قصة داوود عليه السلام | مختصر ابن كثير

نبي الله داوود عليه السلام، هو من نسل يهوذا بن يعقوب عليه السلام، وهو عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس، فقد جمع الله له الملك والنبوة معاً.

واشتهر داوود منذ أن كان غلاماً صغيراً في جيش طالوت، وكان مقداماً لا يفر عند ملاقاة العدو، واستطاع أن يقتل قائد العدو جالوت ليتم إعلان انتصار المؤمنين وهزيمة العمالقة الكفار، فأحبته بنو إسرائيل ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم فيما بعد.

كان داوود يأكل من عمل يده، وكان ماهراً في صناعة الدروع الحربية من الحديد لتحمي المحارب من بأس العدو، فقد كانت تصنع قبله من الصفيح، وقد ألان الله له الحديد، فكان يستطيع أن يفتله بدون نار ولا مطرقة، وعلمه كيفية تشكيل الحديد وصناعة المسامير بقدر مناسب.

وكان داوود ذو آياد في الطاعة والعبادة والعمل الصالح، فقد كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فقد كان قوياً في العبادة فقيهاً في الإسلام.

وكان داوود قد وهبه الله صوتاً جميلاً وعظيماً، فكان حين يسبح الله ويذكره في الصباح والمساء، تقف الطيور في الهواء تسبح معه وترجع بترجيعه وتسبح بتسبيحه من حسن صوته والتأثر به، وكذلك الجبال كانت تجيبه وتسبح معه كل صباح ومساء.

أنزل الله على نبيه داوود كتاب الزبور وفيه من المواعظ والحكم، وكان يرتله بصوت رخيم حسن، وكان داوود سريع القراءة، وأعطاه الله ملكاً عظيماً وحكماً نافذاً ورزقه الحكمة وفصل الخطاب.

جاء رجلان إلى داوود، وادعى الأول أن الثاني اغتصب منه بقر، لكن الثاني أنكر ذلك، فأرجأ داوود أمرهما إلى الليل، وفي الليل أوحى الله إليه أن يقتل الرجل الأول، فلما أصبح قال داوود: أخبرني بحقيقة أمرك وما ادعيته على هذا، فإن الله قد أوحى إلىّ أن أقتلك. قال: والله يا نبي الله إني لمحق فيما ادعيت عليه، ولكني كنت أغتلت أباه قبل هذا. فأمر به داود فقتل، فعظم أمر داود في بني إسرائيل وخضعوا له خضوعاً عظيماً.

كان داوود عليه السلام في محرابه يعبد الله، فجاءه خصمان ورأوا الباب مغلقاً فصعدوا من سور المحراب ودخلوا على داوود، ففزع داوود حين رآهم داخل المحراب وقد أغلق عليه الباب، فقال أحد المتخاصمين: لا تخف، نحن متخاصمان، وقد بغى بعضنا على بعض، وجئنا إليك لتحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط. إن هذا أخي في الدين يملك تسع وتسعون نعجة، وأنا أملك نعجة واحدة فقط، فطلب مني أن يضم نعجتي إلى نعاجه ليكمل المائة، وقد غلبني بقوة كلامه وسلطانه.

فقال داوود: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم. وظن داوود أن هذه القضية هي فتنة من الله ليظهر له خطأه، فقيل أن خطأه أنه حكم دون أن يسمع للمتخاصم الثاني، وقيل أن خطأه أن أراد أن يتزوج بامرأة ويضمها لزوجاته التسعة والتسعين وهذه المرأة هي زوجة أو خطيبة لأحد جنوده، وقيل غير ذلك. لكن داوود عليه السلام حين ظن بالفتنة استغفر ربه وخر راكعاً وأناب، وقد غفر الله ذنبه فهو نبي أواب له قربى من الله وحسن مآب، ثم قال الله تعالى له: يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله.

وجاء لداوود أناس أصحاب حديقة يشتكون أن غنم جيرانهم نفشوا في الحديقة ليلاً ورعت وأكلت شجرة كاملة، فلما احتكموا لداوود حكم لأصحاب الحديقة بقيمة ما أؤكل، فلما خرجوا على ابنه سليمان قال: بم حكم لكم نبي الله؟ فقالوا: بكذا وكذا فقال: أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجاً ودراً، حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه، ثم يتسلموا غنمهم، فبلغ داود عليه السلام ذلك فحكم به.

وكانت امرأتان مع كل منهما ابنها الرضيع، فأكل الذئب أحدهما، فتنازعتا أمام داوود في الطفل الآخر، كل امرأة تدعى أنها طفلها، فقالت الكبرى: هو ابني وإن الذئب قد أكل ابنك. وقالت الصغرى: بل هو ابني. فحكم داوود للكبرى، فلما خرجتا على سليمان قال: ائتوني بالسكين أشق الطفل نصفين وأعطي لكل واحدة النصف، فصرخت الصغرى وقالت: يرحمك الله، فتأخذه هي. فعلم سليمان أنها أمه وحكم للمرأة للصغرى وأعطاها الطفل.

دخل داود عليه السلام داره يوماً فوجد غريباً وسط الدار فسأله: من أنت؟ وكيف دخلت؟ فقال: أنا الذي لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب. فقال داود: أنت والله إذاً ملك الموت، مرحباً بأمر الله. وقبضت روح داوود وتم غسله وكفنه، وحين خرجت جنازته أمر ابنه سليمان عليه السلام الطير أن تظلل عليه، ففردت جناحها حتى أظلمت الأرض عليه.

قصص الأنبياء

تابع أيضاً:

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.