///////

قصة يوسف عليه السلام (ج3) | مختصر ابن كثير

أعجب الملك بيوسف عليه السلام، وما عنده من علم وحكمة وأمانة، وخلق وعفة، فأمر الحراس أن يأتوا بيوسف ويستخلصه لنفسه، ليصبح من خاصة الملك ومن أكابر دولته ومن أعيان حاشيته، فلمّا كلمّه وسمع مقاله وتبين حاله، قال له: إنك اليوم لدينا مكين أمين.

طلب الملك من يوسف أن يتولى إدارة العمل في سنوات الخصب والجدب، فقال يوسف: لكي أنظم الزورع والتخزين، اجعلني على خزائن الأرض أنا أستطيع حفظها وعليم بكيفية تدبيرها. فأصدر الملك قراراً بتعيين يوسف عليه السلام عزيزاً لمصر، وبهذا جعل الله محنة امرأة العزيز وما نتج عنها من سنوات السجن جعلها سبباً لتمكين يوسف في الأرض، ليصبح معظما مكرماً في أي موضع يسير فيه، فكانت رحمة من الله لعبده يوسف المحسن.

أصبح يوسف عزير مصر، يتولى شئون الخزائن، وبدأت سنوات الخصب، ويوسف يدبر عمليات تخزين المحاصيل، ومرت السنوات السبع الأولى وقد أحسن يوسف توزيع وتخزين الطعام والمحاصيل، وبدأت سنوات الجدب وانقطاع المطر، وهلاك الزروع، وأصيبت البلاد بحالة الجدب العامة، وقاد يوسف تنظيم عمليات وكميات توزيع الطعام على العباد، وذاع صيت مصر وعزيزها في تدبير احتياجات العباد، فأقبل الناس على العزيز لينقذهم ويمدهم بالطعام وينقذوه من الهلاك.

وذات يوم وبينما يوسف يوزع كيل الطعام على الناس إذا من بينهم إخوته الذين مكروا به وألقوه في البئر، عرفهم يوسف لكنهم لم يعرفوه فقد تغيرت هيئته منذ أن تركوه وهو غلام صغير وبعدما مرت هذه السنين التي قضاها في القصر وفي السجن وفي الحكم، فجاؤوا ليوسف ليبيعوا بضاعتهم ويأخذوا بالمقابل طعاماً من خزائن يوسف، فجهز يوسف لهم جهازهم وأعطاهم من الميرة، ثم سألهم عن أحوالهم وأحوال أسرتهم، فأخبروه بأنهم أبناء يعقوب وقالوا: كنا إثني عشر رجلاً، فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا. فقال يوسف: عند قدومكم في المرة القادمة، أحضروا معكم أخيكم هذا، ألا ترون أني أحسنت نزلكم؟ قالوا: لكن أبانا لا يفارقه ولا يتركه للسفر معنا. قال يوسف: إذا لم تأتوني بأخيكم فلن أعطيكم أية ميرة، ولن يقترب أي منكم من هذه الأراضي. قالوا: سنحاول إقناع أباه ونحضره إليك.

وأمر يوسف فتيانه أن يرد بضاعتهم في رحالهم سراً لعلهم يكتشفون ذلك بعدما يصلون إلى أهلهم فيشجعهم على العودة مرة أخرى لجلب الطعام من يوسف.

لما رجع إخوة يوسف إلى أبيهم قصوا عليه ما حدث معهم وقالوا: يا أبانا لن نستطيع الحصول على الكيل مرة أخرى إذا لم نأخذ معنا أخانا بنيامين، فأرسله معنا لنحصل على الكيل وإنا له لحافظون. قال يعقوب: هل تطلبون مني أن أئتمنكم على بنيامين كما ائتمنتكم على يوسف من قبل، لا يمكن لكم أن تأخذوه، لن أفارقه، وليحفظه الله وهو أرحم الراحمين.

وبينما يقوم إخوة بيوسف بتنزيل الأحمال من البعير، فوجئوا ببضاعتهم قد ردت إليهم، فقالوا: يا أبانا، انظر إلى كرم عزيز مصر، لقد رد البضاعة إلينا وأحسن إلينا، وإذا اصطحبنا بنيامين معنا سنحصل على المزيد ونحضر الطعام لأهلنا، ونرعى أخانا ونحفظه، وبه نزداد كيل بعير.

ولا زالوا بيعقوب يحاولون إقناعه، خاصة أن قومه لهم حاجة إلى الميرة، فاشترط عليهم أن يعاهدوه ويعطوه موثقهم من الله أن يحافظوا عليه ويأتوا به إلا إذا أحيط بهم جميعاً، فلما أعطوه عهودهم ومواثيقهم، قال: الله على ما نقول وكيل، يا بني إني أخشى عليكم أن يحاط بكم أو أن تصيبكم العين لجمعكم هذا، فإذا دخلتم مصر، فادخلوا من أبواب متفرقة، وما أغني عنكم من الله من شيء إن نزل بكم حكم الله، لكني أتوكل على الله، وعليه فليتوكل المتوكلون. كان يعقوب قلقاً وخائفاً على ابنه بنيامين أن يصيبه مكروهاً من إخوته، لكنه نبي وذو علم، يعلم يقيناً أنه يسير بقدر الله، وما كان أمره لأولاده أن يدخلوا متفرقين إلا لحاجة في نفسه قضاها.

دخل إخوة يوسف من حيث أمرهم أبوهم، واستضافهم يوسف وأحسن إليهم، ثم آوى إليه أخاه بنيامين سراً وأخبره بأنه أخوه يوسف، فالتقى الأخوان وتعانقان شوقاً بعد غياب كل هذه السنين، وجلس بنيامين يخبر يوسف بما حل به وبوالده يعقوب، ومن سوء أفعال إخوته معه، فطمأنه يوسف وقال: لا تبتئس بما كانوا يفعلون. ثم دبر يوسف حيلة وأخبر أخيه أن يكتمها ولا يخبر بها أحداً من إخوته.

جهز يوسف جهاز إخوته من الطعام والمير، ثم أمر فتيانه أن يأخذوا وعاءه الذي يشرب فيه ويكيل بها الطعام للناس ويضعوه في أمتعة بنيامين، ولما هم إخوة يوسف بالانطلاق للرحيل إلى أهلهم، نادى المنادي: يا أصحاب العير توقفوا، إنكم لصوص. رجع الأخوة وأقبلوا على المنادي وقالوا: ماذا تفقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك، وأنتم آخر من حملناهم الطعام. قالوا: تاالله لقد علمتم أننا ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين. قال الفتيان: فماذا لو كنتم كاذبين ووجدنا الصواع مع أحدكم، ما جزاؤه؟ قالوا: إن من شرعتنا أن السارق ندفعه للمسروق منه لينال جزاءه، ولو فعل أحدنا ذلك نسلمه لكم.

أمر يوسف أن يتم تفتيش كل راحلة معهم للبحث عن الصواع، وبدأ بأوعيتهم، وجعل البحث في وعاء بنيامين هو الأخير، فلما استخرجوا السقاية من رحل بنيامين، فوجئ أخوة يوسف، وقال أحدهم: بنيامين سارق؟ إن كان سارقاً فقد كان أخيه يوسف سارقاً من قبله. وكان وقع الكلمة ثقيلاً في نفس يوسف فأسرها في نفسه ولم يبدها لهم، وقال: أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون.

قالوا: يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه، إنا نراك من المحسنين. قال: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذن لظالمون.

لم يستطع إخوة يوسف أن يأخذوا بنيامين، وعجزوا عن إقناع يوسف، فلما استيأسوا من أخذه منه خلصُوا يتناجون فيما بينهم، قال كبيرهم: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله لتأتنني به الا أن يحاط بكم؟ لقد أخلفتم عهده وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به، فلن أبرح هذه الأرض حتى يأذن لي أبي في القدوم عليه أو أن يقدر لي الله أن أرد أخي إلى أبي.

رجع بقية الأخوة إلى أبيهم يعقوب وقالوا: يا أبانا إن ابنك بنيامين قد سرق وأخذه العزيز منا، وهذه السرقة معلومة ومنتشرة بين أهل مصر وبين كل من كان معنا في قافلة العير التي سافرت معنا، ونقسم لك أننا صادقون فيما نقول. بكى يعقوب وقال: ابني لا يسرق وليس من طبعه السرقة، بل سولت لكم أنفسكم أمراً، فصبر جميل، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم الحكيم. وأعرض يعقوب عنهم وقال: يا أسفى على يوسف. وابيضت عيناه من الحزن وشدة البكاء مما أفقده بصره. قالوا: تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين. قال: لم أشتكي لكم ولا لأحد من الناس إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم منه ما لا تعلمون، يا بني اذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

 

 

قصص الأنبياء

تابع أيضاً:

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.