قصة عيسى بن مريم عليه السلام (ج1) | مختصر ابن كثير

عيسى عليه السلام، هو عبد الله ونبيه، وهو ابن السيدة مريم بنت عمران من ذرية سليمان عليهم السلام، وليس له أب فقد خلقه الله كما خلق آدم من قبل، وهو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وسمى المسيح لمسحه الأرض أي سياحته فيها، ونتناول قصة عيسى وأمه مريم عليهما السلام من كتاب قصص الأنبياء لابن كثير باختصار وبتصرف.

ميلاد مريم وكفالتها

كان عمران والد السيدة مريم صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكانت أم مريم من العابدات، وكان زكريا نبي ذلك الزمان هو زوج أخت مريم أو زوج خالتها.

وتعود قصة ميلاد مريم إلى أن أمها نذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها محرراً من الدنيا وتوهبه حبيساً لبيت المقدس، ليكون من خدام البيت.

ولما وضعت مولودها كانت أنثى، وكان الناس في ذلك الزمان ينذرون الذكور خداماً لبيت المقدس وليس الإناث، فقالت: رب إني وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، وإني سميتها مريم وإني أعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم.

تقبل الله دعاء أم مريم بقبول حسن، وأنبتها نباتاً حسناً، وراحت أم مريم توفي بنذرها، فأخذت ابنتها مريم ودفعت بها إلى بيت المقدس لتكون من خدام البيت.

وافق عباد المسجد أن يأخذوا مريم من أمها والتي هي ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم، فلما أخذوها تنازعوا واختصموا فيما بينهم أيهم يكفلها، وكان كل واحد منهم يريد أن يكفلها، وكان من بينهم زكريا عليه السلام وهو نبي ذلك الزمان كما أنه زوج أخت مريم أو زوج خالتها، فاتفقوا فيما بينهم على أن يقترعوا لتحديد الكفيل بالقرعة.

كانت القرعة باستخدام الأقلام، فقد كان لكل واحد منهم قلماً معروفاً به، فوضوعوها معاً وجعلوا غلاماً صغيراً يختار واحداً، فاختار قلم زكريا، فتنازعوا وطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية وأن يكون ذلك بأن ألقوا أقلامهم في النهر فأيهم جرى قلمه على خلاف جرية الماء فهو الغالب ففعلوا فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جرية الماء، وسارت أقلامهم مع الماء، فتنازعوا وطلبوا أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ويكون بقية الأقلام قد انعكس سيرها صعداً فهو الغالب ففعلوا فكان زكريا هو الغالب لهم، فكفلها إذ كان أحق بها شرعاً وقدراً.

اتخذ زكريا مكاناً شريفاً من المسجد، محراباً خاصاً بمريم لا يدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه، وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها، وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها، حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل.

اشتهرت مريم بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى إن نبي الله زكريا كلما دخل عليها محرابها يجد عندها رزقاً غريباً في غير أوانه. فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها: أنى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فعند ذلك طمع زكريا في أن يرزقه الله ولداً، فرزقه الله بيحي عليه السلام وكان نبياً أيضاً.

ميلاد المسيح عيسى

جاءت الملائكة إلى مريم وقالت: يا مريم إن الله اصطفاك واختارك من بين الناس، وطهرك من الأخلاق الرذيلة، وميزك على نساء العالمين، وكتب لك أن تلدي ولداً بغير أب، يكون نبياً شريفاً من الصالحين، ويكلم الناس وهو في مهده كما يكلمهم وهو كهل شيخ كبير.

قالت مريم متعجبة: كيف يكون ولد ولم يمسسني بشر؟

قالت الملائكة: كذلك الله يخلق ما يشاء، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون.

عند ذلك استكانت مريم لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فليس كل الناس يعلمون بحقيقة الأمر.

وفي يوم من الأيام خرجت مريم لبعض شئونها، وانفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى، وبينما هي كذلك إذ جاءها الملك جبريل عليه السلام وتمثل لها بشراً سوياً، فلما رأته قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً. فأخبرها أنه ليس بشراً وإنما ملك رسول من عند الله فقال لها: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً. قالت: أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكن بغياً؟ قال: كذلك قال ربك هو عليه هين، وليجعله آية للناس ورحمة منه، وكان أمراً مقضياً. ونفخ جبريل من روح الله في جيب درعها فنزلت النفخة إلى فرجها فحملت من فورها.

ولما حملت مريم طفلها، ضاقت به ذرعاً، إذ كيف تظهر أمام الناس وهي حبلى؟ وماذا سيقول الناس في حقها وشرفها، ولما بدأت مخايل الحمل تظهر، بدأ الناس يلحظون ذلك، وكان أول من انتبه لذلك رجل من عُباد بني إسرائيل يقال له يوسف بن يعقوب النجار، وكان ابن خالها، فتعجب لذلك فهو يعلم جيداً مريم وديانتها ونزاهتها وعبادتها، فسألها: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟ قالت: نعم، فمن خلق الزرع الأول. قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى. قال: فأخبريني خبرك؟ قالت: إن الله بشرني بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين، ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين.

ولما رأى زكريا عليه السلام ذلك، سألها وأجابته وصدقها، وكانت زوجة زكريا حبلى بيحي وقت حمل مريم، فلما التقت بمريم قالت: يا مريم إني حبلى. فقالت مريم: وأنا أيضاً حبلى. فقالت زوجة زكريا: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.

انتشر خبر حمل مريم في بني إسرائيل، واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد بالمسجد، واشتد الأمر على أهلها وعلى آل زكريا عليه السلام، وكان ابتلاءً عظيماً من الله لمريم ابنة عمران، فتوارت عن أعين الناس، وانفردت بحملها في مكان بعيد، وظلت كذلك حتى جاء موعد الميلاد.

ولما جاءها مخاض الميلاد، التجأت إلى جزع نخلة، وغلبها الحزن والكرب لما ألم بها، فدار بخلدها أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها حين تخرج عليهم بغلامها، رغم أنها من من بيت النبوة ومن العابدات الناسكات المنقطعات لخدمة المسجد، وغلبها الهم مع المخاض وهي وحدها بلا مساعد، ولما ولدت طفلها قالت: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً. فإذا بطفلها عيسى عليه السلام يتكلم ويرد على أمه: لا تحزني، قد جعل ربك تحتك سرياً، (أي سيداً عظيم الخصال).

كانت مريم وحدها، ليس معها من يعاونها في الولادة، ويجلب لها الماء والطعام وهي نفساء، وضعيفة من أثر الولادة، فرزقها الله الماء من تحتها والطعام من فوقها، فقد أنبع لها نهراً صغيراً من أسفلها، كما نمى لها ثمار النخلة بالبلح حيث اخضر ثم احمر ثم اسود حتى أصبح في هيئة التمر والرطب، وجاءها الأمر أن تهز جذع النخلة يتساقط عليها هذا الرطب الطازج، وبذلك يطمئن قلبها ولا تحزن، فتأكل وتشرب وتقر عيناً، وإذا واجهت الناس تقول بالإشارة أنها صائمة، والصوم في شريعتها ترك الطعام والكلام.

وفي هذا اليوم المبارك من مولد عيسى، ظهر نجم عظيم ساطع في السماء، ووقعت الأصنام في مشارق الأرض ومغاربها، وقد احتارت الشياطين في معرفة سبب ذلك حتى أخبرهم إبليس الكبير عن أمر عيسى، فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به.

ولما استعادت مريم عافيتها، حملت طفلها، وخرجت به إلى قومها، فواجهها القوم بالتأنيب والتوبيخ والاتهام بالفاحشة فقالوا: يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً (أي فعلاً منكراً) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً.

أشارت مريم إليهم تخبرهم أنها صائمة ولن تكلم اليوم إنسياً، ثم أشارت إلى طفلها أن تكلموا معه فهو يجيبكم ويرد عليكم، فتعجب القوم وقالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبياً! أتطلبين أن نتحدث مع صبي لا يعقل الخطاب ولا يملك الجواب؟ فإذا بالطفل عيسى عليه السلام يتكلم ويخاطبهم: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً، والسلام علىّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً.

كان كلام عيسى مدهشاً للسامعين ومعجزة وآية رد فيها الاتهامات والافتراءات، فقال إنه عبد لله وليس ابن الله كما زعمت النصارى من بعده، وقال إنه نبي والنبوة لا تعطى إلا لذو نسب شريف فبرأ والدته مما نسب إليها من البهتان، وقال إنه مأمور ببرها وإعطاء حقها، كما أنه مأمور بالصلاة والزكاة.

 

قصص الأنبياء

تابع أيضاً:

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.