قصة يوسف عليه السلام (ج1) | مختصر ابن كثير

نبي الله يوسف عليه السلام، هو ابن النبي يعقوب ابن النبي إسحاق ابن الخليل إبراهيم عليهم السلام، لذلك أطلق عليه لقب الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، نشأ في بيت النبي يعقوب، وكان ليوسف شقيق من أمه يسمى بنيامين، و10 أشقاء آخرين من أم أخرى، وكان يوسف أحسنهم وأكرمهم، وكانت له منزلة خاصة عند أبيه.

اختار الله يوسف وجعله نبياً، وعلمه تأويل الرؤى والأحاديث، وخصه بأنواع اللطف والرحمة والعناية، وأنزل عليه الوحي كما آباءه إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

رأي يوسف في منامه وهو صغير أن أحد عشر كوكباً بالإضافة للشمس والقمر قد سجدوا له، فلما استيقظ قصها على أبيه يعقوب، وفهم يعقوب تأويل الحلم وعرف بأن يوسف سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة بحيث يخضع له فيها أبواه الإثنان وإخوته الإحدى عشر، فأمر يعقوب ابنه يوسف بكتمان الرؤية وألا يقصها على إخوته، حتى لا يحسدوه ويكيدوا له المكائد، فالشيطان يعادي بين الأشقاء ويفسد ذات البين، فهو عدو مبين للإنسان.

اجتمع أخوة يوسف يوماً وقالوا: إن يوسف وأخيه بنيامين أحب إلى أبينا منا رغم أننا جماعة أكثر عدداً منهما وأولى بالمحبة منهما، لقد أصبح أبونا في ضلال واضح، لا يحسن تقدير عصبتنا، وإن استمر الأمر هكذا تزداد محبة أبينا ليوسف.

كان إخوة يوسف قد تملكهم الحسد والغيرة من يوسف، وأغواهم الشيطان حتى قال بعضهم: اقتلوا يوسف أو ابعدوه إلى أرض لا يرجع منها ثم توبوا بعدها، وبذلك يخلوا لكم وجه أبيكم، وتستحوذوا على حبه.

قال قائل منهم: لا تقتلوا يوسف، لكن ألقوه داخل البئر حتى يلتقطه بعض المسافرين ويأخذوه، وبذلك يتم إبعاده وتغريبه.

رتب الإخوة جريمتهم ومكرهم، وانطلقوا إلى أبيهم وطلبوا منه أن يأذن لهم باصطحاب يوسف معهم ليرعى معهم ويلعب وينبسط، وقالوا: يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له ناصحون؟ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون.

قال يعقوب: يا بني، يوسف ما زال صغيراً، وإني أقلق حين تأخذوه معكم، ويشق على أن أفارقه، وأخاف أن تغفلوا عنه وتتركوه فيأكله الذئب.

قالوا: يا أبانا كيف يأكله الذئب ونحن عصبة، لو حدث ذلك لأصبحنا خاسرين.

ولم يزالوا بأبيهم حتى بعث يوسف معهم، فلما انصرفوا بعيداً، تعاملوا معه بشكل مهين، فشتموه وأهانوه بالقول والفعل، حتى وصلوا لبئر بعيد يستخدمه المسافرون، وأخذوا قميصه ثم ألقوه في قعر البئر على راعونته (وهي الصخرة وسط البئر التي يقف عليها الشخص ليملي الدّلاء إذا قلَّ الماء)، فلمّا ألقوه فيه أوحى الله إليه أنه سيفرج عنه ويخرجه وسيأتي يوم يلتقي فيه بإخوته مرة أخرى ويواجههم بفعلتهم هذه، ولم يشعر هؤلاء الإخوة بما أوحاه الله ليوسف.

واستكمل الإخوة مكرهم ولطخوا قميص يوسف بشئ من الدم، ورجعوا إلى أبيهم عشاءً في ظلمة الليل وهم يتصنعون البكاء على أخيهم، ووضعوا القميص بين يدي أبيهم، وقالوا: يا أبانا إنا كنا نتسابق وتركنا يوسف عند أمتعتنا فأكله الذئب، وما أنت بمصدق لنا حتى ولو كنا صادقين.

لم يطمئن يعقوب لصحة ما ادعوه، ونظر للقميص فوجده سليماً ليس عليه آثار خرق أو تمزيق، وقال: بل سولت لكم أنفسكم أمراً. وحاول أن يعرف منهم الحقيقة لكنهم أجمعوا على المكر والكذب ولم يفلح يعقوب في الوصول لشئ فقال: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. وعاش يعقوب في كرب وحزن على فراق يوسف.

ظل يوسف داخل البئر يترقب فرج الله، وينتظر ما تسفر عنه لطائف الله وعنايته، وبينما هو كذلك إذ أقبل على البئر جماعة من المسافرين المتجهين نحو ديار مصر، فلما أرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، وأدلى أحد رجالهم دلوه، تعلق يوسف في هذا الدلو، وفوجئ الرجل بيوسف وقال: يا بشرى وجدت غلاماً. وضموه سراً لبضاعتهم ليوهموا أن معهم غلام من جملة متجرهم ليتعرض يوسف للرق ويصبح أسيراً للبيع والشراء، وهو النبي الكريم ابن الأنبياء الكرام، لكن الله عليم بما يعملون.

لما استشعر أخوة يوسف استحواذ المسافرين على يوسف وضمهم له كأسير، لحقوا بهؤلاء المسافرين وقالوا لهم: هذا غلامنا وأنتم أخذتموه منا، فعرض أحد المسافرين على إخوة يوسف أن يشتريه منهم، ووافق أخوة يوسف على بيعه بقليل من الدراهم، وكانوا فيه من الزاهدين، فأهانوا يوسف مرة أخرى ببيعه وبلا قيمة، وأخذوا الدراهم وانصرفوا فرحين بنجاح خططتهم ومكرهم بيوسف.

وصل مصير يوسف إلى أن أصبح ضمن الرق التابعين لعزيز مصر، وهو الوزير القائم بإدارة خزائن البلاد، ولما رأي يوسف وهو غلام حسن الطلعة، قال العزيز لزوجته: أكرمي هذا الغلام، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. فأحسن العزيز وامرأته إلى يوسف، واعتنيا به، ومكن الله ليوسف بعد هذه الرحلة أن يستقر في وضع يمكنه من أرض مصر، فيطلع على شئونها وأحوالها وكيف تدار، وليعلمه الله كيفية تأويل الأحاديث وفهمها، وتعبير الرؤيا، وهكذا كانت رعاية الله وحفظه لنبيه وحكمته أن جعل من البلاء الذي حل بيوسف فاتحة خير له.

عاش يوسف في قصر العزيز مكرماً، وبلغ أشده، وأصبح شاباً ذا جمال لافت في خلْقه وخُلُقه، وآتاه الله العلم والحكمة، وبلغ الأمر به أن افتتنت به امرأة العزيز وهي سيدته وزوجة سيده، فكانت محنة جديدة ليوسف عليه السلام.

كانت امرأة العزيز في ريعان شبابها، وهي ذات سلطة ومال وجمال، ووقعت في حب يوسف، وراحت تتودد إليه، وتتقرب منه، وذات يوم دبرت للإيقاع بيوسف في عشقها حتى يبادلها ذات العشق، ويقعان في الفاحشة، فتزينت له، واستدعت يوسف لغرفتها، وأحكمت إغلاق الأبواب، وراحت تراوده، وتتطلب منه أن يتقرب منها، وقالت: لقد صنعت كل هذا من أجلك، وتهيأت لك، فتعال إلىّ.

وجد يوسف نفسه أمام فتنة غير معهودة له، وكانت أعظم بلاء عليه مما رآه من الفتن السابقة، قال لها: معاذ الله، لا يمكنني أن أقع فيما حرمه الله، ولا يمكنني أن أخون سيدي الذي أكرم مثواي، وأمنني على أهله، إن هذا من أعظم الظلم إن فعلته، وإنه لا يفلح الظالمون.

لم تفلح رودود يوسف في منع امرأة العزيز أن تستمر في غيها وإغراءها، فحاولت مراراً أن تجذبه إليها وهو يرفض ويمانع، ولقد همت به وهم بها، لولا أن الله حفظه وعصمه وأراه البرهان على نبوته والبرهان على جزاء من يفعل الفاحشة، فصرف الله عنه الوقوع في السوء والفحشاء، فهو نعم العبد المؤمن المخلص لله تعالى.

لم تتوقف امرأة العزيز عن مطاردة يوسف داخل الغرفة، ويوسف يهرب منها ويحاول فتح الباب للفرار من هذه المحنة، وأثناء محاولتها الإمساك بيوسف مزقت قميص يوسف من شدة جذبها له، فأسرع يوسف هرباً نحو الباب، وأسرعت امرأة العزيز تسابقه لمنعه، وبينما هما كذلك إذا بالباب يفتح وإذا بزوجها ومعه أحد أقاربها أمام الباب.

أسرعت امرأة العزيز لتبرئة نفسها وإلصاق تهمة الخيانة في يوسف فقالت، وهي تتظاهر بالغضب: ما جزاء من أراد بأهلك سوء؟ إلا أن يسجن أو عذاب أليم. قال يوسف مدافعاً عن نفسه: ما كان لي أن أخون سيدي، بل هي التي راودتني عن نفسي.

ولفت انتباه قريبها دليلاً يكشف الحقيقة، فشهد ضدها رغم أنه قريبها ومن أهلها، فقال بذكاء: لو كان قميص يوسف ممزقاً من الأمام لكانت صادقة وهو الكاذب، وإن كان القميص ممزقاً من الخلف، لكانت كاذبة وهو الصادق. فأسقط في يدها وانكشف أمرها وظهرت براءة يوسف.

توجه العزيز لزوجته باللوم، وأقر بكذبها، وسوء فعلتها، وعظم الكيد الذي دبرته للإيقاع بيوسف ثم إلصاق التهمة به، وحاول العزيز ستر الفضيحة حتى لا يسمع بها أحد فتسئ إليه كما أساءت لزوجته، فأمر يوسف أن يكتم هذا الأمر ولا يتحدث به نهائياً مع أي أحد، ثم طلب من زوجته أن تقلع عن مثل هذه الأفعال، وتستغفر ربها من خطئها، وحذرها من أن تفعل ذلك مرة أخرى.

 

قصص الأنبياء

تابع أيضاً:

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.