الخميس , أغسطس 18 2022

بيعة العقبة الأولى والثانية

في هذه المادة نتناول أحداث بيعة العقبة الأولى والثانية من كتاب السيرة النبوية عرض حقائق وتحليل أحداث للدكتور علي الصلابي باختصار وتصرف.

قد يهمك:

banar_group

 بيعة العقبة الأولى والثانية

مواكب الخير وطلائع النور

الاتصالات الأولى بالأنصار في مواسم البيت:

1- إسلام سويد بن الصامت:

كان له شرفه وشعره ونسبه وجلده، فدعاه النبي صلى الله عليه إلى لله الإسلام.

فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي؟

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما الذي معك؟”

قال: مجلة لقمان، فقال: “اعرضها علي”، فعرضها عليه

فقال صلى الله عليه وسلم: “إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله عليّ، هو هدى ونور”، فتلا عليه  فأسلم، ثم عاد إلى المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج يوم بعاث.

2- إسلام إياس بن معاذ:

قدم أبو الحيسر بن رافع مكة، ومعه فتيان فيهم إياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً،

وجاءوا يلتمسون حلفاً من قريش ضد الخزرج،

فعرض النبي صلى الله عليه وسلم عليهم الإسلام، فقال: “هل لكم في خير مما جئتم له”؟

قالوا: وما ذاك؟

 قال: “أنا رسول الله إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا وأنزل عليَّ الكتاب”، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن،

فقال إياس: هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر حفنة  تراب، ألقاها وجه إياس، فصمت إياس.

 وقال الحيسر: دعنا منك، فلقد جئنا لغير هذا،وعاد  إياس إلى المدينة ولم يلبث أن مات.

بدء إسلام الأنصار:

 كانت البداية المثمرة مع وفد من الخزرج مكون من 6 أفراد: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث ، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله.

فأقبل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم  عقبة منى قال لهم: “من أنتم؟” قالوا: نفر من الخزرج.

 قال”: أمن موالي يهود؟”

 قالوا: نعم.

 قال: “أفلا تجلسون أكلمكم؟”

 قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا .

 فقال بعضهم لبعض: يا قوم: تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأمنوا وصدقوا وقبلوا من النبي صلى الله عليه وسلم ما عرض ،

ثم قالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.

كانت هذه اللحظات نقطة التحول الحاسم في التاريخ، فهذا أول موكب من مواكب النور آمنوا ، وأخذوا العهد أن يدعو إليه قومهم، ونشطوا وعرضوا على أهلهم وذويهم.

 بيعة العقبة الأولى

وبعد عام عادوا في الموسم وكانوا 12 رجلاً (2 أوس 10خزرج ) بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة من بنود 5 وهى:

لا شرك – لا سرقة – لا زنا – ولا قتل للأولاد – لا بهتان لا معصيه في معروف.

ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير يعلمهم الدين ويقرئهم القرآن و يؤمهم في الصلاة،

فقد كان مصعب حافظاً للقرآن  لديه لباقة وهدوء، وحسن الخلق وحكمة، فضلاً عن قوة إيمانه وحماسته للدين.

وتمكن مصعب خلال أشهر أن ينشر الإسلام في سائر بيوت المدينة،  ويكسب أنصارًا من كبار زعمائها كسعد بن معاذ وأسيد بن حضير،  فأسلم بإسلامهما خلق كثير. 

ونزل مصعب على أسعد بن زرارة ،وقاد الحركة الدعوية الرائدة لمنهج القرآن المعتمدة على الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

 إسلام أسيد بن حضير وسعد بن معاذ:

كان أسيد ومعاذ سيدَي قومهما من بني عبد الأشهل،

فلما سمعا بنشاط مصعب قال سعد لأسيد: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين (مصعب وأسعد)  اللذين أتيا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدمًا.

 فأخذ أُسيد حربته وأقبل عليهما، فلما رآه أسعد قال لمصعب: هذا سيد قومه، وقد جاءك فاصدق الله فيه،

فقال مصعب: إن يجلس أكلمه، فوقف أسيد متشتمًا

فقال: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة،

فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته نكف عنك ما تكره؟

قال أسيد: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس عليها،

فكلمه مصعب وقرأ عليه القرآن، فظهر الإسلام في وجه أسيد قبل أن يتكلم، فكان وجهه مشرقاً مستهلاً،

ثم قال :كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟

قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين،

ثم قال لهما: إن ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكم الآن: سعد بن معاذ.

تابع:

 وانصرف أسيد إلى سعد وقومه في ناديهم،

فقال سعد: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.

فلما أقبل قال سعد: ما فعلت؟

قال أسيد: كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما،

فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك.

فقام سعد مغضبًا مبادرًا مخوفًا بني حارثة، وأخذ الحربة في يده،

ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا،

ثم خرج إليهما فوجدهما مطمئنين فعرف أن أسيد إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتمًا،

وقال لأسعد: والله يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره،

فقال مصعب: أَوَتقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره،

فقال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الإسلام، وقرأ القرآن، وظهر الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم. فلما أسلم عاد إلى قومه في ناديهم وقال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟

قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا وأيمننا نقيبة،

قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله،

فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة.

 فوائد ودروس:

1- اتجه التخطيط النبوي للتركيز على يثرب، بعد الدور الكبير للنفر الستة.

2- هناك عدة عوامل ساعدت على انتشار الإسلام في المدينة منها:

  • ما طبع الله عليه قبائل الأوس والخزرج من الرقة واللين وعدم المغالاة في الكبرياء وجحود الحق.
  • هلاك زعماء الأوس والخزرج في الحرب بينهما ولم يتبقَ إلا القيادات الشابة الجديدة المستعدة لقبول الحق والراغبة في لم شمل المدينة.
  • علمهم المسبق من اليهود أن هذا زمن خروج الرسالة. 

3- حضر البيعة  2 من الأوس، فقد استطاع النفر الستة تجاوز الصراعات الداخلية، ووفوا بالتزاماتهم الداعمة لرأب الصدع.

4- بذل النبي صلى الله عليه وسلم جهداً لتعبئة الطاقات في المدينة والذي استمر عامين من الدعوة والتنظيم.

5- تمكن الإيمان من نفوس الأنصار وشعروا بوجوب عدم ترك النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وضرورة هجرته وقيام الدولة.

6- وصل مصعب  إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبيل الموسم لينقل له الصورة كاملة عن أوضاع المسلمين هناك، وأنهم جاهزون لبيعة جديدة قادرة على حماية النبي صلى الله عليه وسلم .

7- حضر الموسم في  13 من البعثة، بضع وسبعون نفسًا وتمت اتصالات سرية انتهت  إلى اتفاق على الاجتماع في أوسط أيام التشريق عند العقبة في سرية تامة في ظلام الليل.

بيعة العقبة الثانية

 خرج الوافدون من يثرب وكانوا بضع وسبعون بينهم امرأتان للحج، وتوعدوا خلا ل الاتصالات السرية مع النبي أن يجتمعوا سراً أوسط أيام التشريق ليلاً.

فلما مضى ثلث الليل خرجوا من رحالهم يتسللون تسلل القطا (أطراف الأصابع) حتى اجتمعوا عند العقبة،

ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه العباس بن عبد المطلب، وكان يومئذ على دين قومه.

فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله علام نبايعك؟

قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة.

تابع:

فلما قاموا يبايعونه أخذ أسعد بن زرارة يده،

فقال: رويدًا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبينة فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله.

 قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدًا، ولا نتركها أبدًا،

فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر،

فقاطعه أبو الهيثم بن التيهان متسائلا: يا رسول الله، إن بيننا وبين القوم حبالاً، وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيتم إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدَعنا؟

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: “بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم”.

 وهكذا بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة والنصرة والحرب؛ لذلك سماها عبادة بن الصامت بيعة الحرب.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم”، فأخرجوا منهم 9 من الخزرج و3 من الأوس. 

وطلب الرسول صلى الله عليه وسلم منهم الانصراف إلى رحالهم،

وسمعوا الشيطان يصرخ منذرًا قريشًا،

فقال العباس بن عبادة: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنَّ على أهل منى غدًا بأسيافنا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالك”

فرجعوا إلى رحالهم، وفي الصباح جاءهم جمع من كبار قريش، يسألونهم عما سمعوه للنبي صلى الله عليه وسلم ودعوتهم له للهجرة، فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا والمسلمون ينظرون إلى بعضهم.

 دروس وعبر وفوائد: 

1- هذه البيعة هي فتح الفتوح لأنها فهي الحلقة الأولى في سلسلة الفتوحات التي تتابعت مشدودة بهذه البيعة، وبما فيها من عهود ومواثيق مع أقوى طليعة من طلائع أنصار الله.

2- ظهر أثرالإيمان في نفوس هؤلاء،

  فهم على استعداد لبذل أرواحهم ودماءهم في سبيل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، دون مكسب أو منصب أو قيادة أو زعامة سوى الجنة،

ترى أنهم أفنوا أعمارهم عشرات السنين يتصارعون على الزعامة.

3- ظهور التخطيط العظيم والمحكم والدقيق على النحو التالي: 

أ- سرية الحركة والانتقال والوقت المتأخر بعد النوم والمكان بعيد عن الأعين.

ب- خرجوا يتسللون رجلاً رجلاً، أو رجلين رجلين.

ج- السرية على موعد ومكان الاجتماع لم يعلمه سوى العباس، وعلي بن أبي طالب الذي كان عينًا للمسلمين على رأس الشِّعب، وأبو بكر على راس الطريق وما عداهم لا يعلمون شيئًا، وقد أمر المبايعين أن لا يرفعوا الصوت، وأن لا يطيلوا في الكلام.

د- متابعة الإخفاء بالرجوع إلى الرحال، وعدم المواجهة المسلحة .

هـ- اختيار الليلة الأخيرة في الحج، فينفر الحجيج في ظهر اليوم التالي فلا تتوفر فرصة لقريش على اعتراضهم أو تعويقهم .

4- كانت البنود الخمسة كانت واضحة ولا تحمل  التمييع.

5- استجابة قائد الأنصار دون تردد، وأن السيادة لم تعد لأحد غير الرسول صلى الله عليه وسلم.

6- صراحة أبو الهيثم بن التيِّهان، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم العظيم أنه منهم وهم جزء منه.

تابع:

7- اختيار النقباء:

لم يخترهم النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، ولكن ترك لهم ذلك.

التمثيل النسبي: 9 خزرج 3 أوس .

أنهم مسئولين ومشرفين على الدعوة، فلم يكن هناك حاجة ليبعث معهم أحد.

8- تأكد زعماء مكة من حقيقة الصفقة،

فطاردوا سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو،

فأدركوا سعد فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، وأدخلوه مكة يضربونه،

فأنقذوا وأجاره المطعم بن عدى والحارث بن أمية لأنه كان يجير تجارتهم بيثرب، فأنقذته أعراف الجاهلية، وليس سيوف المسلمين.

9- “لم نؤمر بذلك” فالحرب خاضعة لأمر الله و تشريعاته، وإن أمر الإقدام أو الإحجام متروك لنظر المجتهدين بعد التشاور ودراسة جميع جوانبه.

10- بالبيعة امرأتان نسيبة بنت كعب (أم عمارة) وأسماء ابنة عمرو من بني سليمة وبايعتا دون مصافحة،

فأما نسيبة فقد خرجت مع زوجها يوم أحد وأصيبت اثنا عشر جرحًا، وكان معها السقاء تسقي به المسلمين،

فلما انهزم المسلمون انحازت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسكت السيف تباشر القتال، وتذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف حتى أصيبت بجراح عميقة، كما شهدت بيعة الرضوان، وقطع مسيلمة الكذاب ابنها إربا إربا فما وهنت وما استكانت،

وشهدت معركة اليمامة في حروب الردة مع خالد بن الوليد فقاتلت حتى قطعت يدها وجرحت اثني عشر جرحا،

وأما أسماء فقيل: أنها والدة معاذ بن جبل، أي التي أنجبت أعلم الأمة بالحلال والحرام (وقيل أنها ابنة عمه).

11- المتابع لسير الذين بايعوا يجد أن قرابة ثلثهم قد استشهدوا، وأن نصفهم شهدوا كل المشاهد مع رسول الله وأما الذين شهدوا بدراً فكانوا قرابة السبعين.

 لقد صدقوا عهدهم مع الله ورسوله، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من بقى وساهم في قيادة الأمة، وكانوا مثالاً للنماذج التي تعطي ولا تأخذ، وتقدم كل شيء، ولا تطلب إلا الجنة، ويتصاغر التاريخ في جميع عصوره ودهوره أن يحوي في صفحاته، أمثال هؤلاء الرجال.

 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.