سورة المعارج 1 : 18 تفسير وشرح ودروس

فيما يلي تفسير وشرح ودروس سورة المعارج 1 : 18 ضمن سلسلة تدبر القرآن الكريم التي كتبها أحمد السيد، والتي تتضمن دروساً وفوائد من الآيات مع واجبات ووصايا نهاية السورة.

قد يهمك:

سورة المعارج 1 : 18 تفسير وشرح ودروس

معاني كلمات سورة القيامة:

ذي المعارجذي المصاعد، فالله ذو علو كبير.
كالمهل كالمذاب المنصهر من المعادن.
كالعهن كالصوف.
حميم قريب يشفق عليه.
لظىلهب.
للشوى جلود الوجه والرأس.

مقدمة:

تصف السورة الحالة العبثية للمكذبين ومدى استخفافهم بيوم القيامة، حتى بلغ بهم الأمر أن سألوا الله أن ينزل عليهم العذاب استهزاءً ولعباً.

فقد قيل أن النضر بن الحارث دعا على نفسه بالعذاب حين قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.

ونزلت السورة لتكشف عن حال هؤلاء المزري يوم القيامة، وتقارن بينهم وبين المصدقين المكرمين ومدى جديتهم في التعامل مع يوم القيامة والجزاء فيه.

شرح سورة القيامة:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18)

دعا داعي على نفسه أن ينزل به عذاب، هذا عذاب لا محالة واقع على الكافرين ليس له دافع أو مانع يمنعه عنهم.

إنه عذاب من الله ذي الجلال والعلو وذي المصاعد حيث تعرج الملائكة وتصعد إليه في ذلك اليوم – يوم القيامة – وهو يوم مقداره 50 ألف سنة، فاصبر على هؤلاء وآذاهم صبراً جميلاً.

إن هؤلاء يرون هذا اليوم بعيداً الحدوث مستحيل الوقوع ونراه قريباً.

يوم تكون السماء كالمذاب المنصهر من المعادن، فهي سائلة بعدما كانت غازية، وتكون الجبال كالصوف فهي هينة بعدما كانت شديدة.

ولا يسأل قريب عن قريبه ولا حميم عن حميمه رغم أنهم يبصرون بعضهم بعضاً بلا شفقة ولا مواساة فالكل مشغول بنفسه.

يود المجرم يومها أن يفتدي بأعز الناس إليه لكي ينجو من عذاب النار، حتى ولو كانوا بنيه وزوجته وأخيه وعشيرته التي تؤويه، بل ومن في الأرض جميعاً إن كان يملك ذلك.

كلا .. لن ينل ما يتمناه، إنها لظى قد أعدت له لأمثاله، إنها تنزع جلود الوجه والرأس من شدة لهيبها، إنها تدعو ذاك الذي أجبر وتولى عن الحق والتذكرة، وجمع المال وأوعاه في الخزائن والأوعية، فهو غافل قد آثر الدنيا القصيرة الفانية عن الآخرة الأبدية الخالدة.

دروس وفوائد من سورة المعارج:

(1) أهوال القيامة:

أوردت السورة وصفاً ليوم القيامة وأهواله وأبرز حوادثه العظيمة وهي:

1- الملائكة وجبريل يصعدون إلى الله.

2- اليوم مقداره 50 ألف سنة.

3- موعده قريب.

4- السماء كالمذاب السائل المنصهر من المعادن.

5- الجبال كالصوف الضعيف سهل التفتت.

6- الحجميم ( القريب) لا يسأل عن حميمه ولا يشفق عليه رغم أنهم يبصرون بعضهم البعض.

7- يود المجرم لكي ينجو أن يفتدي بأعز الناس إليه (بنيه وزوجته وأخيه وعشيرته ) بل وكل من في الأرض.

8- لهب جهنم ينزع جلود الوجه والرأس وتدعو من أدبر وتولى.

9- المكذبون يخرجون من القبور مسرعين، أبصارهم خاشعة وذليلة وتعلوهم الذلة.

(2) الصبر الجميل

الإنسان بطبعه سريع الغضب شديد الحزن هلوع جزوع.

والصابر هو الذي يملك نفسه عند الغضب، هو الذي يكظم غيظه وهو قادر على أن ينفذه، هو الذي يتحمل الأذى ولا يمنعه ذلك من الثبات ومواصلة العمل واستكمال المسير.

هو الذي لا يخنع ولا يجزع إذا ما أصيب بألم أو مرض أو تعب أو إذا ما فقد نفساً أو مالاً أو إذا ما تعرض لجوع أو خوف.

هو الذي يرضى بقدر الله ويحتسب البلاء عند الله.

إن الصبر من أصعب الأخلاق، ومن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور.

  • “وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”.

البقرة 155

  • “وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ “.

الشورى 43

  • “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”.

آل عمران 134

  • عن أبي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: “عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ”.

رواه مسلم.

  • وقال صلى الله عليه وسلم: “والصبر ضياء”.

من حديث رواه مسلم.

  • عنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرَيْرة رضيَ اللَّه عَنْهُمَا عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ ( تعب) وَلاَ وَصَبٍ ( مرض) وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه”.

متفق عليه.

  • عن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَن كَظَمَ غيظًا وهو قادرٌ على أن يَنْفِذَه دعاه اللهُ عزَّ وجلَّ على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ حتى يُخَيِّرُه اللهُ مِن الحُورِ ما شاءَ”.

أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن.

  • عن أَبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “أَوْصِني، قَالَ: لا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: لا تَغْضَبْ”.

رواه البخاري.

  • وقد اشتكي خباب بن الأرتللنبي صلى الله عليه وسلم شدة التعذيب والأذى فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بمن تعرض للتعذيب الأشدفي الأمم السابقة مع التأكيد بأن هذا الأذى سيذهب وينتهي ” ولكنكم قوم تستعجلون”.

الصبر الجميل:

قد يصبر المرء تارة ويجزع تارة أخرى، وقد يصبر في مواطن ولا يصبر في مواطن أخرى، وقد يصبر المرء ويندم أنه صبر أكثر من اللازم، وقد يصبر ويمن على الناس أنه صابر عليهم، وقد يصبر ووجهه عبوس كأنه صابر رغم أنفه.

والصبر الجميل هو الصبر الذي لا جزع فيه ولا شكوى، هو الصبر المحفوف بمشاعر الرحمة والإشفاق، هو الصبر المستمر مهما بلغت درجة الأذى والبلاء.

إن الرسل والدعاة مطالبون بالصبر الجميل على الأذى والاتهامات والتكذيب والمكر الشديد الذي يملئ النفس بمشاعر الغضب والضيق.

  • “فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا”.

المعارج 5

  • “فَصَبْرٌ جَمِيلٌ”.

يوسف 18 ، 83

  • عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كَأَنِّي أنْظُرُ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فأدْمَوْهُ، وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عن وجْهِهِ ويقولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ.

رواه البخاري

  • وعن أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ: “كُنتُ أَمْشِي مَعَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ غلِيظُ الحَاشِيةِ، فأَدْركَهُ أَعْرَابيٌّ، فَجَبَذهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَديدَةً، فَنظرتُ إِلَى صَفْحَةِ عاتِقِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقَد أَثَّرَتْ بِها حَاشِيةُ الرِّداءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي عِندَكَ، فالتَفَتَ إِلَيْه، فضَحِكَ، ثُمَّ أَمر لَهُ بعَطَاءٍ”.

متفقٌ عليه.

  • عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ حُنَينٍ آثَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ،… فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ،… فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ… ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟»، ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ».

من حديث متفق عليه.

(3) فوائد أخرى من سورة المعارج

اكتشف علماء الفضاء وجود نجوم وكواكب يقدر يومها بالسنين قياساً على يوم الأرض الذي يستغرق 24 ساعة، وهو مقدار دوران الأرض دورة حول نفسها.

وتوصلوا إلى أن مقدار اليوم هو أمر نسبي يختلف من عالم إلى عالم.

فإذا كان يوم القيامة مقداره 50 ألف سنة، فهذا يعني أنه أطول من عمر المرء الذي يحياه في الدنيا، والغافل من يؤثر الدنيا على الآخرة.

سورة المعارج تضمنت أمرين فقط هما “فاصبر صبراً جميلاً، فذرهم يخوضوا ويلعبوا…” وهذا يؤكد أن الصبر من الواجبات الرئيسية في هذه السورة.

“لظى ، نزاعة للشوى، تدعو … ” تعبير بليغ جعل من اللهيب كأنه كائن حي ينزع جلود الرأس، وينادي على المكذبين، وهو أسلوب بليغ في التأثير.

“تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى” ترسم صورة المكذبين في صورة هزلية ساخرة، يدير وجهه ويعرض عن الحق ثم ينصرف لجمع المال ووضعه في الأوعية، وهي صورة تبرز حجم الغفلة وإيثار الدنيا على الآخرة، وعلى المسلم أن يحذر مثل هذا المسلك.

واجبات:

1- وجوب الاستعداد ليوم القيامة، فالأمر جد لا هزل فيه.

2- الصبر صبراً جميلاً.

3- الحذر من مسلك المكذبين الذين يعرضون عن التذكرة وينشغلون بجمع المال وكنزه.

تدبر جزء عمّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.