الأربعاء , يوليو 6 2022

أبو بكر الصديق (17) معركة اليمامة

سنتناول فيما يلي من سيرة أبي بكر الصديق (17) معركة اليمامة.

قد يهمك:

كتاب أبو بكر الصديق

أبو بكر الصديق معركة اليمامة

مواجهة مسيلمة الكذاب:

هو مسيلمة بن ثمامة من بني حنيفة من اليمامة بنجد، تعلم حيل السحرة والكهنة والدجالين. ادعي النبوة وراح يتنبأ ويسجع ويحلل ويحرم. قبل وفاة النبي صلي الله عليه وسلم، كتب رسالة إلي النبي صلي الله عليه وسلم وبعثها مع رجلين أحدهما عبادة بن الحارث الحنفي ونصها: من مسيلمة رسول الله إلي محمد رسول الله أما بعد فإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشاً لا ينصفون. لما قرأ النبي الرسالة سأل الرسولان، وماذا تقولان أنتما؟ فقالا: نقول كما قال. فقال صلي الله عليه وسلم: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكم. ثم رد عليه النبي برسالة كتبها أبىّ بن كعب ونصها: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي إلي مسيلمة الكذاب أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين والسلام علي من اتبع الهدي. وحمل الرسالة حبيب بن زيد الأنصاري ابن أم عمارة نسيبة بنت كعب، فقال مسيلمة لحبيب: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فقال أن أصم لا أسمع، فراح مسيلمة يقتطع من جسمه عضوا عضوا حتي استشهد ولما علمت أمه أقسمت لتحمل السيف وتباشر القتال ولا تصرعن حتي يُقتل رجال بني حنيفة. واليمامة لم ترتد بأكملها فقد ثبت فيها مسلمون منهم ثمامة بن أثال وكان من أكابرهم وذا عقل ورأي وكان له دور في تثبيت من ثبت وخرج بهم للحاق بجيش خالد ثم في دعم جيش العلاؤ بن الحضرمي، وثبت كذلك معمر بن كلاب وابن عمرو اليشكري وقد انضموا لجيش خالد.

تحرك جيش خالد:

أمر الخليفة خالد بن الوليد اذا فرغ من أسد وغطفان ومالك بن نويرة أن يقصد اليمامة وثوبان بالتقوي والرفق بالمسلمين واستشارة اكابر الصحابة ومعرفة فضلهم مع بعض الوصايا التكتيكية في الحرب، فقال خالد: سمعاً وطاعة. فسار خالد نحو اليمامة وفي الطريق لقى أحياء من العرب وفغزاها وردها إلي الإسلام، كما لقي مؤخرة جيش سجاح، ففتك به ثم زحف علي اليمامة. لما علم مسيلمة بمقدم خالد، عسكر بمكان يقال له “عقرباء” وجعل علي مجنبتي جيشه: المحكم بن طفيل والرَّجَّال بن عنقوة. وقد التقي خالد بعكرمة وشرحبيل فجعل شرحبيل علي مقدمة الجيش وعلي المجنبتين زيد بن الخطاب وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة.

الحرب النفسية والإعلامية:

طلب خالد من زياد بن لبيد أن يقول شعراً ويرسله لصديقه سيد اليمامة بهدف كسرهم ففعل.

وطلب خالد من عمير بن صلاح اليشكري الذي كتم اسلامه علي قومه، طلب منه أن يحذر قومه. وطلب خالد من ثمامة بن أثال الحنفي (الذي ثبت علي اسلامه) أن يدعو قومه للاستسلام ويحطم عندهم روح القتال.

جمع المعلومات:

جعل خالد علي طليعته مكنف بن زيد الخيل وأخيه حديثاً لجمع المعلومات اللازمة للمعركة، وقد كان خالد حريصاً علي ألا يخفي عليه شيء من أمر مكروه، وكان خالد يقظاً لا ينام ولا يبيت إلاَّ في تعبئة تحسباً لأي مفاجآت.

تنظيم الجيش:

شعار المعركة: وامحمداه حامل الراية عبد الله بن حفص بن غانم ثم تحولت إلي سالم مولي أبي حذيفة. وقدم خالد في هذه المعركة شرحبيل بن حسنة. قسم الجيش أخماساً علي المقدمة (خالد المخرومي) والميمنة (أبو حذيفة) والمسيرة (شجاع) وفي القلب (زيد بن الخطاب) وعلي الخيالة (أسامة بن زيد). وجعل كل بني أب علي رايتهم حتي يعرف الناس من أين يوتون. وجعل في المؤخرة الظعن وفيها الخيام والنساء.

أحداث المعركة:

تقدم خالد وعسكر علي كثب يشرف علي اليمامة. ولما بدأت المعركة واصطدم المسلمون بالكفار كانت الجولة الأولي للكفار فقد هجمت بنو حنيفة هجمة عنيفة حتي تمكنت من دخول خيمة خالد بن الوليد وهمّوا بقتل أم تميم. نادي الناس: أخلصنا يا خالد، فخلصت ثلة من المهاجرين والأنصار وقاتلت قتالاً لم يُعهد شله. وتنادي الصحابة فيما بينهم: يا أصحاب سورة البقرة بطل السحر اليوم. وكان أبو عقيل الأنصاري أول من جرح يوم اليمامة رمي بسهم فوقع جريحاً فأُخد إلي معسكر المسلمين، وبينما هو كذلك رأي تراجع المسلمين، وسمع من يصيح: يا للأنصار، الله الله والكرة على عدوكم، فنهض أبو عقيل يريد قومه فقيل له: إنما يعني الأنصار لا يعني الجرحي. فقال: أنا من الأنصار وأنا أجيب ولو حبوا. فأخذ السيف ونادي يا لأنصار كرة كيوم حنين، فاجتمعوا وتقدموا بقوة. وشوهدت المرءة الحديدية أم عمارة تباشر القتال بالسيط وأصيبت إصابات بالغة بلغت إثنا عشر جزءاً ما بين طعنة بدمج وضربة بسيف. وقام حامل لواء الأنصار ثابت بن قيس بحفر الأرض لقدميه إلى أنصاف ساقية بعدما تحنط وتكفن فلم يزل ثابتاً حتي استشهد. قال المهاجرون لسالم مولي أبي حذيفة: أتخشي أن نؤتى من قبلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذن. وهتف زيد بن الخطاب: أيها الناس عضوا علي اضراسكم واضربوا في عدوكم وامضوا قدماً. وهتف عباد بأعلى صوته: أنا عباد بن بشر، يا للأنصار يا للأنصار، ألا لي ألا لي فأقبلوا إليه جميعاً مجيبين: لبيك لبيك، ثم حطم جفن سيفه فألقاه وحطمت الأنصار جفون سيوفهم ثم هجموا هجمة صادقة علي بني حنيفة. وهتف أبو حذيفة، يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال، وحمل فيهم حتي أبعدهم وأصيب. أما البطل خالد فقد قاتل قتال الأيس من الحياة والمتيقن من الموت فقد حمل علي العدو حتي جاوزهم يريد الوصول إلي مسيلمة ويترقب ظهوره ليقاتله ثم رجع خالد ووقف بين الصفين ودعا إلى البراز وهو يقول: أنا ابن الوليد العود أنا ابن عامر وزيد. ثم راح يهتف بشعار المعركة “وامحمداه” وجعل لا يبرز له أحداً إلا قتله ولا يدنو منه شئ إلا أكله. وكانت المعركة عنيفة والقتلي يتساقطون من الفريقين، وقد صبر الصحابة صبراً لم يعهد مثله، ولم يزالوا يتقدمون إلى نحور عدوهم حتي أصبحت الجولة لصالح المسلمين وفتح الله عليهم وولى الكفار الأدبار واللوز بالفرار وانطلق المسلمون خلف الكفار يتبعونهم ويضربون أعناقهم. لما اضطربت صفوف العدو وقف خطيبهم (محكم بن طفيل) يأمرهم أن يلجأوا إلى حديقة وهي التي فيها مسيلمة، وبينما هو يخطب في الناس، أدركه عبد الرحمن بن أبي بكر فرماه بسهم في عنقه فقتله. ودخلت بنو حنيفة الحديقة وأغلقوا أبوابها، وأحاط بها المسلمون.

البراء فاتح الحديقة:

قال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة، فاحتملوه فوق الجحف (التروس) ورفعوها بالرماح حتي ألقوه عليهم داخل الحديقة في عملية فدائية خطيرة. وتمكن البراء في بطولة نادرة أن يقاتلهم دون باب الحديقة حتي فتحه ودخل المسلمون ثم فتحوا بقية الأبواب وهجم المسلمون هجمة أدرك المرتدون أنها القاضية. تقدم أبو دجانة فرمي بنفسه إلي داخل الحديقة فانكسرت رجله، فقاتل وهو مكسور الرجل. وتمكن زيد بن الخطاب من قتل الرجال بن عنوة ومازال يقاتل حتى استشهد.

مقتل مسيلمة:

رمي وحشي بن حربة (قاتل حمزة) بحربته فأصاب مسيلمة حتي خرجت من الجانب الآخر ثم أسرع أبو دجانة سرال بن خرشة فضربه السيف فسقط. وانتهت المعركة بانتصار تاريخي للمسلمين وهزيمة ساحقة لمسيلمة الدجال.

بعد المعركة:

طلب خالد احضار الأسير مجاعة بن مرارة فجاء يرسف في قيوده، وتجول خالد به سيد القتلي حتي يدله علي مسيلمة فلما رآه قال خالد فيحكم الله علي اتباعكم هذا. ثم أمر خالد بإرسال الخيول حول اليمامة لجمع الغنائم والسبي. مرَّ ابن عمر بأبي عقيل وهو صريع بآخر رمق فوجده وقد قطعت يده، وبه أربعة عشر جرحاً كلها في مقتل، فقال أبو عقيل بلسان ثقيل: لمن الدبرة؟ فقال ابن عمر: أبشر قد قتل عدو الله. فرفع أبو عقيل اصبعه إلي السماء بحمد الله حتي مات، قال عنه عمر رضي الله عنه: رحمه الله، ما زال ينال الشهادة ويطلبها، وإنه لمن خيار أصحاب نبينا صلي الله عليه وسلم. وأم عمارة هي الصحابية الوحيدة التي أمسكت السيف وباشرت القتال مع الرجال يوم أحد لتدافع عن النبي، وكذلك يوم اليمامة، وكانت قد بايعت النبي في العقبة (سيدة الحرب) أمر خالد برعاية أم عمارة، تقول أم عمارة: فلما انقطعت الحرب ورجعت إلى منزلي جاءني خالد بن الوليد بطبيب فداواني بالزيت المغلي، وكان أشد علي من القطع وكان خالد بن الوليد كثير التعهد لي، حسن الصحبة لنا، يعرف لنا حقنا، ويحفظ فينا وصية نبينا صلي الله عليه وسلم.

تعليق خالد على المعركة:

يقول خالد: شهدت عشرين زحفاً، فلم أر قوماً أصبر لوقع السيوف، ولا أضرب بها ولا أثبت أقداماً من بني حنيفة يوم اليمامة وما بي حركة من الجراح، ولقد أقحمت نفسي حتي أيست من الحياة وتيقنت الموت. ويقول: ولقد رأيتني في الحديقة وعانقني رجل منهم وأنا فارس وهو فارس، فوقعنا عن فرسينا ثم تعانقنا بالأرض فأجؤه بخنجر في سيفي، وجعل يجؤني بمعول في سيفه فجرحني سبع جراحات، وقد جرحته جرحاً أثبته به فاسترخى في يدي، وما بي حركة من الجراح، وقد نزفت من الدم إلا أنه سبقني بالأجل فالحمد لله على ذلك.

وصية عجيبة:

رأى أحد المسلسين رؤية أن ثابت بن قيس بن شماس (شهيد اليمامة) جاءه في المنام يقول: إِنِّي لما قُتلت بالأمس مرَّ بي رجلٌ من المسلمين فانتزع منِّي درعاً نفيسةً، ومنزله في أقصى العسكر، وعند خبائه فرسٌ يستَنُّ في طوله، وقد كفأ على الدِّرع بُرْمَة، وفوق البرمة رحلٌ، فأتِ خالداً فمره أن يبعث إِلى درعي فيأخذها، وإِذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله (أبا بكر) فقل له: إنّ عليًّ من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق، وإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، فأتى الرجل خالداً، فوجهه إِلى الدرع، فوجدها كما ذكرها، وقدم على أبي بكر فأخبره فأنفذ أبو بكر وصيَّته بعد موته.

قتلي الفريقين:

قتلي الكفار 10 آلاف (وقيل 21 ألف) قتلي المسلمين 1200 (وقيل 500 وقيل 600) وقتلي المسلمين فيهم سادات الصحابة وأعيان الناي وحفظة القرآن (نحو 40 أو 70 من القرآء)، ومن بين الشهداء ابن الخليفة (عبد الرحمن بن أبي بكر) وشقيق الفاروق (زيد بن الخطاب) وأبو دجانة سماك بن خرشة، عباد بن بشر، والطفيل بن عمرو الدوسي، وعبد الله بن سهيل بن عمرو.

الآباء تصل المدينة:

كان الصديق ينتظر وصول رسول خالد، فخرج يوماً في نفر من المهاجرين والأنصار إلي ظهر الحرة فلقي رسول خالد (أبا حذيفة الأنصاري) يحمل البشري بالنصر فسجد أبو بكر شكراً لله وجعل يسأل عن تفاصيل الأحداث. وعلم أهل المدينة بالنصر وبمن اختارهم الله شهداء فاختلطت الأفراح بالأحزان. لما بلغ عمر مقتل أخيه الأكبر زيد قال: رحم الله أخي زيداً سبقني إلى الحسنيين، أسلم قبلي واستشهد قبلي، ورثى عمر أخيه قائلاً: ما هبت الصبا إلى ذكرتني زيداً. وحين سافر أبو بكر للحج بمكة عزي سهيل بن عمرو في وفاة ابنه عبد الله يوم اليمامة فقال سهيل: بلغني أن رسول الله صلي الله علي هوسلم قال: يشفع الشهيد لسبعين من أهله فأرجو أن يبدأ بي. تقول عائشة رضي الله عنها: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً كلهم من بني عبد الأشهل، سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر. لما جيء بمجاعة بن مرارة الحنفي عند الخليفة أبي بكر قال: يا خليفة رسول الله، لم أر قط أصبر لوقع السيوف ولا أصدق كرة من الأنصار، فلقد رأيتني وأنا أطوف مع خالد بن الوليد أعرفه قتلي بني حنيفة، وإني لأنظر إلى الأنصار وهم صرعى فبكى أبو بكر حتي بلّ لحيته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.