الخميس , أغسطس 18 2022

دعوة الملوك والأمراء وعمرة القضاء

نتناول في هذه المقالةأهم الأحداث ما بين الحديبية وفتح مكة (دعوة الملوك والأمراء وعمرة القضاء) من كتاب السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للدكتور على محمد الصلابي، باختصار وتصرف.

ذات صلة:

banar_group

دعوة الملوك والأمراء وعمرة القضاء

(1) دعوة الملوك والأمراء:

كان صلح الحديبية إيذاناً ببدء المد الإسلامي إلى أطراف الجزيرة العربية بل وخارجها، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عدداً من الرسل والمبعوثين إلى أمراء الجزيرة العربية وإلى ملوك العالم المعاصر خارج الجزيرة.

ومن أهم هذه الرسائل:

1-هرقل عظيم الروم:

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً مع دحية الكلبي إلى هرقل وفيها:

بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت عليك إثم الأريسيين، ” قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ”.

آل عمران 64

اهتم هرقل بالكتاب وأرسل إلى من يسأله من العرب فكان أبو سفيان ودار بينهما حواراً قال فيه هرقل: إن كان ما تقول فيه حقاً فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم ولو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت على قدميه.

2-كسري عظيم فارس:

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً مع عبد الله بن حذافة السهمي وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه مزقه فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق، وهذا نص الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله ولي الناس كافة لينذر من كان حياً، أسلم تسلم، فإن أبيت عليك إثم المجوس.

3-النجاشي ملك الحبشة:

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة.

4-المقوقس حاكم مصر:

وردت نصوص للكتاب ورد المقوقس لكنها ليست صحيحة السند ولا يعني ذلك نفي الواقعة لكن لا يعتمد عليها في السياسة الشرعية.

وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى المقوقس جريح بن مينا ملك الإسكندرية وعظيم القبط كتاباً مع حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، قال خيراً وقارب الأخر غير أنه لم يسلم، وأهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدايا من بنيتها جارتين إحداهما مارية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ضنى الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه.

5-صاحب دمشق:

بعث النبي صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب أخا بني أسد بن خزيمة برسالة إلى المنذر بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق.

6-صاحب اليمامة:

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سليط بن عمرو العامري بكتاب إلى هوذة بن على الحنفي فاشترط هوذة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل له الأمر بعده فرفض النبي صلى الله عليه وسلم.

7-أمير البحرين:

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أبا العلاء بن الحضرمي بكتاب إلى المنذر بن ساوي العبدي أمير البحرين، وتقول المصادر أن المنذر أسلم وأسلم عرب البحرين أما اليهود والمجوس فإنهم صالحوا على الجزية.

ونص الكتاب: سلام أنت، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن من صلى صلاتنا واستقبل قبيلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك السلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فمن أحب ذلك من المجوس فإنه آمن، ومن أبى فإن الجزية عليه.

-وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد (8 هـ) عمرو بن العاص إلى عمان فأسلموا.

دروس وفوائد:

1-الأريسيون: اختلف العلماء في مدلول الكلمة وقد ذهب أبو الحسن الندوي أنهم أتباع (أريوس) المصري مؤسس فرقة مسيحية لها دور كبير في تاريخ العقائد والإصلاح الديني وهو الذي نادى بالتوحيد والتمييز بين الخالق والمخلوق.

2-اعتبارات حكيمة خاصة بالملوك:

  • روعي في الرسائل ديانة الملوك وخلفياتهم فقد كان هرقل والمقوقس يدينان بألوهية المسيح كلياً أو جزئياً، لذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه على كلمة (عبد الله) (من محمد عبد الله ورسوله) وآية يا أهل الكتاب.

أما كسري (من رسول الله) (إلى الناس كافة)

-هرقل والمقوقس والنجاشي: تلطفوا وبعضهم أكرم رسل رسول الله

-كسري: مزق الكتاب وقال: يكتب إلي وهو عبدي فلما بلغ ذلك رسول الله قال: مزق الله ملكه.

وأمر كسري حاكمه على اليمين (باذان) بإحضار محمد فأرسل حاكم اليمن (بابويه) إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن كسري قد قتله ابنه واستولى علي عرشه، وقد أسلم حاكم اليمن بعدها.

3-الوصف العام لرسائل النبي صلى الله عليه وسلم:

-افتتاح باسم الله وجواز كتابة آيات من القرآن حتى ولو وجهت لكافر.

-تحية الكافر بقوله “سلام على من اتبع الهدى”

-اتخاذ خاتم لختم رسائله.

4-تقدير الرجال: لما أسلم حاكم اليمن أبقاه النبي صلى الله عليه وسلم أميراً بعد إسلامه لما رأى فيه الإداري الناجح والحاكم المناسب

5-جواز أخذ الجزية من المجوس.

6-جواز أخذ الهدية من الكافر.

7-من نتائج إرسال الكتب إلى الأمراء والملوك:

1-أسس النبي صلى الله عليه وسلم أسلوباً جديداً في التعامل الدولي لم تعرفه البشرية من قبل.

2-أصبحت الدولة الإسلامية لها مكانتها وقوتها ووجودها دولياً.

3-كشفت للرسول نوايا الملوك والأمراء نحو النبي صلى الله عليه وسلم.

4-المكاتبة تأكيد لعالمية الدعوة.

(3)عمرة القضاء

في ذي القعدة 7 هـ خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة قاصداً العمرة حسب المعاهدة في 2000 رجل سوى النساء والصبيان، ولم يتخلف من أهل الحديبية إلا ميت أو شهيد.

وخرج المسلمون في موكب مهيب يرفعون أصواتهم بالتلبية ويسوقون هديهم في مشهد لم تشهد المنطقة مثله، وكان الناس في القرى يخرجون لمشاهدة هذا الموكب.

الحيطة الحذر:

اصطحب النبي صلى الله عليه وسلم السلاح الكامل ولم يقتصر على السيوف تحسباً لأي طارئ وما أن علمت قريش وفي مقدمة القافلة 200 فارس بقيادة محمد بن مسلمة.

وما أن علمت قريش حتى أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستوضح وتؤكد أن المعاهدة اشترطت عدم دخول مكة بالسلاح فرد عليهم مؤكداً أنه على العهد.

ووضع رسول الله السلاح خارج الحرم وأبقي عنده محمد بن مسلمة وفرسانه.

دخول مكة:

دخل النبي صلى الله عليه وسلم على راحته “القصواء” والمسلمون حوله متوشحون سيوفهم محدقون به من كل جانب، وأصواتهم تعج بالتلبية لله العلي الكبير وهو ذات مغزى حيث تعلن الثناء والوحدانية لله “لبيك اللهم لبيك… لبيك لا شريك لك لبيك… إن الحمد والنعمة لك والملك… لا شريك لك”

واقترب الموكب المهيب من بيوت مكة وقد خرج الأهالي لمشاهدته فقسم صعد على رؤوس الجبال وقسم في دار الندوة المجاورة للكعبة.

وسمع النبي صلى الله عليه وسلم أن المشركين يشيعون أن المسلمين قد وهنتهم حمى يثرب فأمر بالإضلاع لكشف الكتف وأمر بالإسراع في الطواف ليري المشركين منهم قوة وذلك لإغاظتهم (كما تبختر أبو دجانة يوم أحد، وكما ساق النبي صلى الله عليه وسلم حمل أبي جهل يوم الحديبية) وهي حرب نفسية من النبي صلى الله عليه وسلم.

زواج النبي من ميمونة بنت الحارث:

ميمونة هي أخت أم الفضل زوجة العباس، عمرها 26 عاماً، مات زوجها وقد أوكلت أمر زوجها لأختها أم الفضل فأوكلت أم الفضل لزوجها العباس، فأراد العباس أن يزوجها بالنبي صلى الله عليه وسلم بن أخيه.

وحاول النبي أن يغتنم زواجه للتقرب من قريش وصنع وليمة لقريش لكنهم رفضوا لأن مهلة مكوث المسلمين بمكة قد انتهت وهي ثلاثة أيام المتفق عليها.

فخرج النبي وبنى بميمونه بسرف قرب التنعيم وهي أخر زوجاته صلى الله عليه وسلم وآخر من مات.

بنت حمزة بن عبد المطلب:

لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الخروج من مكة تبعته ابنة حمزة وكانت جارية صغيرة تناديه يا عم يا عم. فتناولها عليّ ليأخذها في كفلته وقال لفاطمة، دونك ابنة عمك، فاختصم فيها عليّ وزيد وجعفر كلهم يريدون كفالتها.

قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي.

وقال جعفر: هي ابنة عمي وخالتها تحتي

وقال زيد: ابنة أخي.

ففض النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم.

وقال لعلي: أنت مني وأنا منك.

فقال علي لزيد: ألا تتزوج ابنة حمزة.

قال: إنها ابنة أخي من الرضاعة.

دروس وفوائد:

1-الخالة بمنزلة الأم ومقدمة على غيرها في الحضانة إذا لم يوجد الأبوان والخالة مقدمة على العمة.

2-لقد تغيرت النظرة للمرأة فأصبحت البنت التي كانت يتعير فيها العرب محل تنازع على حضانتها.

إسلام عمرو وخالد:

لقد تأثر أهل مكة من هذه العمرة السلمية وأحدثت رأياً عاماً مؤيداً للمسلمين واعترافاً بانتصارهم ونمو دولتهم، تأثروا بذلك عمرو بن العاص وخالد بن الوليد.

1-عمرو بن العاص:

اقتنع عمرو بأنه لا مكان له بمكة بعد الذي وقع يوم الأحزاب وقال لقومه إن أمر محمد يعلو، وقرر أن يهاجر إلى الحبشة عند النجاشي، فلما ذهب إلى النجاشي ومعه الهدايا، وجد عنده عمرو بن أمية الضميري سفير النبي صلى الله عليه وسلم للنجاشي.

قال عمرو للنجاشي: أيها الملك أني قد رأيت رجلاً خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب أشرافنا وخيارنا.

فغضب النجاشي وقال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي يأتي موسى لقتله؟

قال عمرو: أكذلك هو؟

قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خلفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده.

قال: أتبايعني على الإسلام؟

قال: نعم. فبسط يديه وبايعه على الإسلام، ثم عاد لمكة كاتماً سر إسلامه ثم عزم السير إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فلقي في الطريق خالد لنفس السبب فذهبا وأسلما.

2-خالد بن الوليد:

كان خالد كلما خرج من مشهد مواجه للنبي صلى الله عليه وسلم ينتابه شعور أنه ليس على شيء وأن محمد سيظهر.

ولما كان يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم مع المسلمين يصلون الظهر بعسفان عزم خالد أن يهجم على المسلمين في صلاة العصر، ففوجئ بالمسلمين يصلون صلاة الخوف فقال خالد: الرجل ممنوع.

فلما تم صلح الحديبية قال خالد: أي شيء بقي؟ أين المذهب إلى النجاشي؟ فقد اتبع محمداً، وأصحابه آمنون عنده، فأخرج إلى هرقل فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية فأقيم مع عجم تابعاً أو أقيم في داري فيمن بقي؟

فلما كان يوم العمرة خرج خالد من مكة، وقد طلبه النبي صلى الله عليه وسلم لم يجده، فكتب مع أخيه الوليد كتاباً لخالد يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد؟

ثم قال الوليد لأخيه خالد نقلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما مثله جهل الإسلام، ولو كان جعل حكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له، ولقدمناه على غيره.

ثم قال الوليد: فاستدرك يا أخي ما فاتك، فقد فاتتك مواطن صالحة.

ففرح خالد ورأى رؤية أنه خرج من أرض ضيقة إلى بلد أخضر واسع.

ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم.

دروس وفوائد:

1-غضب النجاشي دل على صدق إيمانه، وكان سبباً في إسلام عمرو.

2-إسلام عمرو وخالد نصراً كبيراً للإسلام والمسلمين، فقد سخرا عقلهما وقوتهما لدعوة الإسلام.

3-كلمات النبي صلى الله عليه وسلم المؤثرة في تحبيب خالد وتعزيز إقدامه على الإسلام بكلمات مدح في عقله وبتقدير مكانته العسكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.