الخميس , أغسطس 18 2022

صلح الحديبية

نتناول في هذه المقالة صلح الحديبية من كتاب السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للدكتور على محمد الصلابي، باختصار وتصرف.

ذات صلة:

banar_group

صلح الحديبية

رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل مكة مع أصحابه محرماً معتمراً وقد ساق الهدي، فبشر أصحابه ففرحوا، واستنفرهم واستنفروا أهل البوادي والأعراب ليخرجوا معه، وكان الخروج يوم الإثنين 1 ذو القعدة 6 هـ.

انتشر الخبر خاصة بعدما أكد النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يريد حرباً وإنما يريد أن يعتمر ويعظم شعائر الله.

لبسوا الإحرام من ذي الحليفة بعد أن قلّد الهدي وأشعره (شق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها)

قدم النبي صلى الله عليه وسلم طليعة استكشافية من 20 فارساً.

قال عمر: يا رسول الله تدخل على قوم هم لك الحرب بغير سلاح ولا كراع؟

فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمشورته وبعث إلى المدينة من يحمل الكرع والسلاح أخذاً بالأسباب وتحسباً لأي طارئ.

وصول النبي بعسفان:

لما وصل بعسفان لقيه بشر بن سفيان الخزاعي فقال: يا رسول لله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك ومعها العوذ المطافيل (النساء والأولاد كناية عن عدم الفرار) قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبداً.

فقال صلى الله عليه وسلم: يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب ، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ، فما تظن قريش ، فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة.

ثم استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على رأيين:

  1. الميل على عيال وذراري الأحابيش الدين يعاونون قريش ضد المسلمين.
  2. دخول البيت: فمن صده قاتله.

فأشار أبو بكر بترك القتال والاستمرار على هدف العمرة حتى يكون القتال منهم فاستحسن النبي صلى الله عليه وسلم الرأي وأخذ به، ثم صلى صلاة الخوف بعسفان.

إلى الحديبية:

بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قريش تنصب كميناً للمسلمين بقيادة خالد بن الوليد، فقرر تغيير الطريق تجنباً للصدام، فسلك طريقاً وعراً بين الشعاب حتى وصولوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، وعند ذلك قال صلى الله عليه وسلم: قولوا نستغفر الله ونتوب إليه. فقال: والله إنها الحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها.

ثم استمروا في السير حتى وصلوا إلى الحديبية.

فوجئ خالد بغبار جيش المسمين قد ثار، فأسرع لقريش يحذرها فأصيبت بالذعر وشعروا بالخطر وبتهديد المسلمين.

وعندما اقترب النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية بركت ناقته “القصواء” فقال صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء، وما ذلك لها بخلق ولكنه حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت ثم عدل عن دخول مكة ونزل بأقصى الحديبية على بئر ماء قليل واشتكوا العطش.

نزع النبي صلى الله عليه وسلم سهم من كنانته وأمرهم أن يجعلوه فيه فجاش بالماء.

وقيل أنه مضمض ومج في البئر وقيل كلاهما.

دروس:

1- حين بركت الناقة كره الصحابة ذلك فقد كان إشارة لعدم الاستمرار نحو مكة وأكد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالتشبيه بما حدث للفيل رغم اختلاف الركب.

2- إرادة الله في عدم الدخول مكة أثبتت الأحداث الحكم من وراءها مثل:

  • الدخول سيترتب عليه مذابح ودماء.
  • سيشتد الأذى على المسلمين المستضعفين بمكة.
  • سيستلم رجال من هؤلاء الذين يصدون.

السفارة بين النبي وقريش:

لما تأكدت قريش من هدف المسلمين وهو العمرة وعدم القتال إلاّ إذا قوتلوا أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من يفاوضه.

1- ركب من خزاعة بقيادة بديل بن ورقاء:

كانت بين خزاعة والنبي صلى الله عليه وسلم علاقات ونصح من أهل تهامة، وأخبرت النبي أن قريش تعترف صده، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم لهم هدفه واقترح عليهم هدنة لوقت محدد وإن أبوا فلا مناص من الحرب.

عادت خزاعة لقريش وقالت: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد، إن محمداً لم يأت لقتال وإنما جاء زائراً هذا البيت.

فرفضت قريش كلامهم واتهموهم ثم قالت: وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها علينا عنوة أبداً ولا تتحدث بذلك العرب.

فوائد الهدنة:

1- حياد قريش وفك تحالفها مع حلفاءها المحاربين للمسلمين.

2- فتح الاتصال مع قريش تقريباً للنفوس وتبريداً لجو الحرب.

3- إثبات النبي لخزاعة (حليفة للنبي ولبني هاشم من قبل) أن حليفهم قوي فتزداد ثقتهم به.

4- كسب العقلاء المعظمون للبيت وتعاطفهم.

2- سفارة عروة بن مسعود الثقفي:

لم تقبل قريش كلام بديل لأنها تعلم ما بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم من حلف قديم فأرسلت عروة بن بعدما طلب منهم ذلك.

قال عروة: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى قال: ألست بالولد؟ قالوا: بلى قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا عليّ (رفضوا إعانتي) جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟

قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها، ودعوني آيته. قالوا: ائته.

وأتي النبي صلى الله عليه وسلم وتحدث، ورد النبي بما قاله لبديل، فقال عروة: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟

وإن تكن بالأخرى فإنني والله لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً (أخلاطاً) من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك.

فقال أبو بكر: امصص بظر اللات (البظر هو الجزء المقطوع من ختان المرأة) أَنَحْنُ نَفِرُّ عنه وَنَدَعُهُ؟.

قال: من ذاك؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي بنفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.

وأثناء حديث عروة مع النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يمسك بلحية النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بأحد الحراس المجاورين للنبي صلى الله عليه وسلم يقرع يد عروة بقائم السيف يقول: اكفف يدك عن مس لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألا تصل إليك.

فابتسم النبي صلى الله عليه وسلم لفعل الحارس فقال عروة: ليت شعري من أنت؟ يا محمد من هذا الذي أرى من بين أصحابك؟ (وقد كان الحراس يلبسون المقفر على رؤوسهم).

ففاجأه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة.

كانت المفاجأة صادمة لعروة فقال له: وأنت بذلك غدر؟ لقد أورثتنا العداوة من ثقيف أبد الدهر، والله ما غسلت غدرك إلا بالأمس.

وقد كان المغيرة شاباً فاتكاً سكيراً قاطعاً للطريق وأسلم قبل الحديبية وانضم للصفوة المؤمنة وكان من حراس النبي صلى الله عليه وسلم، وكان المغيرة قد صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين أسلم: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء.

لقد فشل عروة في مفاوضاته وقد حاول عبثاً أن يبث الفرقة والإشاعات والحرب النفسية عند المسلمين لكنه رأى ما لم يكن يتوقعه من ردود فعل الصحابة.

عاد لقريش يحذرهم ويقول لهم: يا قوم، والله لقد وفدت على ملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاش، وإني والله ما رأيت ملكاً قط أطوع فيهم هو بين ظهرانية من محمد وأصحابه، والله ما يشدون إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلاّ أن يشير إلى أمر فيفعل، وما يتنخم وما يبصق إلاّ وقعت في يدي رجل منهم يمسح بها جلده، وما يتوضأ إلاّ ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشيء، وقد حذرت القوم، واعلموا أنكم إن أردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأيت قوماً ما يبالون ما يصنع بهم إذا منعوا صاحبهم، والله لقد رأيت نسيان معه وإن كن ليسلمنه أبداً على حال، فروا رأيكم، وإضجاع ( الوهن) الرأي ، فمادوه يا قوم، اقبلوا ما عرض، فإني لكم ناصح مع إني أخاف ألاّ تنصروا عليه، رجل أتى هذا البيت معظماً له، معه الهدى، ينحره وينصرف.

فقالت قريش: لا تكلم بهذا يا أبا يعفور (كنية عروة) لو غيرك تكلم بها للمناه، ولكن نرده عن البيت في عامنا هذا ويرجع قابل.

 لقد نجح النبي صلى الله عليه وسلم بحكمته وذكاءه واستخدم الأساليب الإعلامية والدبلوماسية، واستطاع تفتيت جبهة قريش الداخلية.

3- سفارة الحليس بن علقمة:

ثم بعثوا الحليس بن علقمة سيد الأحابيش، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه.

وأمر برفع الصوت في التلبية، فلما رأى الحليس الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، رجع إلى قريش قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى وقد كان الوادي مجدباً بلا ماء ولا مرعى قد أكل الهدى أوباره.

وكان الحليس يتمتع بسمعة طيبة بين العرب فهو ذو رجاحة في عقله، وقد رجع إلى قريش محتجاً عليها وستنكراً منع قريش لمن جاء البيت معتمراً.

4- سفارة مكرز بن حفص:

أرسلت قريش مكرز فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر وبينما هو يكلم النبي صلى الله عليه وسلم جاء سهيل بن عمرو فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد سهل الله لكم من أمركم (ولسهيل الحديث).

الوفود النبوية:

رأى النبي صلى الله عليه وسلم ضرورة إرسال مبعوث خاص لقريش يؤكد لهم نواياه فأرسل (خراش بن أمية الخزاعي) على جمل، فلما دخل مكة عقدت قريش الناقة وأرادوا قتله فمنعهم الأحابيش.

فعاد خراش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يدخل إليهم فقال عمر: إني أخاف قريشاً على نفسين قد عرفت عداوتي لها وليس بها من بني عدى من يمنعني، وإن أحببت يا رسول الله عليهم.

ثم قال: ولكن أدلك يا رسول الله على رجل أعز بمكة مني، وأكثر عشيرة وأمنع، عثمان بن عفان.

فذهب عثمان وحاولوا منع دخوله مكة إلاّ أن أبان بن سعد بن العاص أجاره، وأردفه وراء حتى أتى أشرافهم رجلاً رجلاً يكلمهم، كما حمل عثمان رسالة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين المستضعفين بمكة يسلم عليهم ويبشرهم بقرب الفرج.

ووقع اشتباك بين المسلمين والمشركين انتهت بأسر عدد من المشركين.

يقول سلمة بن الأكوع أنه لما سمع مناد يقول: يا للمهاجرين قتل ابن زنيم.

أسرع إلى سيفه وهاجم أربعة من المشركين كانوا رقوداً تحت شجرة فأخذ سلاحهم وقادهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسرى.

وجاء عم سلمة أيضاً برجل يقال له مكرز يقوده كذلك.

لكن النبي عفا عنهم.

بيعة الرضوان:

لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان قتل، دعا أصحابه إلى مبايعته على قتال المشركين فبايعوه على الموت سوى الجد بن قيس لنفاقه، ثم بسط النبي صلى الله عليه وسلم يده اليمني على يده اليسرى يقول: هذه يد عثمان. وقد كان المبايعون عددهم 1400

مفاوضة سهيل بن عمرو:

بلغ قريش أمر بيعة الرضوان فأوفدوا سهيلاً بن عمرو مع نفر من أصحابه للمفاوضة كان سهيل زعيماً بارزاً وذو حنكة ودهاء وعقل راجح ورزانة.

وشرع الفريقان في التفاوض وتحديد بنود الصلح وذلك بعد عودة عثمان.

وبعد الاتفاق وحل نقاط الاختلاف شرع النبي صلى الله عليه وسلم في إملاء صيغة المعاهدة وأمر علي بن أبي طالب بالكتابة.

قال: بسم الله الحمن الرحيم.

قال سهيل: لا أعرف الرحمن اكتب باسمك اللهم.

فضج الصحابة معترضين: هو الرحمن ولا نكتب إلاّ الرحمن، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال للكاتب: اكتب باسمك اللهم.

ثم قال: هذا ما اصطلح عليه رسول الله.

قال سهيل: لو أنك رسول الله ما خالفتك، واتبعتك، أفترغب عن اسم أبيك محمد بن عبد الله؟ اكتب اسمك واسم أبيك.

فاعترض المسلمون لكن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الكاتب بشطب كلمة رسول الله والتزم الصحابة الهدوء.

وقد اعترض الصحابة كذلك على بند يتعلق برد من يسلم من مكة إليهم وعدم رد من ذهب من المسلمين إليهم.

فقال صلى الله عليه وسلم: من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم يجعل الله له فرجاً ومخرجاً.

صيغة وبنود المعاهدة:

تضمنت المعاهدة 10 بنود:

1- باسمك اللهم.

2- هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو.

3- واصطلحا على وضع الحرب على الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم على بعض.

4- على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم قريش مجتازاً إلى مصر أو إلى الشام يبتغى من فضل الله فهو آمن على دمه وماله.

5- على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه.

6- وأن بيننا عيبة مكفوفة (صدوراً سليمة تحافظ على العهد) وأنه لا أسلال ولا أغلال (السرقة والخيانة)

7- وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخله، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. (فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثب بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم).

8- وأنت ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثاً معك سلاح الراكب، السيوف في الغرب ولا تخلها بغيرها.

9- وعلى أن هذا الهدي ما جئناه ومحله فلا تقدمه علينا.

10- أشهد على هذا الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين.

فمن المسلمين: أبو بكر وعمر وابن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة، وعلي بن أبي طالب كاتب المعاهدة.

ومن المشركين: مكرز بن حفص وسهيل بن عمرو.

دروس:

1- عقد المسلمين المعاهدة وهم في مركز القوة لا الضعف.

2- تضمنت تنازلات من النبي صلى الله عليه وسلم ليست جوهرية ولا تمس المبادئ الرئيسية.

3- شمول المعاهدة على البنود الرئيسية لأي معاهدة وهو معمول بها في الواقع المعاصر.

( الدباجة – اسم طرفا المعاهدة – المدة – الموضوع – الشروط – التوقيع – نسختين – الشهود)

موقف أبي جندل

كان ابن سهيل بن عمود ويكنى أبو جندل قد حبسوه في الأغلال واستطاع الهروب من مكة ووصل إلى الحديبية أثناء تفاوض النبي صلى الله عليه وسلم مع سهيل، فلما رأى سهيل ابنه قام إليه وأمسك بتلابيبه بغلظة بينما أبو جندل يستصرخ المسلمين أن ينقذوه.

يقول سهيل: يا محمد، لقد لجت (فرغت ) القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا.

فقال صلى الله عليه وسلم: صدقت.

فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين يفتونني في ديني؟

فقال صلى الله عليه وسلم لأبي جندل: إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهداً، وإنا لا نغدر بهم.

ثم قال: يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً.

لقد كان الامتحان قاسياً في الوفاء بالعهد، وفي صبر أبي جندل كذلك.

احترام المعارضة النزيهة:

قبل توقيع المعاهدة ظهرت معارضة بين المسلمين لبعض بنود المعاهدة وكان من أشد المعارضين عمر بن الخطاب وأسيد بن خضير سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج.

قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست رسول الله؟ قال: بلى

قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى

قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى

قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟

قال: إني رسول الله ولست أعصيه.

وفي رواية، إني رسول الله، ولم أخالف أمره ولن يضيعني.

قال: أولست تحدثنا أنا ستأتي البيت فنطوف به؟

قال: بلى، فأخبرتك أن تأتيه العام؟

قال: لا.

قال: فإنك آتيه ومعطوف به.

فذهب عمر لأبي بكر يقول: يا أبا بكر أليس برسول الله؟ قال: بلى

قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى

قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟

قال: الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر به، ولن يخالف أمر الله ولن يضيعه الله.

وبعد توقيع المعاهدة عادت المعارضة مرة أخري بعد حادثة أبي جندل وذهبت مجموعة بينهم عمر مرة أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم يراجعونه إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم بصبره وحكمته وحلمه وقوة حجته رد عليهم بوجاهة الصلح وأنه في صالح المسلمين وأنه نصر لهم وأن الله سيجعل للمستضعفين فرجاً ومخرجاً.

دروس:

لم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم صحابته على معارضتهم الشديدة ولم يسكتهم، فحرية الرأي والنقد مكفولة ولو كان من مخاوف الحاكم وقد تعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر والحلم والرد والإقناع.

التحلل من العمرة:

لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من أمر المعاهدة قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا.

قالها ثلاثاً فلم يقم منهم أحد، فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقى من الناس.

قالت: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعوا حالقك فيحلقك.

ففعلْ ففعلَ الناس وجعل بعضهم يحلق يعضاً حتى كادوا يقتلون بعضهم غماً.

وكان في هدى النبي صلى الله عليه وسلم جمل لأبي جهل في رأسه برة من فضة (حلقة في أنفه) يغيظ بها المشركين.

دروس

1- سداد رأي أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقد فهمت ما وقع في نفوس الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتحلل أخذاً بالرخصة بينما هو أخذ بالعزيمة، فلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم تبعه الناس.

وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي المرأة الصائب واحترم رأيها وعمل به وهو تكريم من النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة.

2- أهمية القدوة العملية وأنها أجدى وأنفع في مثل هذا الموقف.

نزول سورة الفتح:

وبينما المسلمون في طريق العودة إلى المدينة نزلت سورة الفتح، كشفت أن صلح الحديبية هو فتح مبين وقال صلى الله عليه وسلم: أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس.

وقرأ السورة فقال رجل: يا رسول الله أفتح هو؟

قال: نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح.

وفرح المسلمون وأيقنوا أن الدعوة قد دخلت طوراً جديداً وفتحاً أكيداً وآفاقاً واسعة.

نتائج الصلح:

1- اعتراف قريش بكيان دولة الإسلام.

2- دخلت المهابة قلوب المشركين والمنافقين واليقين بغلبة الإسلام، وساعد في إسلام الكثير من صناديد قريش كخالدوعمرو، واعتذار الأعراب للمسلمين عن تخلفهم عن الحديبية.

3- تضاعف دخول الناس إلى الإسلام، وقد دخل للإسلام في سنتين مثل ما كان في الإسلام قبل المعاهدة.

4- أمن المسلمون جانب قريش فتحولوا لمواجهة اليهود (غزوة خيبر).

5- كسب تعاطف الذين يعظمون البيت.

6- التجهيز لنقل الدعوة خارج الجزيرة العربية (غزوة مؤتة).

7- دعوة ملوك الفرس والروم والقبط للإسلام.

8- وكان الصلح كما ظهر لاحقاً سبباً لفتح مكة.

عصابات أبي بصير:

رغم عقد المعاهدة إلاّ أن أبي بصير عثبة بن أسيد فر بدينه من سجون الشرك بمكة ووصل إلى المدينة وبعثت قريش في إثره اثنين من رجالها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتسليمه وفقاً للمعاهدة.

قال صلى الله عليه وسلم لأبي بصير: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً فانطلق إلى قومك.

قال أبو بصير: يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنوني في ديني؟

قال: يا أبا بصير، انطلق معهما وشق ذلك على المسلمين وما كان لرسول الله أن يخلف عهده، فسلم أبا بصير إلى القريشيين.

وفي الطريق استطاع أبو بصير أن يقتل أحدهما فيما فر الثاني مسرعاً نحو المدينة يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: قتل صاحبكم صاحبي، فلما حضر أبو بصير متوشحاً سيفه قال: يا رسول الله وفت ذمتك وأدى الله عنك. أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يبعث بي. فقال صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد.

فلما سمع أبو بصير مقالة النبي صلى الله عليه وسلم فهم أنه سيرده لقريش، فخرج حتى أتى سيف البحر، وقد فهم المستضعفون بمكة من مقال النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا بصير بحاجة إلى الرجال، فأخذوا يفرون من مكة إلى أبي بصير ولحق به أبو جندل وغيره حتى بلغوا العشرات، وراحوا يعترضون عير قريش المتجهة إلى الشام وقتلوا من قتلوا وأخذوا ما أخذوا، مما اضطر قريش أن ترسل للنبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم أن يرسل لأبي بصير ومن معه، ويلغي بند المعاهدة المتعلق برد المسلمين إلى قريش وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم وكانوا قريبين من الستين أو السبعين، غير أن أبا بصير رأس تلك العصابة ومؤسسها لم يقدر له العودة إلى المدينة فقد كان على فراش الموت فمات وهو في ثغرة.

دروس:

1- قد يسع الفرد مالا يسع الجماعة، فقد كان أبو بصير وجماعته خارج سلطة المسلمين وكان يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأمر أبا بصير بالكف عن قوافل قريش لكنه لم يفعل لأنه –وفقاً للمعاهدة– خارج سلطة النبي صلى الله عليه وسلم.

2- تقبل أبو بصير موقف النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وثباته رغم شدة الأزمة، وذكاءه حين وجد مخرجاً يرفع الحرج فيه عن المسلمين.

دروس وعبر وفوائد صلح الحديبية:

الغزوة غنية بالدروس العقائدية والفقهية والأصولية والتربوية وغيرها وهذه بعض الدروس على سبيل المثال لا الحصرـ:

أولاً: أحكام تتعلق بالعقيد:

1- الفخر والخيلاء في الحرب ليسا من النوع المذموم، فالحارس يقف على رأس النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في موضع آخر: من أحب أن يتمثل له الرجل قياماً فليتبوأ مقعده من النار، وأيضاً لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم مشية أبو دجانة المتبخترة في غزوة أحد.

2- استحباب التفاؤل: قال صلى الله عليه وسلم “سهل أمركم”

ثانياً: أحكام فقهية وأصولية:

1- الفدية لمن به أذى من رأسه: كان كعب بن عجرة به أذىً في رأسه وهو محرم فنزلت الآية: “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ”.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق بين ستة، أو انسك (اذبح) بما تيسر.

2- الصلاة في الرحال:

أصاب المسلمون مطر يوم الحديبية فنادى مناد رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا في رحالكم.

3- صلاة الصبح قضاء جماعة:

أثناء عودة المسلمين من الحديبية عدلوا عن الطريق وأوكلوا بلالاً لحراستهم لكنه نام ولم يوقظهم إلاّ حر الشمس، فقال صلى الله عليه وسلم: افعلوا كما كنتم تفعلون، (وقيل أن هذه الواقعة حدثت في غير الحديبية وقيل أنها حدثت تكرار) أي في الحديبية وفي غيرها أيضاً.

4- جواز عقد الهدنة بين المسلمين وأعدائه بمدة محددة.

5- طاعة النبي صلى الله عليه وسلم والانقياد لأمره: فقد كره عمر وبعض أصحابه بعض بنود الصلح ورأوا أنها اجحاف في حقهم لكنهم ندموا وحذروا غيرهم في أن يقعوا في مثل وقعوا فيه.

يقول عمر: أيها الناس اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله برأي اجتهاداً، فوالله ما ألو عن الحق وذلك يوم أبي جندل.

يقول سهل بن حنيف: اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله لرددته.

يقول عمر: فمازلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت، مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيراً.

ثالثاً: نموذج من التربية النبوية:

قال صلى الله عليه وسلم: “مَن يَصْعَدُ الثَّنِيَّةَ، ثَنِيَّةَ المُرارِ، فإنَّه يُحَطُّ عنْه ما حُطَّ عن بَنِي إسْرائِيل. رواه مسلم.

فالرسول يشجع أصحابه على صعود الثنية وأن من سيجتازها سينال مغفرة من الله وفي ذلك ربط بيوم القيامة، واغتنام لعادة من العادات أو غريزة من الغرائز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.