الثلاثاء , أغسطس 9 2022

سورة الليل | تفسير وشرح ودروس

فيما يلي تفسير وشرح ودروس سورة الليل ضمن سلسلة تدبر القرآن الكريم، التي كتبها أحمد السيد، والتي تتضمن دروساً وفوائد من الآيات مع واجبات ووصايا نهاية السورة.

قد يهمك:

تدبر جزء عمّ

سورة الليل | تفسير وشرح ودروس

معاني كلمات سورة الليل:

يغشىيغطى
تجلىظهر
تردىوقع
تلظىتتوهج

مقدمة:

في السورة السابقة (الشمس) بينت الآيات طبيعة النفس وأهمية تزكيتها وخطورة إهمالها ودسها، وفي هذه السورة (الليل) بيان لأهم وسائل تزكية النفس ودسها، وجزاء الأتقى والأشقى.

سورة الليل:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)

شرح سورة الليل:

أقسم بالظواهر المتضادة والمتناقضة: بالليل حين يغطي الآفاق بظلامه، وبالنهار حين يكشف الآفاق بضياءه، وبما خلق الذكر والأنثى، إن سعيكم لشتى، فغايتكم متعددة، وطموحاتكم متفاوتة، وأهدافكم متباينة، لكن هذا التشتت يجتمع في قسمين مختلفين وطريقين متضادين:

  1. طريق التقي: حيث العطاء والتقوى والتصديق.
  2. طريق الشقي: حيث البخل والاستغناء والتكذيب.

فالسعي الميمون هو السعي نحو الله وأبرز ملامحه:

  1. العطاء: فصاحبه ينفق ويتصدق ويزكي ويطعم فهو كريم منفق في سبيل الله.
  2. التقوى: وهي الخوف من الله، وصاحبه يتجنب المعصية ويؤدي الطاعات اتقاء الله وعذابه.
  3. التصديق بالحسنى: فهو يصدق بالإسلام ويصدق بالجنةونعيمها لمن يأتمر بأوامر الإسلام الحسنة وبجزائها الحسن.

إن هذا التقى الذي يعطي ويتقي ويتصدق، سنيسره لليسرى ونوفقه إلي الخير والصلاح ونيسر له أموره.

وأما السعي المرفوض فهو السعي بعيداً عن طريق الله وأبرز ملامحه:

  1. البخل: فصاحبه شحيح لا ينفق علي الخير ولا يحب إطعام الطعام.
  2. الاستغناء: فهو مستغني عن الله وجنته، فهو غافل مغرور يسعي للدنيا ونعيمها الزائل ويفضلها عن الآخرة.
  3. التكذيب بالحسنى: فهو يكذب بالإسلام وبجزاءه الحسن.

إن هذا الشقي الذي يبخل ويستغنى ويكذب سنيسره للعسرى، وسيجد الشقاوة وأسبابها، والانحراف وأساليبه، ميسرة في طريقه.

وماذا يفيد هذا المال الذي بخل به حينما يموت ويقع في النار؟

إن علينا للهدى، نبين الطريق والمعينات عليه وجزاء من يسير فيه، ونهدي إليه المستعدين للهداية المخلصين في رغبتهم.

وإن لنا للآخرة والأولى، فاجعل دنيتك وآخرتك لله، واجعل حياتك ومماتك لله، واجعل سعيك في طريق الله.

فأنذرتكم ناراً تلظى وتتوهج، لا يصلاها إلا أشقى الناس، الذي كذب برفعة الإسلام، وتولى معرضاً رافضاً الإيمان.

وسيتجنب هذه النار أتقى الناس الذي يؤتي ماله يتزكى وينفق ابتغاء وجه الله، لا رداً لجميل لأحد أسدى إليه معروفاً، ولا انتظاراً لمقابل من أحد على هذا الانفاق، وإنما هو خالص لوجه الله.

إن هذا المخلص سيعطيه الله ما يرضيه ويشعره بالرضا والارتياح.

دروس وفوائد من سورة الليل:

1- غايات الناس:

“إن سعيكم لشتى”، تشير هذه الآية إلى تعدد غايات الناس وأهدافهم في هذه الحياة ويمكن عرضها في الأنواع الآتية:

1- لا غاية: وهؤلاء يعيشون بلا أهداف وبلا غاية، يتركون حياتهم لتقلبات الأيام وأوهام السنين حتى يهلكهم الزمن ويموتون.

” وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون.

سورة الجاثية 24

2- الطعام والشراب والمتعة: وهؤلاء جعلوا الطعام والشراب واللعب واللهو والمتعة الجنسية هي شغلهم الشاغل يعيشون لأجلها.

“وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ”.

سورة محمد 12

3- المال والجاه والسلطان: وهؤلاء يعيشون حياتهم ويكافحون لأجل جمع المال والوصول إلى المناصب وامتلاك القوة، فأصبحوا عبيداً لهذه الغايات.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: « تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض »

أخرجه البخاري.

4- الإفساد: هؤلاء أعطاهم الله قربات ومواهب مميزة لكنهم استخدموها في الإفساد والانحراف وإيقاع الفتن ونشر الشرور.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ  وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ”.

سورة البقرة 204 – 205

5- الله: وهؤلاء جعلوا حياتهم لله، يؤدون العبادات ويسخرون إمكاناتهم ونعم الله عليهم ابتغاء مرضاة الله.

“وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون” .

سورة الذاريات 56 – 57

2- أبو بكر: رجل العطاء والتقوى والتصديق:

هو عبد الله بن أبي قحافة المشهور بأبي بكر الصديق، هو الرجل الأول في الإسلام بعد النبي محمد صلي الله عليه وسلم، وهو الكنز الذي ادخره الله للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولدعوة الإسلام، كان الأول دائماً، الأسبق في الإيمان والأسبق في التصديق والأسبق في العمل.

لما اشتد إيذاء قريش بالمستضعفين المسلمين من العبيد والإماء، راح أبو بكر ينفق من ماله الكثير لعتق رقاب هؤلاء وإنقاذهم من التعذيب فأعتق نحو 7 رقاب من مكة من الرجال والنساء والضعفاء.

لما رآه أبوه قال له: يا بني إني أراك تعتق رقاباً ضعفاء، فلو أنك فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك ويقومون دونك.

فقال أبو بكر: يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل.

فأنزل الله في أبي بكر آيات: “فأما من أعطي واتقى …..” إلى آخر السورة.

إن سيرة أبي بكر جزء من السيرة النبوية وقصة الإسلام، وهو النموذج الرائد الذي تخرج من المدرسة التربية النبوية فكان مثالاً للعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى، وعلى المسلم أن يدرس سيرة هذا الرجل الكبير.

3- فضل الصدقة:

  • يقول تعالي: “فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”.

سورة التغابن 16

  • ويقول تعالي: “وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ”.

سورة البقرة 272

  • ويقول تعالي: “مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”.

سورة البقرة 245

  • عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم: “…..وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ….”.

جزء من حديث رواه مسلم (أي دليل علي صدق الإيمان).

  • عن أبي هُريرة رضى الله عنه قَالَ: قالَ رَسُول اللَّه ﷺ: مَا مِنْ يَوْمٍ يُصبِحُ العِبادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا”.

متفقٌ عَلَيْهِ.

  • عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «دَاوُوا مَرضاكُمْ بِالصَّدقةِ».

حسنه الألباني في صحيح الجامع.

  • يقول صلي الله عليه وسلم: “والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار”.

صححه الألباني في صحيح الترغيب.

  • عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (سبعة يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظله: … ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه….”.

جزء من حديث أخرجه البخاري ومسلم

4 – الإخلاص والنية

  • يقول تعالي: “إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى” الليل
  • يقول تعالي: “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ “.

سورة البينة 5

  • يقول تعالى: “فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا”.

سورة الكهف 110

  • يقول تعالى: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”.

سورة الأنعام 162

  • عن عمر بن الخطاب رضي الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول:إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ”.

متفق عليه

  • قال صلي الله عليه وسلم: “من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان”.

رواه أبو داود (صحيح الجامع).

  • عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “طوبى للمخلصين، أولئك مصابيح الهدى، تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء”.

رواه البيهقي

قصص ومواقف من سورة الليل:

  • أعتق أبو بكر رقاب المسلمين المستضعفين ابتغاء مرضاة الله.
  • ثلاثة أغلق عليهم الغار فدعوا الله بخالص أعمالهم، وكان إخلاص الأول أنه كان يبر والديه ابتغاء رضا الله، وإخلاص الثاني حينما تاب من ذنبه حيث كان يعطي لابنة عمه مقابل مراودتها، وإخلاص الثالث أنه نمىّ أجر أحد عماله الذي تغيب عنه، فكبر المال وأصبح ثروة، ولم يخلطه بماله ابتغاء رضا الله.
  • وحذر النبي صلي الله عليه وسلم من الرياء وأخبر أن أول من يعاقبون يوم القيامة، رجل استشهد لكن ليس لله وإنما لسمعة، وقارئ القرآن ليس لله وإنما طلباً للمدح والثناء، ومنفق مال ليس لله وإنما ليقال جواد.

إن من الناس من يقدمون الخير ويفعلون الصالحات وينفقون الأموال وينتظرون من الناس رد الجميل، فإذا لم يجدوا امتنعوا، أما المخلص فإنه يفعل الخير ولا ينتظر أجراً إلا من الله.

وإن من الناس من يفعل المعروف ويحب إعلانه وإشهاره جلباً للمدح والثناء وليقال رجل العطاء والخير، وقد يحبط عمله لو لم يكن خالصاً لله.

من صفات المخلص:

  • أنه لا ينتظر المدح على عمله، ولا يمنعه الذم والنقد من مواصلة عمله.
  • يفضل بذل العمل والإنفاق في السر دون شهرة أو دعاية.
  • لا يحب الحديث عن نفسه كثيراً.
  • يعذر المخطئ ولا يتهم النوايا القلبية.
  • يستوي عنه إن كان رئيساً أو مرؤساً.

واجبات من سورة الليل:

1- إخلاص النية لله في كل الأعمال.

2- الإنفاق والتصديق وبذل الجهد في أعمال البر.

3- قراءة سيرة أبي بكر الصديق.

توصيات من سورة الليل:

1- التصدق بصدقة في السر.

2- التفكر في أحوال الناس وغاياتهم وكيف حالك وسط هذه الغايات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.