/////// ////
السبت , يوليو 22 2017

السيرة النبوية للصلابي ج2 فصل13 :: الفتح المبين (صلح الحديبية)

ومع استمرار حركة السرايا، وبناء الدولة, وبسط هيبتها في الجزيرة العربية، كانت حركة البناء التشريعي والاجتماعي للأمة الإسلامية تتكامل, فنظام التبني يهدم، والحجاب يفرض، وأدب الولائم يقرر، وضرورة الالتزام بطاعة الله ورسوله يؤكد على وجوبها، وتحارب الأعراف التي تعارض شرع الله تعالى, ففي زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب بنت جحش حِكَمٌ ودروسٌ وعبرٌ بقت خالدة على مر العصور وكر الدهور وتوالي الأزمان، وهذه قصة أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها.

banar_group

السيرة النبوية

عرض وقائع وتحليل أحداث

للدكتور علي محمد الصلابي

الجزء الثاني

====================================

 

الفصل الثالث عشر

 

 الفتح المبين (صلح الحديبية)

 

المبحث الأول: تاريخه وأسبابه ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة

 

أولاً: تاريخه وأسبابه

 

ثانيًا: وصول النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان

 

ثالثًا: الرسول يغير الطريق وينزل الحديبية

 

رابعًا: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل

 

خامسًا: السفارة بين الرسول وقريش

 

سادسًا: الوفود النبوية إلى قريش ووقوع بعض الأسرى في يد المسلمين

 

سابعًا: بيعة الرضوان

 

المبحث الثاني: صلح الحديبية وما ترتب عليه من أحداث

 

أولاً: مفاوضة سهيل بن عمرو لرسول الله صلى الله عليه وسلم

 

ثانيًا: موقف أبي جندل والوفاء بالعهد

 

ثالثًا: احترام المعارضة النزيهة

 

رابعًا: التحلل من العمرة ومشورة أم سلمة رضي الله عنها

 

خامسًا: العودة إلى المدينة ونزول سورة الفتح

 

سادسًا: أبو بصير في المدينة وقيادته لحرب العصابات

 

سابعًا: امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن رد المهاجرات

 

المبحث الثالث: دروس وعبر وفوائد

 

أولاً: أحكام تتعلق بالعقيدة

 

ثانيًا: أحكام فقهية وأصولية

 

ثالثًا: أنموذج من التربية النبوية

 

====================================

 

الفصل الثاني عشر

 

ما بين غزوة الأحزاب والحديبية من أحداث مهمة

 

 

المبحث الأول

 

زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها

 

ومع استمرار حركة السرايا، وبناء الدولة, وبسط هيبتها في الجزيرة العربية، كانت حركة البناء التشريعي والاجتماعي للأمة الإسلامية تتكامل, فنظام التبني يهدم، والحجاب يفرض، وأدب الولائم يقرر، وضرورة الالتزام بطاعة الله ورسوله يؤكد على وجوبها، وتحارب الأعراف التي تعارض شرع الله تعالى, ففي زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب بنت جحش حِكَمٌ ودروسٌ وعبرٌ بقت خالدة على مر العصور وكر الدهور وتوالي الأزمان، وهذه قصة أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها.

 

أولاً: اسمها ونسبها:

 

هي زينب بنت جحش بن رباب بن يعمر الأسدية، أخت عبد الله بن جحش، وحمنة بنت جحش رضي الله عنهما.

 

أمها: أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخت حمزة بن عبد المطلب ( ).

 

يقال كان اسمها: برة، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب، وكانت تكنى أم الحكم( ).

 

وكانت زينب رضي الله عنها من المهاجرات الأول، ورعة صوامة قوامة، كثيرة الخير والصدقة، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدًا, قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يدًا, قالت: فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق( ).

 

وقد مدحتها السيدة عائشة رضي الله عنها كثيرًا، وقالت في حقها: لم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفيئة( ).

 

ثانيًا: زواجها من زيد بن حارثة :

 

أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحطم تلك الفوارق الطبقية الموروثة في الأمة المسلمة من عادات الجاهلية ليكون الناس سواسية كأسنان المشط, لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وكان الموالي وهم الذي جرى عليهم الرق ثم تحرروا طبقة أدنى من طبقة السادة، ومن الموالي كان زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أعتقه ثم تبناه, فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوج زيدًا من شريفة بني أسد، وهي ابنة عمته زينب بنت جحش رضي الله عنها، ليبطل تلك الفوارق الطبقية بنفسه في أسرته، وكانت هذه الفوارق من العمق والعنف بحيث لا يحطمها إلا فعل واقعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتتخذ منه الأمة المسلمة أسوة وقدوة، وتسير البشرية على هداه في هذا الطريق.

 

وأيضا لعلَّ من الحكمة في هذا الزواج أنه كان مقدمة لتشريع آخر لا يقل أهمية في حفظ توازن المجتمع وحماية الأسرة عن الأول، وإن لم تظهر هذه الحكمة في بداية الأمر( ).

 

انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخطب لفتاه زيد بن حارثة  فدخل على زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلى فانكحيه», قالت: يا رسول الله أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحادثان أنزل الله تعالى هذه الآية: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) [الأحزاب: 36].

 

فقالت: يا رسول الله قد رضيته لي زوجًا؟ قال: «نعم» قالت: لا أعصي رسول

 

الله صلى الله عليه وسلم، وقد زوجته نفسي( ).

 

وكان زيد بن حارثة إذ ذاك لا يزال يدعى زيد بن محمد، فتزوجها زيد، وأصدقها في هذا الزواج عشرة دنانير، وستين درهمًا، وخمارًا، وملحفة، ودرعًا, وخمسين مُدًّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر( ).

 

ثالثًا: طلاق زيد لزينب رضي الله عنها:

 

شاءت حكمة الله تعالى أن لا يتوافق زيدٌ وزينبُ في زواجهما، وأصبحت حياة الزوجين لا تطاق، وصمم زيد على فراق زوجه زينب، وكان قبل ذلك يشتكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عدم استطاعته البقاء مع زينب، ورسول الله يأمره بإمساك زوجه مع تقوى الله في شأنها، حتى أذن الله بالطلاق فطلقها زيد، وانفصمت العلاقة بينهما بعد أن قضى زيد وطره، وبعد أن مكث معها ما يقرب من سنة، قال ابن كثير: فمكثت عنده قريبًا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما (يعني الخلاف) فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: «أمسك عليك زوجك واتقِ الله»( ).

 

لم يبقَ لزيد رغبة في إبقاء العلاقة الزوجية معها؛ لأنه كان كريم النفس لا يريد أن يبني سعادته وراحته على شقاء الآخرين وتعاستهم والإضرار بهم؛ ولهذا صمم على الفراق وعدم الإضرار بها؛ لأنها كانت تعيش في قلق واضطراب, وانتهى زواج زيد بن حارثة  بزينب بنت جحش على هذا الوضع دون أي تدخل خارجي بينهما، ووقع ذلك الطلاق بمحض اختياره وإرادته، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهاه عن ذلك، ويأمره بتقوى الله وإمساك زوجته( ). قال ابن كثير بعد أن ذكر هذا السبب: (ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير آثارًا عن بعض السلف رضي الله عنهم أحببنا أن نضرب عنها صفحًا لعدم صحتها فلا نوردها)( ).

 

رابعًا: الحكمة من زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من زينب:

 

كانت عادة التبني متغلغلة في نفوس الناس ومشاعرهم، وليس من السهل التغلب عليها وإلغاء الآثار المترتبة عليها، هذه العادة في صدر الإسلام في مكة وفي أول الهجرة إلى المدينة، ثم شاء الله تعالى فنزلت الآيات في نفي أن يكون الأدعياء أبناء لمن ادَّعاهم في الحقيقة، وإنما ذلك حسب دعوى المدعي فقط، وذلك لا يغير من الواقع شيئًا, فقال تعالى: ( مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) [الأحزاب: 4].

 

ثم أمر تبارك وتعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، فهذا من العدل والقسط والبر، فقال تعالى: ( ادْعُوهُمْ لآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا )

 

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (إن زيد بن حارثة  مولى رسول

 

الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن)( ).

 

ولم يجعل الله سبحانه وتعالى عدم معرفتهم لآبائهم الحقيقيين مبررًا لإبقاء تبنيهم لهم، بل حرم التبني في هذه الحالة، وأخبر أنهم حينئذ إخوانهم ومواليهم، فقال تعالى: ( ادْعُوهُمْ لآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) [الأحزاب: 5]. أي فإن لم تعرفوا آباءهم فليس بينكم وبينهم إلا الأخوة في الدين والموالاة، وذلك عوضًا عما فاتهم من النسب، فيقال: فلان مولى فلان، أو مولى بني فلان( ).

 

وهذه الأخوة في الدين والموالاة لها أهمية كبرى، فهي ثابتة حتى للذين عرف آباؤهم؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة : «أنت أخونا ومولانا»( ) أي أخونا في الإسلام والولاية، كما قال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) [الحجرات: 10]. وجاءت نصوص أخرى تعالج هذا الأمر من جهة أخرى، وهي جهة الابن، فجاء تحريم الانتساب إلى غير الأب الحقيقي والمنتسب يعلم ذلك تحريمًا قاطعًا لا شبهة فيه( ), قال صلى الله عليه وسلم: «من ادعى إلى غير أبيه أو انتهى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله تعالى منه صرفًا ولا عدلاً( )» ( ).

 

وقد جعل الشارع لنشوء النسب سببًا واضحًا هو الاتصال بالمرأة عن طريق الزواج أو ملك اليمين، وأبطل ما كان يجري عليه أهل الجاهلية من إلحاق الأولاد عن طريق العهر والزنا قال صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»( ) ومعناه أن من يجيء من الأولاد ثمرة لفراش صحيح قائم على عقد الزواج أو ملك اليمين يلتحق نسبه بأبيه، وأن العهر والزنا لا يصلح أن يكون سببًا للنسب، وإنما يكون سببًا لشيء آخر هو الرجم والحجارة( ). ثم إن الله سبحانه وتعالى بعد أن منع وحرم دعوة الابن بنسبته إلى من تبناه وأمر بدعوته منسوبًا إلى أبيه الحقيقي إن عرف، أو إلى الأخوة في الدين والموالاة بعد ذلك بين حكم من أخطأ أو تعمد مخالفة هذا التشريع الإلهي, قال تعالى: ( ادْعُوهُمْ لآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) [الأحزاب: 5].

 

فقد نفى الله سبحانه وتعالى الجناح (الإثم) عمن أخطأ في نسبة الابن إلى غير أبيه في الحقيقة، وذلك بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع أو نسي فنسب الابن إلى غير أبيه بجريان لسانه بذلك، وأثبت الحرج والإثم لمن تعمد الباطل وهو دعوة الرجل لغير أبيه بعد علمه بتحريم ذلك( ).

 

كانت عادة التبني مستحكمة في نفوس الناس، وقد أخذت أبعادها مع مرور الزمن فكان زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب إلغاءً عمليًّا وليس إلغاء ذهنيًّا فحسب( ).

 

إن الحكمة في زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من السيدة زينب حكمة واضحة وظاهرة، وقد بينها الله تعالى بقوله عز وجل: ( لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً ) [الأحزاب: 37].

 

وقد ذكر المبطلون من الكفار وفروخهم ومقلدوهم بما ينعقون به، ويردده الجهال متعلقين بروايات مكذوبة خلاصتها كما يفترون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد هوي زينب بنت جحش بعد أن تزوجت بزيد بن حارثة، فلما علم زيد بذلك أراد طلاقها ليتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم( ), فهذا قول باطل، وقد نسف الإمام ابن العربي هذا القول من جذوره فقال: فأما قولكم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها أي رأى زينب بنت جحش فوقعت في قلبه، فباطل, فإنه كان صلى الله عليه وسلم معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها، ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج؟ حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال تعالى: ( وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) [طه:131] والنساء أفتن الزهرات فيخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات؟ ثم إن قوله تعالى: ( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ ) [الأحزاب: 37] يعني من نكاحك لها وهو الذي أبداه لا سواه أقول: فلو كان الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حبه لها لأبداه الله تعالى وأظهره فتيقنا أن الذي أخفاه رسول الله من أمر زينب هو نكاحه إياها وليس ما تخيله المبطلون من حبه لها( ).

 

إن الشرع أراد تأكيد إبطال نظام التبني وإبطال كل نتائجه وتعميق هذا الإبطال في النفوس وتأكيده بالتطبيق العملي، والقدوة والتأسي بمن يقتدي به في تطبيق هذه الأحكام الجديدة الناسخة، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بزواجه بزينب بأمر من الله تعالى العزيز الحكيم( ).

 

خامسًا: قصة زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من زينب وما فيها من دروس وعبر:

 

لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: اذهب فاذكرها عليَّ فانطلق قال: فلما رأيتها عظمت في صدري فقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن, وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير إذن( ), وأصدقها أربعمائة درهم، وكان زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب في السنة الخامسة على المشهور, وقال الحافظ البيهقي: تزوجها بعد بني قريظة( ).

 

وأولم الرسول صلى الله عليه وسلم في عرس زينب وليمة كبيرة، فأولم بشاة وقد دُعِيَ إلى الوليمة كل من لقيه أنس  بناء على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم, فعن أنس  قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، فإنه ذبح شاة( ).

 

وهكذا تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر ربه، زينب بنت جحش -رضي الله عنها- بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها، وفي زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب وما نزل فيه من القرآن وما واكبه من أحداث عظات وعبر( ) وقفنا عند بعضها, ويجدر بنا أن نتأمل في بعض الدروس والعبر التي نقف عليها منها:

 

1- كان خاطب زينب للنبي صلى الله عليه وسلم هو زوجها الأول زيد بن حارثة , ولعل اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد مقصود لذاته، ليقطع بذلك ألسنة المتقولين وما قد يزعمونه من أن طلاقها وقع بغير اختيار منه، وأنه قد بقي في نفسه من الرغبة فيها شيء، وفي هذا يقول ابن حجر: (هذا من أبلغ ما وقع في ذلك، وهو أن يكون الذي كان زوَّجها هو الخاطب، لئلا يظن أحد أن ذلك وقع قهرًا بغير رضاه، وفيه أيضا اختبار ما كان عنده منها هل بقي منه شيء أم لا؟)( ).

 

وفي هذا من الحكمة أيضا أن ما يقع بين الزوجين من نفرة وخلاف ثم طلاق لا يجوز أن يكون مانعًا من نصح أحد الزوجين للآخر، وأن يراعي فيه حقوق الأخوة الإيمانية، فهذا زيد رغم ما وقع بينه وبين زينب، ورغم أن هذا كان بسببها إلا أنه ذهب يخطبها لرسول الله، بل ويقول لها: (يا زينب أبشري).

 

2- في الآية التي نزلت بشأن هذا الزواج عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم من ربه، إذ كان حين يأتيه زيد يشكو زينب ومعاملتها له ورغبته في طلاقها يقول: (أمسك عليك زوجك واتق الله) أي اتق الله ودع طلاقها، أو اتق الله فيما تذكره من سوء عشرتها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخفي في نفسه ما أبلغه الله به أن زيدًا سيطلقها، وأنها ستكون زوجة له، ويخشى متى وقع هذا من كلام الناس في قولهم: تزوج مطلقة من تبناه وهو زيد بن حارثة. روى أنس بن مالك  قال: (جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اتق الله وأمسك زوجك» قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية)( ).

 

3- في قوله تعالى: ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ) منقبة عظيمة لزيد بن

 

حارثة  فقد انفرد بهذا، إذ لم يسم القرآن أحدًا من الصحابة غيره، قال السهيلي: (كان يقال: زيد بن محمد حتى نزل ( ادْعُوهُمْ لآَبَائِهِمْ ) فقال: أنا زيد بن حارثة، وحرم عليه أن يقول: أنا زيد بن محمد، فلما نزع عنه هذا الشرف وهذا الفخر, وعلم الله وحشته من ذلك شرفه بخصيصة لم يكن يخص بها أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, وهي أنه سماه في القرآن، فقال تعالى: ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا ) يعني من زينب, ومن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم حتى صار اسمه قرآنًا يتلى في المحاريب، نوه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له وعوض من الفخر بأبوة محمد صلى الله عليه وسلم له. ألا ترى إلى قول أبي بن كعب حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا» فبكى، وقال: أو ذكرت هنالك؟ وكان بكاؤه من الفرح حين أخبر أن الله تعالى ذكره، فكيف بمن صار اسمه قرآنًا يتلى مخلدًا لا يبيد, يتلوه أهل الدنيا إذا قرؤوا القرآن، وأهل الجنة أبدًا, لا يزال على ألسنة المؤمنين، كما لا يزال مذكورًا على الخصوص عند رب العالمين، إذ القرآن كلام الله القويم وهو باقٍ لا يبيد، فاسم زيد هذا في الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة تذكره في التلاوة السفرة الكرام البررة، وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا لنبي من الأنبياء ولزيد بن حارثة تعويضًا من الله تعالى له ما نزع منه( ).

 

4- زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها كان بأمر ربه، وهو الذي زوَّجه إياها, قال تعالى: ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً ) [الأحزاب: 37].

 

وفي هذا شرف عظيم ومنقبة جليلة لزينب رضي الله عنها، كانت تفاخر بها وحق لها ذلك، فعن أنس  قال: كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوَّجكن أهاليكن وزوَّجني الله من فوق سبع سماوات، وفي رواية أخرى: (كانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تقول: إن الله أنكحني في السماء)( ).

 

ولعل هذه المنقبة وهذا الشرف لزينب رضي الله عنها كان جزاء لها حين أذعنت وخضعت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرها بالزواج من مولاه زيد بن حارثة، وكانت لذلك كارهة، ثم لما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرها بذلك قبلت الزواج منه( ).

 

5- في وليمته صلى الله عليه وسلم على زينب علامة من علامات نبوته ودلالة من دلائلها, وهي تكثير الطعام بدعوته، وفي هذه الوليمة أيضا كان نزول آية حجاب نساء النبي صلى الله عليه وسلم وما شرع من آداب الضيافة( ).

 

فعن أنس بن مالك  قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بأهله قال: فصنعت أمي أم سليم حيسًا فجعلته في تور( ), فقالت: يا أنس: اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، قال: فذهبت بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أمي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا منا قليل يا رسول الله، فقال: «ضعه»، ثم قال: «اذهب فادع لي فلانًا وفلانًا، ومن لقيت» وسمى رجالاً، قال: فدعوت من سمى ومن لقيت قال: قلت لأنس، عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة. وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أنس: هات التور» قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه» قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم، فقال لي: «يا أنس، ارفع» قال: فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت، قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه ثم رجع، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجع ظنوا أنهم قد أثقلوا عليه، قال: فابتدروا الباب فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل، وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى خرج عليّ، وأنزلت هذه الآيات، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأهن على الناس: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا ) [الأحزاب: 53].

 

قال الجعد( ): قال أنس بن مالك: أنا أحدث الناس عهدًا بهذه الآيات، وحُجبن نساء النبي صلى الله عليه وسلم( ).

 

وقد حجب رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه لنزول آية الحجاب التي قال المولى عز وجل فيها: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ… ).

 

وقد كان نزول آية الحجاب من موافقات عمر ، روى البخاري في صحيحه عن أنس قال: قال عمر : قلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب, فأنزل الله آية الحجاب( ).

 

وبنزول هذه الآية كان تشريع الحجاب في الإسلام بالنسبة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد عدم إبداء شيء من أجسامهن للأجانب عنهن، وعدم محادثتهن أو طلب شيء منهم إلا من وراء حجاب، أي ستر يكون بينهن وبين غيرهن، ولما نزلت قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟. فأنزل الله قوله: ( لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ) [الأحزاب: 55].

 

ونزل أيضا في شأن نساء النبي في أدب الخطاب والإقامة في البيوت قوله تعالى: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا  وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) [الأحزاب:32، 33].

 

وقد فصل سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ما يتعلق بالنساء المسلمات: من غض البصر، وحفظ الفرج، وعدم إبداء مواضع الزينة من عنق وساق وعضد وساعد وشعر، ونحوها من العورة الظاهرة إلا للمحارم( ). وقد جاء ذلك في سورة النور، وقد بينت السنة النبوية كل ما يتعلق بالنساء من احتجاب وتصون وتعفف، وعدم السفور والخلاعة والابتذال بما لا مزيد عليه( ).

 

هذه بعض الدروس والعبر استخرجت من قصة زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش, وما واكب ذلك الزواج من نزول آيات بينات في أحكام الحجاب، وما شرع من آداب الضيافة.

 

هذا وقد توفيت زينب بنت جحش رضي الله عنها سنة عشرين من الهجرة وعمرها ثلاث وخمسون سنة، وكانت كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أول نسائه لحوقًا به( ), وقد بلغت مروياتها عن النبي صلى الله عليه وسلم وفق كتاب بقي بن مخلد أحد عشر حديثًا( ) ولها في الكتب الستة خمسة أحاديث( ), اتفق لها في البخاري ومسلم عن حديثين( ), فقد تركت ذكرًا طيبًا في تاريخ الأمة الإسلامية( ).

 

* * *

 

 

المبحث الثاني

 

الآن نغـــــــزوهم ولا يغزوننا( )

 

كان صلى الله عليه وسلم يعمل حساب كل القوى المجاورة، ولا يغفل عن أي قوة منها، وقد صرح بعد غزوة الخندق بأن الخطة القادمة هي غزو قريش, فقد تغيرت موازين القوى، وأصبح المسلمون لهم القدرة على الهجوم أكثر من قبل، فسعى صلى الله عليه وسلم لبسط سيادة الدولة على ما تبقى من قوى حول المدينة؛ لأن ذلك له صلة بالإعداد لغزو قريش في مرحلة لاحقة، فقد قام صلى الله عليه وسلم خلال عام واحد -العام السادس- بغزوتين وأرسل أربع عشرة سرية غير ما قام به في نهاية العام الخامس الهجري، وهذه الأعمال والتحركات قصد منها المزيد من إنهاك قوى قريش وإحكام الحصار، وتقليم أظفارها من خلال اقتطاع كل ما يمدها بالقوة من حلفائها( ), فقد استثمر رسول الله وأصحابه ما حققوه من نجاح في صد الأحزاب وإفشال خططهم، وردهم كيد يهود بني قريظة في نحورهم، فباشروا نشاطًا واسع النطاق ضد خصومهم على جميع الجبهات، فقد ضيقوا الخناق الاقتصادي على قريش من جديد, كما نفذوا العديد من السرايا لمعاقبة المشركين في الأحزاب من جهة أو للثأر من القبائل التي كانت قد غدرت بالدعاة, أو ناصبت الإسلام العداء، وقد تمثل النشاط العسكري الإسلامي خلال هذه الفترة فيما يلي:

 

أولاً: سرية محمد بن مسلمة إلى بني القرطاء:

 

كانت العشائر النجدية من أجرأ العناصر البدوية الوثنية على المسلمين؛ لأن النجديين أهل قوة وبأس وعدد غامر، وقد رأينا كيف أن العمود الفقري لقوات الأحزاب الضاربة كان من هذه القبائل النجدية، حيث كان رجال هذه القبائل الشرسة يشكلون الأغلبية الساحقة من تلك القوة الضاربة، ستة آلاف مقاتل من غطفان وأشجع وأسلم وفزارة وأسد، كانت ضمن الجيوش التي قادها أبو سفيان لحرب المسلمين فحاصرهم أهل المدينة.

 

ولهذا فإن أول حملة عسكرية وجهها النبي صلى الله عليه وسلم لتأديب خصومه بعد غزوة الأحزاب هي تلك الحملة التي جردها على القبائل النجدية من بني بكر بن كلاب الذين كانوا يقطنون القرطاء بناحية ضربة( ), على مسافة سبع ليالٍ من المدينة، ففي أوائل شهر المحرم عام خمس للهجرة وبعد الانتهاء مباشرة من القضاء على يهود بني قريظة وجه صلى الله عليه وسلم( ) سرية من ثلاثين من أصحابه عليهم محمد بن مسلمة لشن الغارة على بني القرطاء من قبيلة بكر بن كلاب، وذلك في العاشر من محرم سنة 6هـ( ), وقد داهموهم على حين غرة فقتلوا منهم عشرة وفر الباقون, وغنم المسلمون إبلهم وماشيتهم( ). وفي طريق عودتهم أسروا ثمامة بن أثال الحنفي سيد بني حنيفة، وهم لا يعرفونه فقدموا به المدينة وربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك. إن تنعم تنعم على شاكر, فتركه حتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟، فقال عندي ما قلت لك, فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله, يا محمد, والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليَّ، والله ما كان دين أبغض إليَّ من دينك فأصبح دينك أحب الدين إليَّ والله ما كان بلد أبغض إليَّ من بلدك فأصبحت بلدك أحب البلاد إليَّ، وأن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله ولكني أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم( ). وقد أبر بقسمه مما دفع وجوه مكة إلى أن يكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة ليخلي لهم حمل الطعام( ), فاستجاب النبي صلى الله عليه وسلم لرجاء قومه بالرغم أنه في حالة حرب معهم، وكتب إلى سيد بني حنيفة ثمامة: أن خَلِّ بين قومي وبين ميرتهم، فامتثل ثمامة أمر نبيه، وسمح لبني حنيفة باستئناف إرسال المحاصيل إلى مكة, فارتفع عن أهلها كابوس المجاعة( ). وفي هذه القصة دروس وعبر منها:

 

1- جواز ربط الكافر في المسجد.

 

2- جواز المن على الأسير الكافر، وتعظيم أمر العفو عن المسيء, لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة لما أسداه النبي صلى الله عليه وسلم إليه من العفو والمن بغير مقابل.

 

3- الاغتسال عند الإسلام كما فعل ثمامة حين أسلم.

 

4- الإحسان يزيل البغض وينبت الحب.

 

5- يشرع للكافر إذا أراد عمل خير ثم أسلم أن يستمر في عمل ذلك الخير.

 

6- الملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأسارى إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه( ).

 

7- الإسلام يغير سلوك المؤمن حين يضع المسلم قدراته تحت إمرة الإسلام والمسلمين, كما فعل ثمامة بعدم إرساله القمح لأهل مكة إلا بإذن من الرسول عليه السلام.

 

8- ينبغي أن يخلع المؤمن على عتبة الإيمان, وعند تركه للكفر, كل علاقاته السابقة، والتزامه بأوامر رب العالمين بعد إيمانه( ).

 

ثانيًا: سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر:

 

تعتبر سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر، استمرارًا لسياسية النبي صلى الله عليه وسلم العسكرية لإضعاف قريش ومحاصرتهم اقتصاديًّا على المدى الطويل، فقد بعث صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة راكب قبل الساحل, ليرصدوا عيرًا لقريش، وعندما كانوا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع, فكان قدر مزود تمر، يقوتهم منه كل يوم قليلاً قليلاً، حتى كان أخيرًا نصيب الواحد منهم تمرة واحدة، وقد أدرك الجنود صعوبة الموقف فتقبلوا هذا الإجراء بصدور رحبة دون تذمر أو ضجر، بل إنهم ساهموا في خطة قائدهم التقشفية, فصاروا يحاولون الإبقاء على التمرة أكبر وقت ممكن( ). يقول جابر  أحد أفراد

 

هذه السرية: (كنا نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل)( ) وقد سأل وهب بن كيسان جابرًا : ما تغني عنكم تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت( ).

 

وقد اضطر ذلك الجيش إلى أكل ورق الشجر، قال جابر : وكنا نضرب بعصينا الخبط( ), ثم نبله بالماء فنأكله( ) (فسمى ذلك الجيش جيش الخبط)( )، وقد أثر هذا الموقف في قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما أحد جنود هذه السرية الشجاعة, وهو رجل من أهل بيت اشتهر بالكرم، فنحر للجيش ثلاث جزائر( ), ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه( ).

 

فبينما هم كذلك من الجوع والجهد الشديدين إذ زفر البحر زفرة أخرج الله فيها حوتًا ضخمًا، فألقاه على الشاطئ، ويصف لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مقدار ضخامة هذا الحوت العجيب فيقول: وانطلقنا على ساحل البحر، فرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم( ), فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر( )، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليها شهرًا، ونحن ثلاثمائة حتى سمَّنا، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب( ) عينيه بالقلال( ) الدهن، ونقتطع منه الفدر( ) كالثور، أو قدر الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها( ), وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم( ) فقال: «ما حبسكم؟» قلنا: كنا نتبع عيرات قريش، وذكرنا له من أمر الدابة( )، فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا» قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله( ). كانت هذه السرية على الأرجح قبل صلح الحديبية، وليس في رجب سنة ثمانٍ كما ذكر ابن سعد( ), وذلك لسببين: السبب الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يغز ولم يبعث سرية في الشهر الحرام، والثاني: أن رجب سنة ثمان هو ضمن فترة سريان صلح الحديبية( ).

 

وذكر ابن سعد والواقدي( ) أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثهم إلى حي من جهينة، وقال ابن حجر( ): إن هذا لا يغاير ظاهره ما في الصحيح؛ لأنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرًا لقريش ويقصدون حيًا من جهينة، ويحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة، ويقوي هذا الجمع ما عند مسلم( ) أن البعث كان إلى أرض جهينة( ).

 

وفي هذه القصة دروس وعبر منها:

 

1- حكمة أبي عبيدة  حيث جمع الأزواد، وسوى بين المجاهدين في التوزيع ليستطيع تجاوز الأزمة بهم، وذلك درس تعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عمليًا أكثر من مرة.

 

2- كرم قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما، في وقت عصيب، ليس بيده يومها ما يخفف عن الناس، ففي رواية الواقدي: «أن قيس بن سعد  استدان هذه النوق من رجل جهني، وأن أبا عبيدة  نهاه قائلاً: تريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك( ), فأراد أبو عبيدة الرفق به( ).

 

وقد بدأ سعد ينحر وينحر حتى نهاه أبو عبيدة, فقال له سعد: يا أبا عبيدة أترى أن أبا ثابت يقضي ديون الناس، ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة، لا يقضي عني تمرًا لقوم مجاهدين في سبيل الله( )، وقال ذلك قيس لأبي عبيدة؛ لأنه قد اتفق مع رجل من جهينة على أن يشتري منه نوقًا ينحرها للجيش على أن يعطيه بدل ذلك تمرًا بالمدينة وقد وافق الجهني على تلك الصفقة.

 

وعندما علم سعد بن عبادة بنهي أبي عبيدة لقيس بحجة أنه لا مال له، وإنما المال لأبيه، وهب ابنه أربع حوائط أدناها يُجذ منه خمسون وسقًا( ).

 

3- الحلال والحرام: إن المسلمين في هذه السرية بلغ بهم الجوع غايته، فكانت التمرة الواحدة طعام الرجل طوال يوم كامل في سفر ومشقة، ويمرون وهم على تلك الحال من فقد التمر وأكل الخبط على الجهني الذي اشترى منه قيس أو على قومه، فما يخطر بفكرهم أن يغيروا عليهم لينتزعوا منهم طعامهم، كما كانت الحال في الجاهلية؛ لأنهم اليوم ينطلقون بدين الله الذي جاء ليحفظ على الناس أموالهم في جملة ما حفظ وهم اليوم يفرقون بين الحلال والحرام الذي تعلموه من منهج رب العالمين( ).

 

4- جواز أكل ميتة البحر: وتدل القصة على جواز أكل ميتة البحر، وأنها لم تدخل في قوله عز وجل: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) [المائدة: 3], وقد قال تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) [المائدة: 96]، وقد صح عن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وجماعة من الصحابة (أن صيد البحر ما صيد منه، وطعامه ما مات فيه) وفي السنن عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا: (أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال) حديث حسن. كما أن في أكل الرسول صلى الله عليه وسلم من لحم الحوت الذي تغذى منه المسلمون مدة دليل على مشروعية أكل ميتة البحر( ).

 

5- بعض الأحكام التي ذكرها الإمام النووي: قال النووي: في هذا الحديث جواز صد أهل الحرب واغتيالهم والخروج لأخذ مالهم واغتنامه، وأن الجيوش لا بد لها من أمير يضبطها، وينقادون لأمره ونهيه، وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم، أو من أفضلهم، قالوا: ويستحب للرفقة من الناس وإن قلوا أن يؤمروا بعضهم عليهم، وينقادوا له، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب للرفقة من المسافرين خلط أزوادهم ليكون أبرك، وأحسن في العشرة، وألا يختص بعضهم بأكل دون بعض، والله أعلم( ).

 

ثالثًا: سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل:

 

كانت هذه السرية قد وجهت إلى أبعد مدى وصلت إليه الجيوش النبوية في الجزيرة العربية، ودومة الجندل قريبة من تخوم الشام، فهي أبعد ثلاثة أضعاف عن المدينة بعدها عن دمشق، وهي تقوم في قلب الصحراء العربية واسطة الصلة بين الروم في أرض الشام والعرب في الجزيرة، وسكانها من قبيلة كلب الكبرى، وقد دخلوا في النصرانية نتيجة جوارهم وتأثرهم بجوار الروم النصارى، وهذه السرية تدخل ضمن مخطط النبي صلى الله عليه وسلم في احتكاكه مع الإمبراطورية الرومانية.

 

وأما أمير السرية فهو عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن رجال الرعيل الأول، فقد كان إحدى الدعائم الكبرى للدعوة الإسلامية منذ دخوله فيها على يد الصديق . ومهمة هذه السرية ذات جانبين: مهمة دعوية، ومهمة حربية؛ لذلك انتدب لها عبد الرحمن بن عوف الذي تربى على محض الإسلام منذ أيامه الأولى( ).

 

وعن هذه السرية حدثنا عبد الله بن عمر فقال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف فقال: تجهز فإني باعثك في سرية في يومك هذا، أو من غد إن شاء الله، قال ابن عمر: فسمعت ذلك فقلت: لأدخلن فلأصلين مع النبي الغداة، فلأسمعن وصيته لعبد الرحمن بن عوف.

 

قال: فغدوت فصليت فإذا أبو بكر وعمر، وناس من المهاجرين فيهم عبد الرحمن بن عوف، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان أمره أن يسير من الليل إلى دومة الجندل فيدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن: ما خلفك عن أصحابك؟ قال ابن عمر: وقد مضى أصحابه في السحر، فهم معسكرون بالجرف وكانوا سبعمائة رجل، فقال: أحببت يا رسول الله أن يكون آخر عهدي بك وعليّ ثياب سفري.

 

قال: وعلى عبد الرحمن بن عوف عمامة قد لفها على رأسه, قال ابن عمر: فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأقعده بين يديه فنقض عمامته بيده، ثم عممه بعمامة سوداء فأرخى بين كتفيه منها، ثم قال: هكذا فاعتم يا ابن عوف. قال: وعلى ابن عوف السيف متوشحه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغزُ باسم الله, وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدًا، قال ابن عمر: ثم بسط يده، فقال: يا أيها الناس، اتقوا خمسًا قبل أن يحل بكم: ما نقص مكيال قوم إلا أخذهم الله بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يرجعون، وما نكث قوم عهدهم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما منع قوم الزكاة إلا أمسك الله عليهم قطر السماء، ولولا البهائم لم يسقطوا، وما ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الطاعون، وما حكم قوم بغير آي القرآن إلا ألبسهم الله شيعًا، وأذاق بعضهم بأس بعض.

 

قال: فخرج عبد الرحمن حتى لحق أصحابه فسار حتى قدم دومة الجندل، فلما حل بها دعاهم إلى الإسلام فمكث بها ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، وقد كانوا أول ما قدم يعطونه إلا السيف، فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانيًّا وكان رأسهم، فكتب عبد الرحمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك, وبعث رجلاً من جهينة يقال له رافع بن مكيث، وكتب يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد أراد أن يتزوج فيهم، فكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بنت الأصبغ تماضر، فتزوجها عبد الرحمن وبنى بها، ثم أقبل بها وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. وذكر الواقدي أن هذه السرية في شعبان سنة ست( ).

 

وفي هذه السرية دروس وعبر منها:

 

1- تواضع النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وشفقته عليهم، حيث ألبس عبد الرحمن بن عوف عمامته بيده، وهذا التواضع منه صلى الله عليه وسلم يرفع من معنويات الصحابة رضي الله عنهم، ويدفعهم إلى بذل المزيد من الطاقة في سبيل خدمة هذا الدين؛ لأن التلاحم والمودة بين القائد وجنوده، من أهم عوامل نجاح العمل وتحقيق الأهداف( ).

 

2- كان جيش عبد الرحمن جيش مبادئ فتحرك ضاربًا في هذه الصحراء المترامية يحمل شرع الله إلى خلقه، وهدى رسوله إلى أمته مستوعبًا لمقاصد الجهاد وأحكامه، فالجهاد ليس باسم محمد صلى الله عليه وسلم فهو عبد الله ورسوله، ولا مكان لزعيم أو أمة أو قبيلة أو راية أو وطن أو جيش أو قومية بجوار هذه الراية الخفاقة في هذا الوجود, راية الله تعالى: «اغزُ باسم الله» فحزب الله تعالى هو الذي يحيي هذه الصحراء الظمأى بغيث العقيدة الخالصة

 

عقيدة التوحيد( ), وهدفهم من هذا التحرك في سبيل الله وحده قال تعالى: ( قُلْ إِنَّ

 

صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ

 

الْمُسْلِمِينَ ) [الأنعام: 162، 163].

 

قتالهم لمن كفر بالله وليس القتال على المبدأ الجاهلي:

 

إذا لم نجد إلا أخانا

 

وأحيانا على بكر أخينا

 

 

أما هذا الجيش القوي الفتي، فهو يمضي في الأرض قدمًا ليقاتل من كفر بالله( ).

 

3- ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف عن الغلول وهو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، ونهاه عن الغدر في العهود وعن قتل الولدان، وتلك نماذج من الأدب الإسلامي في الجهاد، فالقتال نوع من العنف والقسوة، ولكنه بالنسبة للمسلمين الذين طهر الله تعالى قلوبهم من الغل والحسد أمر عارض لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، وحماية المحقين من المبطلين وليس متأصلا في نفوسهم؛ ولذلك كان محفوفًا بالآداب السامية التي تجعل الإنسان الواحد جامعًا بين منتهى القوة والبطش ومنتهى الرحمة والعطف( ).

 

4- كان عبد الرحمن بن عوف  سيدًا من سادات هذه الأمة، وواحدًا من أكبر دعاتها، فهو يملك من الحلم، والحكمة والثقافة، والتجربة والعبقرية، والقدم في الإسلام، والبلاء فيه ما لا يملكه غيره، ولهذا بذل كل طاقته لتحقيق الهدف الرئيسي الأول، وهو الدخول في الإسلام، وكان متريثًا هاديًا خبيرًا بالنفوس والقلوب، فشحن كل الإمكانات الفكرية والحركية، لإنجاح هذه المهمة العظمى، وتكلل عمله بفضل الله تعالى بالنجاح الكبير، وخاصة أن الجهد انصب على إقناع الرئيس، حسب توجيهات المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

5- إن إسلام سيد بني كلب في دومة الجندل الأصبغ بن عمرو على يد عبد الرحمن بن عوف، يذكرنا بجعفر بن أبي طالب الذي أسلم على يديه النجاشي ملك الحبشة، ومصعب بن عمير بالمدينة حيث استجاب له سادات الأوس والخزرج وزعامتهم للإسلام, وهذه الشخصيات العظمى الثلاثة هم من الرواد الأوائل، ومن المؤسسين في المدرسة الإسلامية الأولى بمكة المكرمة.

 

هذا عبد الرحمن بن عوف الذي أصيب بأحد عشر جرحًا أدت بعضها إلى أن يكون عنده عرج من شدتها، يصنع ركائز العقيدة الإسلامية بجيشه المظفر شمال الجزيرة العربية, وينضم الكثيرون إلى الإسلام، لتغدو دومة الجندل موقعًا جديدًا من المواقع الإسلامية، في هذه الأطراف المتنامية، فلا غنى للمسلمين عن هذه القلعة، وعن هذه الموقعة للمستقبل القريب في المواجهة مع العرب والروم المناوئين للإسلام( ).

 

وهذه أول مرة يحكم الإسلام خارج حدوده ويتعايش المسلمون والنصارى في دولة واحدة، فالذين أسلموا تطبق عليهم أحكام الإسلام، والذين بقوا على نصرانيتهم تؤخذ منهم الجزية، وكان هذا الانفتاح تدريبًا جديدًا للصحابة على المجتمعات الجديدة التي سينتقلون إليها فيما بعد، وينساحون في العراق والشام وفي قلب فارس والروم، ليعلموا الناس أن العقيدة تنبني من خلال الحوار لا من خلال السيف، وأن مبادئ الإسلام لها قوتها الذاتية التي تشع أنوارها على المجتمعات التي قد انغمست في الظلام البهيم( ).

 

6- إن زواج عبد الرحمن بن عوف من ابنة سيد بني كلب زعيم دومة الجندل يقوي الروابط بين الزعيم المسلم الجديد بدومة الجندل وبين دولة الإسلام في المدينة، ويربط مصيره بمصير دولة الإسلام، ومصير الإسلام نفسه حين يشعر أن فلذة كبده مقيمة في العرين الإسلامي الذي أصبح يحن له حنينه لأرضه وبلده( ).

 

وقد كان صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يتزوج هو وقادته ببنات سادة القبائل؛ لأن ذلك كسبًا كبيرًا لدعوة الإسلام، حيث تكون المصاهرة سببًا في القرب وامتصاص أسباب العداء ثم الدخول في الإسلام( ).

 

رابعًا: تأديب الغادرين: غزوة بني لحيان، وغزوة الغابة وغيرهما:

 

1- بعد رحيل الأحزاب انتقل المسلمون من دور الدفاع إلى دور الهجوم وأصبحوا يمسكون بأيديهم زمام المبادرة، وحان الوقت لتأديب بني لحيان الذين غدروا بخبيب وأصحابه يوم الرجيع, وأخذ ثأر الشهداء، فخرج إليهم في مائتي صحابي، في ربيع الأول أو جمادى الأولى سنة ست من الهجرة( ).

 

أ- تضليل العدو: كانت أرض بني لحيان من هذيل تبعد عن المدينة أكثر من مائتين من الأميال. وهي مسافة بعيدة، يلاقي مشاقَّ كبيرة كل من يريد قطعها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على الاقتصاص لأصحابه من الذين استشهدوا (غدرًا) على يد هذه القبائل الهمجية التي لا قيمة للعهود عندها.

 

وكما هي عادة النبي صلى الله عليه وسلم في تضليل العدو الذي يريد مهاجمته اتجه بجيشه نحو الشمال، بينما تقع منازل بني لحيان في أقصى الجنوب.

 

وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم قبل تحركه نحو الشمال: أنه يريد الإغارة على الشام، وحتى أصحابه لم يعلموا أنه يريد بني لحيان إلا عندما انحرف بهم نحو الجنوب، بعد أن اتجه بهم متوغلاً نحو الشمال حوالي عشرين ميلا.. في حركة تمويهية على العدو بارعة.

 

وكان تغيير خط سيره من الشمال إلى الجنوب عند مكان يقال له (البتراء), ففي ذلك المكان عطف بجيشه نحو الغرب حتى استقام على الجادة منصبًا نحو الجنوب( ).

 

ب- فرار اللحيانيين قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم: كانت بنو لحيان على غاية التيقظ والانتباه, فقد بثت الأرصاد والجواسيس في الطرق ليتحسسوا لها ويتجسسوا لذلك, فما كاد النبي صلى الله عليه وسلم يقترب بجيشه من منازلهم حتى انسحبوا منها فارين، وهربوا في رؤوس الجبال، وذلك بعد أن نقلت إليهم عيونهم خبر اقتراب جيش المسلمين من ديارهم.

 

ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه عسكر في ديارهم ثم بث السرايا من رجاله ليتعقبوا هؤلاء الغادرين، ويأتون إليه بمن يقدرون عليه، واستمرت السرايا النبوية في البحث والمطاردة يومين كاملين إلا أنها لم تجد أي أثر لهذه القبائل التي تمنعت في رؤوس تلك الجبال الشاهقة، وأقام صلى الله عليه وسلم في ديارهم يومين لإرهابهم وتحديهم، وليظهر للأعداء مدى قوة المسلمين وثقتهم بأنفسهم، وقدرتهم على الحركة حتى إلى قلب ديار العدو متى شاءوا( ).

 

ج- إرهاب المشركين بمكة: رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتنم فرصة وجوده بجيشه قريبًا من مكة فقرر أن يقوم بمناورة عسكرية يرهب بها المشركين في مكة، فتحرك بجيشه حتى نزل به وادي عسفان( ), وهناك استدعى أبا بكر الصديق، وأعطاه عشرة فوارس من أصحابه وأمره بأن يتحرك بهم نحو مكة ليبث الذعر والفزع في نفوسهم، فاتجه الصديق بالفرسان العشرة نحو مكة حتى وصل بهم كراع الغميم( ), وهو مكان قريب جدًا من مكة، فسمعت قريشٌ بذلك فظنت أن النبي صلى الله عليه وسلم ينوي غزوها فانتابها الخوف والفزع والرعب، وساد صفوفها الذعر، هذا هو الذي هدف إليه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الحركة التي كلف الصديق أن يقوم بها.

 

أما الصديق وفرسانه العشرة فبعد أن وصلوا كراع الغميم, وعلموا أنهم قد أحدثوا الذعر والفزع في نفوس أهل مكة عادوا سالمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتحرك بجيشه عائدًا إلى المدينة( ).

 

د- الترحم على الشهداء: عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بطن (غران)( ) حيث لقي الشهداء من أصحابه مصرعهم على أيدي الخونة من هذيل، ترحم على هؤلاء الشهداء ودعا لهم( ).

 

2- غزوة الغابة( ): لم تكد تمضي ليالٍ قلائل على عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته لبني لحيان، حتى أغار عيينة بن حصن الفزاري في خيل لغطفان كان عددها أربعين على لقاح (الإبل الحوامل ذوات الألبان) لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة، وقتلوا ذر بن أبي ذر الغفاري، وأسروا زوجته ليلى، واستاقوا الإبل التي كان عددها عشرين, ولما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بخبر عيينة، خرج في خمسمائة من أصحابه في إثره، بعد أن استخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة( ).

 

وعند جبل ذي قرد( ) أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم العدو، فقتل بعض أفراده واستنقذ الإبل( ).

 

وقد أبدى سلمة بن الأكوع في هذه المعركة بطولة نادرة وخاصة قبل وصول كتيبة الفرسان النبوية، حيث كان من ضمن الرعاة في منطقة الغابة، وظل بمفرده يشاغل المغيرين ويراميهم بالنبل، وكان من أعظم الرماة في عصره، وقد استخلص مجموعة من الإبل المنهوبة قبل قدوم كتيبة الفرسان( ).

 

أما المرأة التي أسرها المغيرون من غطفان وهي زوجة ابن أبي ذر الذي قتله المشركون أثناء الغارة في الغابة، فقد عادت سالمة إلى المدينة بعد أن تمكنت من الإفلات من القوم على ظهر ناقة تابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نذرت إن نجاها الله عز وجل لتنحرن تلك الناقة، فلما أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم عن نذرها تبسم وقال: «بئسما جزيتِها» (أي أنها حملتك ونجت بك من الأعداء فيكون جزاؤها النحر) ثم قال لها صلى الله عليه وسلم: «لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا تملكين»( ).

 

وقد عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن أمضى خمس ليالٍ خارجها( ).

 

وهذه الغزوة من أكبر الغزوات التأديبية التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ضد أعراب نجد بعد غزوة الأحزاب وبني قريظة وقبل غزوة خيبر( )، وتتابعت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة ذي قرد لتأديب المشركين فنجحت بعض هذه السرايا، وتعثر بعضها الآخر، وكان أبرزها سرية عكاشة بن محصن الأسدي التي عرفت بسرية الغمر( ), وقد بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة، إلى بني أسد، فوصلت إلى موضع يقال له الغمر، فوجدت القوم قد هربوا وتفرقوا في الجبال القريبة, فأغار عكاشة وأصحابه على نعم لهم فغنموا مائتي بعير، وعادوا إلى المدينة( ).

 

ومن أبرزها أيضا سرية محمد بن مسلمة الأنصاري إلى ذي القصة( ) لإرهاب بني ثعلبة وعُوال ومنعهم من الإغارة على سرح المدينة، وفي شهر ربيع الثاني سنة ست من الهجرة خرج محمد بن مسلمة في عشرة من المسلمين حتى وردوا عليهم ليلاً فأحدق بهم القوم وهم مائة رجل، فتراموا ساعة من الليل، ثم حملت عليهم الأعراب بالرماح فقتلوهم, ووقع محمد بن مسلمة جريحًا، ولم يتمكن من العودة إلا بعد أن مرَّ به رجل من المسلمين، فحمله حتى ورد به المدينة( ).

 

وعلى الأثر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى منازلهم، فلم يجدوا واحدًا، ولكنهم غنموا بعض نعمهم فساقوها وعادوا بها إلى المدينة( ).

 

وفي شهر جمادى الأولى من السنة نفسها، كانت سرية زيد بن حارثة الثانية إلى العيص( ) في سبعين ومائة راكب، لاعتراض قافلة لقريش كانت مقبلة من الشام فأدركها وأخذها وما فيها, وأسر بعض أفرادها، كان منهم أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله، وأمه هالة بن خويلد أخت خديجة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمغيرة بن معاوية بن أبي العاص( ). وفي شعبان سنة ست من الهجرة خرجت سرية بقيادة علي بن أبي طالب لتأديب بني سعد بن بكر الذين جمعوا الناس لإمداد يهود خيبر، وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائة من المسلمين، فأغار عليهم، وغنم بعض نعمهم وعاد بها إلى المدينة( ).

 

كانت هذه السرية تأديبًا لكل من تسول له نفسه مساعدة اليهود في بغيهم المتوقع، حيث علمت تلك القبائل أن عين المدينة يقظة لكل ما يدور حولها، وأن جميع التحركات كانت تحت المراقبة( ). فقد تميزت الدولة الإسلامية بدقة رصدها لأعدائها، وهكذا يكون التخطيط الحربي السليم، وذلك بقطع الطريق على تجمع الأعداد الكبيرة حتى بالإمدادات الصغيرة( ).

 

إن حركة السرايا والبعوث التي كان يقودها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترشد المسلمين إلى أهمية متابعة أخبار الأعداء وجمع المعلومات عنهم، فقد كانت المعلومات تتجمع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من مصادر متعددة عن طريق سراياه الاستطلاعية والمسلمين المتخفين، والمتعاطفين مع المسلمين، المعاهدين، الفراسة واستكشاف ما وراء السطور، المهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يفاجأ بتآمر داخلي أو تهديد خارجي, وهذا يجعل المسلمين في عصرنا أمام قضية يجب أن يعطوها كامل الاعتبار، مع ملاحظة الضوابط الشرعية( ).

 

خامسًا: سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين:

 

قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من عكل( ) وعرينة( ) في شوال من العام السادس الهجري( ), وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذودٍ( ) وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها ويتمسحوا بأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم فبعث الطلب في آثارهم( ), فقبضوا عليهم؛ فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وأرجلهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم، قال قتادة راوي الحديث: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة( ).

 

وقال أبو قلابة في حديثه: (هؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا

 

الله ورسوله)( ).

 

قال الجمهور: إن الآية ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [المائدة: 33] قد نزلت في هؤلاء العرنيين( ), وقيلت أسباب أخرى في نزولها( ).

 

وعلى كل حال, فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فهذا الحكم باقٍ حتى يومنا هذا، وأدل دليل على ذلك، ما أجمع عليه المسلمون من وجود حكم الحرابة في الإسلام، سواء كانت الآية نزلت في الكفار أم في المسلمين، وهذه الآية نازلة في المشركين كما في البخاري، فدل ذلك على أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.

 

وكون المثلة منسوخة أو منهيًا عنها, وأن النبي صلى الله عليه وسلم سمل أعين العرنيين، لا يستدل به في هذه القضية, لكون العرنيين سملوا أعين الرعاة فصار سمل النبي صلى الله عليه وسلم لهم قصاصًا لا مثلة( ).

 

إن حادثة العرنيين ترتب عليها تنفيذ حكم الحرابة, ونزول آيات بينات في هذا الحكم، فقد حصر المولى عز وجل جزاء المحاربين في أربعة أمور, وكان ذلك الحصر بأقوى أدوات الحصر.

 

ثم إنه وصف هؤلاء المحاربين بأوصاف يشمئز منها كل عاقل، ذلك أنه وصفهم بأنهم حرب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم, وأنهم يريدون إفساد الأرض بتخويف سكانها، وتقتيلهم وسلبهم ونهب ممتلكاتهم ظلمًا وجورًا لا مستند لهم ولا باعث إلا الإفساد والطغيان، فكانت رحمة الله تعالى الرحيم بهم وغيرهم من خلقه مقتضية الحكم عليهم بواحد من أمور أربعة وهي: القتل، والصلب، وقطع الأيدي، والأرجل من خلاف، والإبعاد من مخالطة العامة، وعزلهم عنها بالنفي والتغريب حتى لا تتكرر منهم تلك الجرائم الشنيعة, وحتى يرتدع غيرهم من ارتكاب مثل هذا الجرم الشنيع، ولكي يطهرهم ما يوقع بهم من عقاب من الذنوب والآثام, إن هم تابوا ورجعوا إلى رشدهم وصوابهم.

 

ثم إن هؤلاء لهم ذلة ومهانة في الحياة الدنيا لأذيتهم المسلمين, وقد علل تعالى لحوق تلك الرذيلة بهم مدة الحياة الدنيا بسبب ما اقترفوه من جريمة الحرابة، وباقية معهم إلى يوم القيامة، لكن الرب جل وعلا أعد لهؤلاء في الآخرة عذابًا عظيمًا.

 

ثم استثنى جل وعلا من هؤلاء من أناب إليه ورجع في أسلوب حكيم مؤثر داعٍ إلى رجوعهم وتوبتهم من هذه الجريمة المنكرة، فلقد عفا عنهم تعالى إذا ما رجعوا وجاءوا تائبين قبل القدرة عليهم، لكون تلك التوبة مظنة لصدقهم في توبتهم ورجوعهم عن غيهم؛ لأنهم رجعوا قبل القدرة عليهم، وبتقييد العفو عنهم بتوبتهم قبل القدرة عليهم يفهم أنهم إن قدر عليهم قبل التوبة لا ينالون من العفو ما ينالونه لو تابوا قبل القدرة عليهم. وهذا نوع من العلاج في غاية الدقة والإنصاف، وفيه من الحفز على التقليل من هذه الجريمة وتركها ما لا يخفى على ذي عقل لبيب.

 

وكذلك الشأن في جميع أساليب القرآن الكريم العلاجية، كلها توافق الذوق السليم والعقل الراجح المتزن المتمتع بصفاء الفطرة السليمة.

 

ثم ختم تعالى الآيتين الكريمتين بأنه غفور رحيم لمن تاب منهم وأصلح، فلا يقنط أحد من رحمته الواسعة، ولا يحول بين العبد ورحمة ربه ومغفرته عظيم ذنبه، وجسيم خطئه، ما لم يقارف شركًا. وفي الجملة فقد عالجت الآيات القرآنية الحرابة في المجتمع الإسلامي علاجًا لا مزيد عليه وذلك واضح مما يلي:

 

1- وصف المحارب بأنه محارب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

 

2- عظم الجزاء المترتب على الحرابة أيا كان هو.

 

3- مكانته الدنيئة في الدنيا والآخرة إن لم يتب.

 

4- يظهر علاج القرآن الكريم لهذه الجريمة الشنعاء بفتحه باب التوبة لمتعاطيها على مصراعيه حتى لا يكون سده في وجهه حافزًا له على التمادي في جرمه والاستمرار في عتوه( ).

 

قال تعالى: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )[المائدة: 33، 34].

 

وهكذا كانت حركة بناء المجتمع وإقامة الدولة متشابكة في قضاياها العسكرية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية.

 

* * *

 

 

المبحث الثالث

 

تصفية المحرضين على الدولة

 

أولاً: سرية عبد الله بن عتيك لقتل سلام بن أبي الحقيق:

 

كان أبو رافع سلام بن أبي الحقيق من يهود بني النضير كثير التحريض على الدولة الإسلامية, حتى إنه جعل لغطفان ومن حولها من قبائل مشركي العرب الجعل العظيم إن هي قامت لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاع أمر أبي رافع وانتشر, وكان ممن ألب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبح تحريضه على دولة الإسلام من الأخطار التي يجب أن يوضع لها الحد( ).

 

1- توجه السرية إلى خيبر ودخولها:

 

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار فأمر عليهم عبد الله بن عتيك.. وكان أبو رافع في حصن له فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم. قال عبد الله بن عتيك لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل, فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت، فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم غلق الأغاليق على وتد. قال ابن عتيك: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب( ).

 

2- تنفيذ العقوبة بحق أبي رافع:

 

ولما دخل أبو عتيك  ومن معه من أفراد سريته إلى داخل الحصن، وأخذوا ينتظرون الفرصة المناسبة لقتل هذا اليهودي الخبيث أبي رافع.

 

وقد جاء في البخاري: أن عبد الله بن عتيك أدرك نفرًا من أصحاب أبي رافع يسمرون عنده، وكان في علالي له, فكمن حتى ذهب عنه أهل سمره ثم صعد إليه، وكلما دخل بابًا أغلقه عليه، من الداخل حتى لا يحول أحد بينه وبين تنفيذ العقوبة، بحق أبي رافع، فانتهى إلى أبي رافع فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله, لا يدري أين هو من البيت، قال ابن عتيك: فقلت: يا أبا رافع. قال: من هذا؟ قال ابن عتيك: فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش ما أغنيت شيئا. وصاح، فخرجت من البيت، فمكثت غير بعيد ثم دخلت إليه. فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ قال: لأمك الويل إن رجلاً في البيت ضربني قبل بالسيف. قلت: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته. فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة, فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع, فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال: ابسط رجلك، فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط( ).

 

وقد ذكرت كتب السيرة أن امرأة أبي رافع حينما ضُرب بالسيف صاحت فأراد قتلها, ثم كف عن ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاهم عن قتل النساء والصبيان( )، وأن ابن عتيك كان يرطن بلغة اليهود، وأنه استخدمها مع زوجة أبي رافع اليهودي وأهل بيته.

 

ويذكر كتاب السيرة أن سرية ابن عتيك كلها شاركت في ضرب أبي رافع، وأن كل واحد منهم ادَّعى أن ضربته كانت هي القاضية على أبي رافع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عجلوا بأسيافكم» فأتوا بأسيافهم فنظروا إليها، ثم قال: «هذا قتله» وهو سيف عبد الله بن أنيس، هذا أثر الطعام في سيف عبد الله بن أنيس( ). وقد يتوهم القارئ الكريم أن هناك تناقضًا بين رواية البخاري، ورواية كتب السيرة الأخرى التي تقول: إن الضربة القاضية كانت من عبد الله بن أنيس، والحق أنه ليس كذلك؛ ذلك لأن عبد الله بن عتيك يخبر عن نفسه، وأنه غلب على ظنه أنه هو القاتل, وأنه قد حكى عن دوره في ضرب اليهودي أبي رافع، ولا يعني هذا أن غيره لم يشارك في قتله، إذ لم ينف هو مشاركة غيره له في قتل أبي رافع، والروايات يفسر بعضها بعضًا، ويشرح بعضها بعضًا والروايات تذكر أن كل واحد من أفراد السرية كان يدعي أن ضربته هي القاضية والمميتة لأبي رافع، وقد نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعواهم وفحص سيوفهم، وحكم بعد ذلك بأن الضربة القاضية كانت بسيف عبد الله بن أنيس  لظهور أثر الطعام عليه، أي أن هذا السيف قد دخل جوف أبي رافع ومزق أحشاءه، وقطع أمعاءه، وخلط غذاءه في جوفه( ).

 

وقد ذكرت كتب السيرة أسماء سرية عبد الله بن عتيك وهم: مسعود بن سنان، عبد الله بن أنيس، أبو قتادة الحارث بن ربعي، خزاعي بن أسود( ).

 

وفي هذه السرية دروس وعبر كثيرة منها:

 

1- إن كل أعضاء هذه السرية كانوا من الخزرج فقد حرصوا على أن ينافسوا إخوانهم من الأوس, الذين قتلوا كعب بن الأشرف, فقد كانوا كفرسي رهان في المسابقة في الخيرات فهم لا يتنافسون على اغتنام مظاهر الحياة الدنيا من المال والمناصب، وإنما يتسابقون إلى الفوز بمرضاة النبي صلى الله عليه وسلم التي مآلها رضوان الله تعالى والسعادة الأخروية( ).

 

قال كعب بن مالك: وكان مما صنع الله تعالى به لرسوله صلى الله عليه وسلم أن هذين الحيين من الأنصار، الأوس والخزرج، كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين؛ يعني يتسابقان في خدمته، لا يصنع الأوس شيئًا فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غناء إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام, قال: فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئًا قالت الأوس مثل ذلك( ).

 

2- فائدة لغة العدو: فقد استطاع عبد الله بن عتيك أن يصعد إلى حصن أبي رافع وأن يخاطب امرأته وأن يدخل بيته مطمئنًا؛ لأنه خاطبه بلغته, لغة اليهود في ذلك الوقت، ويؤخذ من ذلك استحباب تعلم لغة غير المسلمين لا سيما الأعداء منهم خاصة لأولئك العسكريين الذين يذهبون لمهمات استطلاعية تجمع أخبار العدو وتزود القيادة بها، والقيادة ترسم( ).

 

3- عناصر نجاح خطة ابن عتيك في قتل أبي رافع اليهودي: ذهابه وحده، فقد قرر أن يذهب وحيدًا إلى الحصن، ويحاول أن يدخله, ومن ثم يفتش عن طريقة يدخل بها أفراد سريته، تصرفه العادي الذي لم يلفت انتباه أحد من الحراس، قدرته على التمويه على الحارس، وإيهامه أنه يقضي حاجته، وهذا منع الحارس من النظر إليه وتفحصه وتفرسه في وجهه، مراقبة حركة الحارس الدقيقة بعد دخول الحصن وإغلاقه, فقد كمن في مكان لم يشعر به الحارس، وراقب الحارس حتى وضع مفتاح الحصن في مكان معين وتابعه حتى انصرف، وأخذ المفتاح وأصبح يستخدمه كيفما يشاء وفي أي وقت يشاء( ).

 

4- عناية الله عز وجل بأوليائه, فهذا الصحابي الجليل استمر بعون من الله تعالى يمشي ويبذل طاقته حتى بعد أن أصيبت رجله، وكأنه لا يشكو من علة حتى إذا انتهت مهمته تمامًا، وأصبح غير محتاج لبذل الجهد عاد إليه الألم، وحمله أصحابه، فلما حدث النبي صلى الله عليه وسلم خبره قال له: ابسط رجلك، قال: فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم اشتكها قط( ).

 

5- فوائد من القصة استخرجها ابن حجر حيث قال: وفي هذا الحديث من الفوائد جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصر وقتل من أعان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أو ماله أو لسانه، وجواز التجسس على أهل الحرب, وتطلب غرتهم والأخذ بالشدة في محاربة المشركين، وجواز إيهام القوم للمصلحة، وتعرض القليل من المسلمين للكثير من المشركين, والحكم بالدليل والعلامة لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته واعتماده على صوت الناعي بموته, والله أعلم( ).

 

6- وجود عبد الله بن أنيس جنديًا في هذه السرية، وليس أميرًا فيها له دلالته الكبرى في عملية التربية والتعليم، فهو العقبي البدري المصلي للقبلتين, فهو من السابقين الأولين من الأنصار، وليس عبد الله بن أنيس نكرة في مجال الجهاد والبطولات، فلا بد أن نذكر أنه وحده الذي ابتعثه رسول الله إلى اغتيال سفيان بن خالد الهذلي في أطراف مكة، وهو الذي كان يعد العدة لغزو المدينة, وهو الذي نجح نجاحًا باهرًا في مهمته تلك، وقتله في فراشه وداخل خيمته، وأعجز قومه هربًا، وعاد منتصرًا مظفرًا، فهو مليء بالمجد، ومع ذلك فلم يكن أمير المجموعة، إنما كان أحد أفرادها, وهو يحمل هذا التاريخ المشرق في سجلاته عند ربه عز وجل قبل أن يكون عند الناس.

 

وهو درس تربوي خالد قد استوعبه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, وهذا النوع من التربية لا مثيل له في عالم الأرض، فالذي يحكم في الجيوش تسلسل الرتب حتى أن الرتبة الواحدة يتحكم فيها المتقدم بالمستجد، وعلى المستجد السمع والطاعة للمتقدم ولو بأشهر، وبهذا المنطق لا يجوز أن يتقدم على عبد الله بن أنيس أحد، ولكنها التربية النبوية العظيمة التي خطها النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من موقع، لتجعل هذا الجيل يتعلم من سابقه ويتدرب على يديه، فطالما أرسل عليه الصلاة والسلام سرايا فيها أبو بكر وعمر جنديان عاديان في غمار الجنود( ).

 

ثانيًا: سرية عبد الله بن رواحة إلى اليسير بن رزام اليهودي:

 

بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اليسير بن رزام أمير اليهود بخيبر بعد سلام بن أبي الحقيق، أخذ في جمع يهود الشمال وتحريضهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم يكتف بذلك بل بدأ بتأليب قبائل غطفان وجمعها لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبيته اليهود له من الخديعة والمكر رأى صلى الله عليه وسلم أن يتأكد من ذلك قبل أن يقدم على أمر ما، فأرسل عبد الله بن رواحة في نفر من المسلمين روادًا يكتشفون ما تخبئه يهود ومن لف لفها من مشركي العرب( ).

 

وقد تأكدت المخابرات النبوية من أمر اليسير بن رزام، وكان هذا كافيًا لقيام

 

النبي صلى الله عليه وسلم ببعث سرية في ثلاثين راكبًا عليهم عبد الله بن رواحة، وفيهم عبد الله بن أنيس فأتوه فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلاً مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، وكان هو رديف عبد الله بن أنيس على بعيره، حتى إذا كانوا بقرقرة ثيار على ستة أميال من خيبر، ندم اليسير على مسيره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهوى بيده على سيف رديفه ابن أنيس، ففطن له، فاقتحم به، ثم ضربه بالسيف، فقطع رجله وضربه اليسير بمخرش( ) في يده من شواحط( ) فضرب به وجه عبد الله فأمه( ), ومال كل رجل من المسلمين على رديفه من اليهود فقتله، إلا رجل واحد أفلت على رجليه, فلما قدم ابن أنيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم تفل على شجه، فلم تقح ولم تؤذه( ). وكانت هذه السرية في شوال سنة ست من الهجرة( ).

 

وفي هذه السرية دروس وعبر منها:

 

1- كانت الخطة النبوية هي محاولة إيقاف نهر الدم بين اليهود والمسلمين ابتداء, فقد كان دور عبد الله بن رواحة في هذا الاتجاه، غير أن الحقد اليهودي الذي أشرب قلوبهم والسم الذي ينفثونه على المسلمين، هو الذي غلب آخر الأمر، وأفسد الخطة كلها، فقد حاولوا الغدر بالمسلمين فوقعت الدائرة عليهم.

 

2- إن البأس في الحرب ما لم يكن غليظًا وشديدًا، فلن تحسم المواجهة مع العدو، وستجعل الحرب تفنى كل شيء وتأكل كل شيء, فلا بد من بث الرهبة والرعب في قلوب العدو، ولا بد من الشدة معه حين لا يجدي الحوار أو المناقشة, ولا بد من الغلظة التي تشعر العدو أن من يقاتله لا يخشى في الله لومة لائم.

 

3- شهد العام السادس من الهجرة تصعيدًا عنيفًا في عمليات المواجهة مع العدو، ولا يكاد يمر شهر دون سرية أو سريتين تضرب في الصحراء، وتفض جمعًا أو تحطم عدوًا أو تغتال طاغوتًا، فقد كان شعار المرحلة: الآن نغزوهم ولا يغزوننا، فقد كان حزب الله ينطلق في الآفاق باسم الله، يحمل المبادئ الخالدة، والقيم العليا يقدمها للخلق كافة، ويزيح كل طاغوت يحول دون وصول هذه المبادئ، ونشهد حزب الله في أفراده جميعًا، والذين تلقوا أعلى مستويات التربية الخلقية، والفكرية، والعسكرية، والسياسية، كيف ينفذون هذا المنهج وكيف يكون واقعهم ترجمة عملية وحية لمبادئهم، وكيف يتقدمون ليتصدروا مرحلة جديدة تبدأ معالمها وملامحها مع صلح الحديبية( ).

 

* * *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.