ولا يغتر بكرم الله.

  • عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لو يعلمُ المؤمنُ ما عند الله من العقوبةِ، ما طمِعَ بجنتِه أحدٌ، ولو يعلَمُ الكافرُ ما عند الله من الرحمةِ، ما قنِط من جنتِه أحدٌ”.

رواه مسلم

  • عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” قال الله عزوجل : يا ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم ، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم ، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لأتيتك بقرابها مغفرة “.

رواه الترمذي

  • حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة”.

رواه الترمذي

2- المراقبة:

تمكنت التكنولوجيا من صناعة كاميرات مراقبة في الشوارع والمحلات مما جعل الناس يحذرون من ارتكاب الأخطاء حتى لا يقعون تحت طائلة العقاب.

وهذا الشعور (أن أحداً يراقبني) نجح في منع الجرائم وتقويضها، وساعد بشكل كبير على ضبط سلوك الناس والتزامهم بالتعليمات.

فماذا إن علمت أن الله يراك في كل مكان وكل حال ؟

“وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ”. الحديد 4

بل ويعلم ما خفي من المشاعر والأفكار والنوايا

“يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ” .غافر 19

وماذا إن علمت أن لله ملائكة يتناوبون مرتين في اليوم والليلة ويقومون برصد أعمال كل عبد بدقة متناهية تفوق قدرات برامج الكمبيوتر والتطبيقات التي ترصد اهتمامات البلايين حول العالم.

إن من يستشعر معية الله وملائكتة الحفظة سيعبد الله بطريقة مختلفة وسيفكر كثيراً قبل الإقدام على المعصية، وبهذا النمط الحياتي سيصل المرء إلى مرتبة الإحسان:

“أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”

جزء من حديث رواه مسلم

مواقف للمحسنين:

1- قصة الراعي وعمر بن الخطاب:

وملخصها أن عمر طلب من غلام يرعى الغنم أن يبيعه شاة دون أن يخبر سيده فرفض الغلام

وقال: فأين الله؟

فبكي عمر من وقع الكلام واشتري الغلام وأعتقه.

2- بائعة اللبن مع عمر:

وملخصها أن جارية رفضت كلام أمها التي طلبت منها خلط الماء في اللبن

وقالت لأمها: أن عمر بن خطاب نهي عن ذلك.

فقالت أمها: عمر لا يرانا.

فقالت الجارية: وهل يغيب عنا رب عمر إذا غاب عمر.

سمع عمر هذا الحوار فزوج هذه الجارية بابنه، ثم أصبحت جدة لعمر بن عبد العزيز.

3- قصة الشيخ والغلام والطير:

وملخصها أن الشيخ اختبر طلابه وطلب منهم أن يذبح كل منهم طيراً في مكان لا يراه فيه أحد، ففعلوا إلا غلام عاد ولم يفعل، ولما سئل عن السبب

قال: لم أجد موضعاً لا يراني فيه أحد.

4- بيع البيت وفيه كنز (جرة ذهب):

وملخصها أن أحدهم اشتري منزلاً، ثم فوجئ بجرة ذهب مدفونة بداخله، فأراد أن يردها للبائع لكن البائع اعتبرها ملكاً للمشتري، فكان كل منهما مراقباً لله ويخافان من شبهة الحصول على الجرة، فقرر القاضي نصحهما بأن يزوج ابنة هذا لابن ذاك ويعطيهما الجرة.

3-فوائد أخري:

الآيات تزيد الإيمان بأركانه وهي تشير إلي:

  • معرفة الله: كرم الله للإنسان – عدم الاغترار به فهو شديد العقاب – الأمر لله – له المشيئة المطلقة.
  • اليوم الآخر: انفطار – انتثار – انفجار – بعثرة – العلم بما كان في الدنيا – نعيم – جحيم – لا تملك نفس لنفس شيئاً.
  • الملائكة: حافظين – كرام – كاتبين – يعلمون ما تفعلون.

واجبات:

1- تدبر في كرم الله في خلق الإنسان (خلق – فسوي – فعدل – فركب) بالاطلاع على الحقائق العلمية ومشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية.

2- عدم الاغترار بكرم الله ووجوب أداء شكره بالحمد والتسبيح والتكبير وحسن العبادة والدعاء:

اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

3- استشعار معية الله والملائكة الحفظة في مراقبة العبد، بالحذر من ارتكاب الذنوب والإسراع في الإسراع في الاستغفار والتوبة عند المعصية.

توصيات:

1- كتابة لوحة بالخط العربي أو عمل تصميم معبر للآية “يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم” وتعليقها أمامك أو نشرها عبر الإنترنت للتذكرة.

2- على منتجي الأفلام والفيديوهات عمل مشهد رسومي قصير لانشقاق السماء وسقوط الكواكب وتفجير الأنهار وتبعثر القبور، ثم سماع الآية مرتلة بصوت ندي مؤثر “يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم”.

4- على الشعراء أن يدلوا بدلوهم بالأشعار والأغاني التي تنذر وتحذر من الاغترار بالله والانخداع في الدنيا.

4- عمل وقفة مع النفس: قبل النوم أغلق الإضاءة وتفكر في حالك فيما مضي من عمرك وكيف حال الإيمان والطاعة وما حجم الدنيا في قلبك وأيهما أكثر شغلاً لك “الدنيا أم الآخرة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.