سورة عبس | تفسير وشرح ودروس

فيما يلي تفسير وشرح ودروس سورة عبس ضمن سلسلة تدبر القرآن الكريم التي كتبها أحمد السيد، والتي تتضمن دروساً وفوائد من الآيات مع واجبات ووصايا نهاية السورة.

قد يهمك:

تدبر جزء عمّ

سورة عبس | تفسير وشرح ودروس

معاني كلمات سورة عبس:

سفرةملائكة سفراء بين الله وخلقه.نطفةمنىّ
فقدرهخلقه أطواراًأنشرهأحياء يوم النشور
قضباًعلفاً للدوابغلباًعظيمة الأشجار
أبّاًكلأ للبهائمقترةذلة وظلمة

مقدمة:

في السورة السابقة نزل توجيه من الله بالذهاب إلى كبراء القوم وأشرافهم ودعوتهم إلي الإسلام خاصة عند عموم الطغيان (اذهب إلي فرعون إنه طغي).

وقد حرص النبي صلي الله عليه وسلم منذ بدء الجهر بالدعوة على دعوة كل الناس عامة وأشراف قريش خاصة،

نظراً لعظم تأثيرهم وطمعاً في إسلامهم.

وذات مرة وبينما بعض أشراف قريش عند النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم ويحاورهم إذ أقبل عليه رجل مسلم أعمي وهو عبد الله بن أم مكتوم،

فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنه حتى لا يقطع اهتمامه بكبراء قريش،

فنزلت هذه الآيات تعاتب النبي صلى الله عليه وسلم وتصحح موازين الاهتمام وتقارن بين الساعي إلي الله وهو يخشاه وبين المستغني عن الله.

شرح سورة عبس:

الآيات (1- 16):

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)

ما هذا؟

عبس وتولي (كلح بوجهه وأعرض)؟

لأن الأعمى جاءه في هذا التوقيت؟

هل ظننت أن مجيئه إليك غير ضروري؟

وما يدريك لعله أراد التزكية والتطهر من الذنب أو أراد أن يتذكر ويسمع الموعظة فتنفعه هذه الذكري.

ثم ما هذا التناقض الذي يحدث؟

من تكبر واستغني عن الله وعصاه، تهتم به وتقبل عليك بوجهك وتبذل جهدك الكبير لهدايته!

ومن جاءك مقبلاً مسرعاً وهو يخشى الله، لا تبالي به وتنشغل عنه بغيره!

كلا.. ليس هذا هو القياس الصحيح، ولا هي المعاملة السليمة، وشتان بين هذا وذاك،

إنها تذكرة بالله وآياته، فمن شاء انتفع بهذه التذكرة، وهي غالية وعزيزة، في صحف مكرمة، في مكانة مرفوعة عالية، مطهرة ومنزهة لا يمسها إلاّ المطهرون، بأيدي ملائكة سفراء بين الله ورسله، كرام بررة أتقياء طائعون.

الآيات (17- 23):

قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)

قتل الإنسان (دعاء عليه) ما أشد كفره؟

وعلى أي أساس يستند إلى عصيانه وتكبره علي الله؟

هل نسي نفسه؟

من أي شيء خلقه الله؟

من نطفة (ماء منيّ مهين يخرج من ذات مجري البول)

خلقه فقدره (سواه في أطوار وجعل له أعضاء وأجهزة وحواس)

ثم السبيل يسره (سهل له طريقة الحياة وتحصيل المعاش وإدراك الخير والبشر)،

ثم أماته فأقبره (أكرمه بالدفن في القبر)، ثم حين يشاء الله أنشره (أحياه وبعثه بعد موته).

كلا.. لم يخلق الله الإنسان عبثاً دون محاسبة وسؤال عن عمره فيما أفناه وعن عصيانه لله، ولمَ لمْ يقض ما أمره الله به.

الآيات (24 – 32):

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)

ثم لينظر الإنسان إلى طعامه وليتأمل فيه، من الذي خلقه وكونه وما هي مصادر الطعام ودورة حياته ومن المتحكم فيها؟

ألا فليعلم أنّا صببنا الماء صباً من السماء، ثم شققنا الأرض شقاً، فأنبتنا فيها حباً (وضعناه بداخلها وأيضاً أخرجناه منها) وعنباً، وقضباً (علفاً للدواب) وزيتوناً ونخلاً، وحدائق غلباً (كثيفة الأشجار)، وفاكهة وأبّاً (كلأ للبهائم)، متاعاً لكم ولأنعامكم.

الآيات (33 – 42):

فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)

فإذا جاءت الصاخة، تلك الصيحة العالية المدوية التي تصم الآذان لإعلان بدء يوم البعث، عندها يبلغ الرعب مبلغاً يجعل المرء يفر من أخيه وأمه وأبيه وزوجته وبنيه، لكل امرئ منهم شأن يغنيه، فهو مشغول بنفسه فقط.

والناس يومها فريقان: وجوه يومئذ مسفرة (مشرقة مضيئة) ضاحكة مستبشرة، هؤلاء من أمثال ذلك الذي كان يسعي إلي الله وهو يخشاه في هذه الدنيا.

ووجوه يومئذ عليها غبرة (غبار) ترهقها قترة (أعيتها الشدة والذلة وغشيها السواد والظلمة) أولئك هم الكفرة الفجرة.

دروس وفوائد من سورة عبس:

1-صاحب الهمة.. ابن أم مكتوم

هو عبد الله بن أم مكتوم، صحابي أعمي من ذوي الأعذار، المرفوع عنهم الحرج لكنه كان ذا همة عالية، راغباً في الله، يسعي إليه بخشية، وهو نموذج لمن يغالبون الأعذار.

خرج من بيته متوكئاً على عصاه، يسرع الخطي نحو رسول الله، راغباً في الله، وطالباً للموعظة والتذكرة، وفيه نزلت هذه الآيات تسلط الضوء علي فضل هذا السلوك ووجوب الاهتمام بأمثال هؤلاء.

إن من يتتبع سيرة ابن أم مكتوم يجد أمامه شخصية قد عظم شأنها بفضل هذا الدين وبحسن إقباله عليه.

كان النبي صلي الله عليه وسلم يمازحه بقوله: أهلاً بمن عاتبني فيه ربي.

وكان ابن أم مكتوم مع بلال هما اللذان توليا مهمة رفع الآذان بالمدينة وجمع الناس للصلاة.

وسعي ابن أم مكتوم إلي سعد بن أبي وقاص قائد معركة القادسية ضد الفرس، طلب منه أن يعطيه مهمة حمل الراية في المعركة وهي من أخطر المهام فهي الهدف الأول للعدو.

وبالفعل حمل ابن أم مكتوم الراية متمنياً الشهادة في سبيل الله فأكرمه الله ونالها.

وتظل صورة ابن أم مكتوم وهو كفيف ويمسك بعصاه ويسرع الخطي نحو الله، تظل هذه الصورة لوحة خالدة ونموذجاً رائداً لكل من يسلك مسلكه ويسرع الخطي نحو الله وهو يخشاه.

  • يقول تعالي:

“وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ “.

أل عمران 133

  • ويقول الله تعالى:

” فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ”.

البقرة 148

  • عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

“بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلاّ فقراً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمرّ.”.

رواه الترمذي وقال حديث حسن.

  • قال إبراهيم الحربي: صحبت أحمد بن حنبل عشرين عاماً، صيفاً وشتاءً، حراً وبرداً، ليلاً ونهاراً، فما لقيته في يوم إلاّ وهو زائد عليه بالأمس.
  • سئل الإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟

قال: عند أول قدم يضعها في الجنة.

2-التدبر في الطعام والإنسان

الآيات تشير إلى قدرة الله في تكوين الطعام ودورة تكوينه من أول نزول المطر وخروج الزروع بأنواعها ليأكلها الإنسان والأنعام.

كما تشير الآيات إلى دورة حياة الإنسان منذ كان نطفة ثم يولد ثم يموت ثم يبعث ويحاسب.

والآيات تدعو للنظر والتدبر والتفكر عند تناول الطعام وتطور حياة الإنسان وفي الموت، ويمكن مشاهدة أفلام وثائقية علمية عن الطبيعة والإنسان، ومشاهدة حلقات برامج العلم والإيمان.

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عند تناول الطعام يربط بين نعمة الله وشكرها وتذكر الآخرة والنار، فكان يدعو قبل تناول الطعام قائلاً: “اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار بسم الله”.

وعند الانتهاء: “الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين”.

وعندما كان ينظر في المرآة يقول: “اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي وحرم وجهي على النار”.

3-فوائد أخرى

  • عتاب الله للنبي صلى الله عليه وسلم دليل على أن القرآن من عند الله وليس من عند محمد.
  • العتاب هو إثبات للفارق بين مقام الألوهية ومقام النبوة، ويمثل حصانة للمسلمين من أن يقعوا في مثل ما وقع فيه النصارى بأن خلطوا بين الألوهية والنبوة وزعموا أن عيسى إله أو ابن إله.
  • أشارت الآيات لوصف الملائكة (سفرة – كرام – بررة – بأيديهم كلام الله)، ومعرفة الملائكة ووصفها وعملها من متطلبات الإيمان.
  • كشفت الآيات عن بعض ملامح يوم القيامة: صيحة صاخبة تصم الآذان – المرء يفر من أقرب الناس إليه – وجوه مضيئة ضاحكة مستبشرة – وأخرى عليها غبرة ترقها ذلة وظلمة.
  • نبهت الآيات إلى ضوابط يرعها الدعاة إلى الله ومنها: الاهتمام بالمقبلين على الله وأصحاب السعي والخشية، وعدم تجاهل أمثال هؤلاء.
  • الآيات فيها تنبيه لجانب من فن عتاب الأحبة بأسلوب رقيق، فقد جاء وصف السلوك السلبي بضمير الغائب، ثم عاود التوجيه بضمير المخاطب، وهذه الطريقة من أساليب فن الحوار المتقدم.

واجبات:

1-التدريب على الهمة العالية (الرغبة والسعي إلى الله مع الخشية – ومقاومة الكسل ومغالبة الأعذار).

2-الاهتمام بحسن تقدير المقبلين على الله، وحبهم في الله.

3-مشاهدة برامج وأفلام وثائقية عن الإنسان والطبيعة والطعام.

4-الدعاء عند الطعام والنظر في المرآة.

توصيات:

  • من تدريبات الهمة والسعي: احرص على حضور صلوات الجماعة من بداية تكبيرة الإحرام لمدة أربعين يوماً متواصلة مع الاستزادة من صلوات النوافل والحفاظ على أدعية ختام الصلاة.
  • احرص على طلب العلم إما بسماع دروس أو بحضور مدارس القرآن أو قراءة كتاب كاملاً، أو بمتابعة برنامج تلفزيوني لأحد العلماء أو الدعاة إلى الله، (اختر الوسيلة وحدد المعدل المناسب الدوري ثم قيّم مستوى سعيك وهمتك).
  • احفظ أدعية الصباح والمساء حتى يسهل لك انتظام الورد اليومي للذكر.
  • تعرف على أصحاب الهمم الذين يخشون الله ، واجعلهم من خاصة إخوانك وأحبابك في الله، واطلب منهم النصيحة والتذكرة والوصية.

3 تعليقات

  1. بارك الله فيكم

  2. بارك الله فيكم ونفع بكم

  3. اللهم تقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.