///////

قصة صالح عليه السلام | مختصر ابن كثير

قوم ثمود هم قبيلة عربية مشهورة، من نسل نوح عليه السلام، وكانوا يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك وكانوا بعد قوم عاد، وكانوا يعبدون الأصنام كأولئك، فبعث الله فيهم رجلاً منهم وهو صالح عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده، وأن يخلعوا الأصنام، ونتناول في هذه السطور قصة صالح باختصار وبتصرف من كتاب قصص الأنبياء لابن كثير.

كانت ثمود لها حضارة وقوة، فاتخذت من السهول قصوراً بنتها من الحجارة، كما استطاعت أن تنحت داخل الجبال وتصنع بيوتاً متينة وآمنة، وسماهم الله في القرآن “أصحاب الحجر” فقد تفننوا في العمارة باستخدام الحجر، لكنهم لم يتعظوا بما حدث لقوم عاد، وكفروا بالله وصنعوا أصناماً من الحجارة وعبدوها، واستكبروا في الأرض، فأرسل الله إليهم نبيه صالحاً.

قال صالح: ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وتذكروا عاقبة من حدث لقوم عاد من غضب الله وهلاكهم، وجعلكم خلفاء في الأرض من بعدهم، تذكروا آلاء الله ونعمه عليكم، وقد أنزلكم هذه الأرض وجعلكم تعمروها وتسكنون فيها وتبنون القصور والكهوف، وأعطاكم من الزروع والثمار، ياقوم لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، واستغفروا الله وتوبوا إليه، فإنه يقبل منكم ويتجاوز عنكم.

قال قوم ثمود: ما هذا يا صالح؟ ما الذي حدث لعقلك؟ قد كنت فينا مرجواً وذو رجاحة في العقل قبل هذا الذي تدعونا إليه، أتأمرنا أن نترك دين آبائنا وأجدادنا، ونعبد الله وحده، إن دعوتك مريبة، ومشكوك في صحتها، عد إلى رشدك، ودع هذا الذي تدعونا إليه.

قال صالح: وماذا لو كان ما أدعوكم إليه هو الأمر الصحيح؟ وأن الله أرسلني إليكم برحمة منه، ما عذركم إذن عند الله؟ ومن يخلصكم من بين يديه؟ أما أنا فلا يمكنني أن أترك عبادة ربي وطاعته، فإن فعلت فإنني أكن من الخاسرين، وعندها من يجيرني من الله وينصرني؟

قالت ثمود: يا صالح، إنك لا تدري ما تقول، إنك مسحور، فقد أصابك أحدهم بالسحر، لا ندري ما الذي ستسفيد منه بهذا الكلام، ما هو الأجر الذي ستحصل عليه مقابل القيام بدعوتك هذه؟

قال صالح: يا قوم لا أبتغي منكم أجراً، فأجري على رب العالمين، وما أصابني سحر أو جنون، إنما أنا رسول من رب العالمين، فاتقوا الله وأطيعون.

واستمر صالح يحاول دعوة القوم إلى عبادة الله، ودعا ضعفاؤهم إلى عدم الاستجابة لكبراءهم الذين أسرفوا وجحدوا بالله وكفروا به، فاستجاب لصالح بعض القوم الضعفاء وآمنوا بالله، لكن سادة القوم لم يصمتوا أمام ذلك وراحوا يثنون المؤمنين عن إيمانهم، ويردوهم إلى الكفر بالله، فقالوا لهم ساخرين: أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه؟ قال الضعفاء: نحن نؤمن به وبما أرسل، قال المستكبرون: إنا بالذي آمنتم به كافرون، وازدادت الخصومة والعداوة بين الفريقين.

اشتدت سخرية القوم من نبي الله صالح والذين آمنوا معه، واجتمعوا يوماً في ناديهم، فجاءهم صالح يدعوهم ويذكرهم ويحذرهم ويوعظهم، لكنهم استمروا في السخرية، وقالوا له: إن كنت صادقاً فأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء طويلة، فقال صالح: أرأيتم إن فعلت ذلك، أتؤمنون؟ قالوا: نعم. فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك.

قام صالح فصلى ودعا الله أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء كما وصفوا.

رأى القوم أمراً عظيماً، ومنظراً هائلاً، وقدرة باهرة، ودليلاً قاطعاً، وبرهاناً ساطعاً، فآمن أحد رؤساء القوم ومعه بعض القوم، لكن أكثرهم استمروا على كفرهم وضلالهم وعنادهم.

قال صالح لقومه: هذه ناقة الله، آية ودليل على صدق ما دعوتكم به، وهي ناقة تأكل كيفما شاءت من أرض الله، ولها يوم تشرب فيه ماء البئر، ويوم آخر تتركه لكم لتشربوا فيه، ولا يمس أحدكم هذه الناقة بأي سوء فيأخذكم عذاب أليم، وهذا ابتلاء من الله لكم ليختبركم أيكم يؤمن به وأيكم يكفر؟

وكان أمر الناقة عجيباً، حيث كانت تعيش بينهم، ترعى من حيث شاءت، وترد الماء يوماً بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكان القوم يؤجلون حاجتهم من الماء في يومهم التالي خشية الاقتراب من الناقة فتؤذيهم.

فلما طال عليهم هذا الحال اجتمع أمرهم واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة، ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشّيطان أعمالهم، وتولى قتل الناقة رئيس القوم، واستعان بتسعة شباب من أفسد شباب القوم الذين تولوا إقناع بقية القوم بضرورة قتل الناقة، وتزيين هذا الأمر بين الناس فاستجاب لهم آخرون.

قال صالح: يا قوم، لم تستعجلون السيئة قبل الحسنة؟ أنتم تثيرون فتنة وسط الناس، أليس من الأولى أن تستغفروا الله لعلكم ترحمون؟ قالوا: يا صالح لم نعد نريد رؤيتك، نتشاءم كلما رأيناك.

وراح القوم يرصدون الناقة ويتتبعونها، فلما وردت الماء، رماها أحدهم بسهم، وضربها آخر بالسيف، وطعنها ثالث، ونحروا الناقة، وقتلوها.

عمت الفرحة قوم ثمود الكافرين وراحوا يحتفلوا بمقتل الناقة، ثم توجهوا لصالح قائلين: يا صالح ائتنا بما وعدتنا من العذاب، ها نحن أمامك وقد قتلنا الناقة، فقال نبي الله صالح: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ثم ينزل عليكم عذاب الله وغضبه مما فعلتموه.

اجتمع القوم للمكر بصالح واتفقوا على أن يلحقوه بالناقة ويقتلوه سراً في الليل ثم ينكرون أنهم قتلوه حتى لا يطالب أولياءه بدم فقالوا: تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم نقول لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون. لكن الله من فوقهم يمكر فوق مكرهم وهم لا يشعرون.

بعد مرور ثلاثة أيام راح القوم يتأهبوا ويترقبوا وينتظروا ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة، فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة من أسفل منهم، فكانت صاعقة العذاب المهين، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الأصوات، وحقت الحقائق فأصبحوا في دارهم جاثمين، جثثاً لا أرواح فيها ولا حراك بها، وأصبحت بيوتهم خاوية بما ظلموا، ونجى الله المؤمنين، وتركها الله آية للعظة والعبرة.

ووقف صالح ينظر ما حل بقومه بعد هلاكهم قائلاً: يا قوم، لقد أبلغتكم رسالة ربي واجتهدت بكل ما أمكنني لهدايتكم، ونصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين.

قصص الأنبياء

تابع أيضاً:

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.