الأحد , ديسمبر 4 2022

أبو بكر الصديق (13) انفاذ جيش أسامة

سنتناول فيما يلي جزء من سيرة أبو بكر الصديق (13) انفاذ جيش أسامة.

قد يهمك:

كتاب أبو بكر الصديق

أبو بكر الصديق (13) انفاذ جيش أسامة

 

إعداد الجيش:

قبل مرض النبي صلى الله عليه وسلم بيومين، ندب الناس لغزو الروم وجهّز جيشاً أمر عليه الشاب أسامة نجل الشهيد زيد بن حارثة، وجعل في الجيش معه نخبه من كبار العسكريين من المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر. قال النبي صلي الله عليه وسلم لأسامة: سر إلي موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش. وطعن بعض الناس في إماره أسامة للجيش فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال:

“إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده

وتم تجهيز الجيش وعسكر في الجرف (على بعد ثلاثة أميال من المدينة)، لكن النبي صلى الله عليه وسلم مرض بعدها بيومين، فتوقف الجيش ولم يخرج وظل معسكراً في مكانه وقد عاد بعضهم للمدينة. ولما توفى النبي صلى الله عليه وسلم اضطربت الدولة ووصلت أنباء عن حركة المرتدين ومانعي الزكاة. ولما تولى أبو بكر الخلافة، وفي اليوم الثالث بعد وفاه النبي صلي الله عليه وسلم، أمر رجلاً أن ينادي في الناس: ليتم بعث أسامة رضى الله عنه، ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة رضى الله عنه إلا خرج إلى عسكره بالجرف.

اعتراض الصحابة وإصرار أبي بكر:

  اقترح بعض الصحابة على الصديق أن يبقي الجيش بسبب المستجدات الطارئة فقالوا: إن هؤلاء جل المسلمين، والعرب على ما ثرى قد انقضت بك وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعه المسلمين. وأرسل كذلك أسامة من معسكره عمر بن الخطاب ليستأذن الخليفة أن يرجع بالناس وقال: إن معي وجوه المسلمين وجلتهم، لا آمن علي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن يتخطفهم المشركون فكن أبا بكر كان مصمماً على إنفاذ الجيش.   وكثرت المحاولات لإقناع أبي بكر بخطورة الموقف، أمر أبو بكر بعقد اجتماع بجامعة مهاجرين والأنصار لتوضيح الأمر ودار نقاش طويل وعرض فيه أسباب الاعتراض وهو الخوف على المدينة وعلى الخليفة وكان من اشد المعترضين عمر بن الخطاب ولم ينتهي الاجتماع على شيء، ثم دعاهم أبو بكر إلى اجتماع آخر في المسجد وأعلن إصراره على استمرار الحملة ويجد ذلك بأنه أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم. “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ”. إذاً فقد اعتبر الصديق أن هذا الأمر ليس محلاً للاختيار والشورى وأخذ الرأي لأنه أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشورى لا تتم فيما فيه نص. وقف أبو بكر خطيباً وقال: والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبقى في القري غيري لأنفذته.  

اقتراح تغيير أسامة ورفض أبي بكر:

ولما تيقن الناس أن الأمر نافذ طلبت الأنصار أن يتم تغيير أسامة واستبداله برجل أسن منه، وأرسلوا إلى عمر بن الخطاب ليكلم الخليفة في ذلك. قال عمر لأبي بكر: فإن الأنصار تطلب رجلاً أقدم سناً من أسامة فوثب أبو بكر وكان جالساً فأخذ بلحية عمر وقال له: ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أنزعه، فخرج عمر رضى الله عنه إلى الناس فقالوا: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم! ما لقيت في سببكم من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

انطلاق الجيش ووصية أبي بكر:

وخرج أبو بكر إلى الجيش يوزعهم ويوصيهم وهو ماشي وأسامة راكب فرسه، فقال أسامة: يا خليفه رسول الله، والله لتركبن، أو لأنزلن. فقال: والله لا تنزل والله لا أركب، وما عليّ أن أغيرّ قدمي في سبيل الله ساعة. ثم قال الصديق لأسامة: إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل فأذن له. ثم توجه الصديق إلى الجيش فقال : يأيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فحفظوها مني لا تحزنوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأه، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجره مثمرة ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيراً إلا لمأكلكم، وسوف تمرون بأقوام  قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم فيه شيئاً بعد شيء فاذكروا اسم الله عليه، وتلقون أقواماً قد فحصوا (حلقوا) أوساط رؤوسهم وتركوا أحوالها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقا اندفعوا باسم الله. وقال الصديق لأسامة: اصنع ما أمرك به نبي الله، ابدأ ببلاد قضاعة ثم إيت آبل ولا تقصّرن في شيء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تعجلن لما خلفت عن عهده.

نتائج الحملة:

نهض أسامة بجيشه وانتهى إلى ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من بث الخيول في قبائل قضاعة والغارة على آبل فسلم وغنم وكان مسيرة ذهاباً وقافلاً 40 يوماً. وقد بلغ هرقل خبر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه خبر إغارة جيش المسلمين في أرض الروم فقالت الروم: ما بال هؤلاء يموت صاحبهم ثم أغاروا على أرضنا؟ وقال العرب: لو لم يكن لهم قوه لما أرسلوا هذا الجيش، فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه. ولما عاد جيش أسامة ظافراً غانماً قال هرقل لطارقته: هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوا مني، قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر فتغير عليكم ثم تخرج من ساعتها ولا تكّلم، قال أخوه (يناف): فابعث رباطاً (جنداً مرابطين) تكون بالبلقاء، ففعل إلى أن جاءت فتوح المسلمين إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر. وقد فزعت القبائل العربية في الشمال من قوة المسلمين وقد ساعد ذلك على إضعاف جهود المرتدين في شمال الجزيرة، ثم إضعاف باقي الجبهات بعد عودة أسامة منتصراً.

دروس:

اختلف تفسيرات العلماء على موقف أبي بكر من مسألة الشورى، واستنبط بعضهم بأن الشورى غير ملزمة في وجود نص، وأن رأي الأغلبية لا يشترط أن يكون صواباً وحقيقة المسألة غير ذلك فالخلاف لم يكن في ترجيح رأي أهل الشورى وإنما في مدى صعوبة طرح المسألة للشورى. وقد رأي أبو بكر أن الأمر لا يجوز أخذ الشورى فيه، لأنه أمر من رسول الله صلي الله عليه وسلم قبل وفاته، والشورى لا تكون فيما فيه نص من القرآن والسنه (انظر الشورى في الإسلام) وقد كان الصحابة يشهدون لأبي بكر أنه أعلم الناس وأفقههم وأفهمهم للقران والسنة فاستجابوا وانشرحت صدورهم.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.