الخميس , أغسطس 18 2022

الطواف على القبائل طلباً للنصرة

نتناول في هذه المادة أحداث  الطواف على القبائل طلباً للنصرة من كتاب السيرة النبوية للدكتور على الصلابي باختصار وتصرف.
قد يهمك:
banar_group

الطواف على القبائل طلباً للنصرة

بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف. بدأ يعرض نفسه على القبائل في المواسم يشرح الإسلام، ويطلب النصرة والإيواء حتى يبلغ كلام الله.

 وكان يتحرك في المواسم التجارية ومواسم الحج وفق خطة محددة الأهداف.

وكان يصاحبه أبو بكر الصديق (المتخصص في معرفة الأنساب).

 وكانا يقصدان غرر الناس ووجوه القبائل.

 وكان أبو بكر يسأل عن العدد فيهم؟ وكيف المنعة فيهم؟ وكيف الحرب فيهم؟ قبل أن يتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرض دعوته.

وعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل قبيلة قبيلة.

 يقول: من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي؟ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي.

وكان أبو لهب وراءه يقول للناس: لا تسمعوا منه فإنه كذاب.

 وقد تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للأذى من بعض الناس، فمنهم من تفل في وجهه، ومنهم من حثا عليه التراب، ومنهم من سبه، وقد أقبلت ابنته زينب وهي جارية وضيئة بإناء من ماء لأبيه ليغسل وجهه ويديه،وقال: “يا بنية لا تخشي على أبيك غلبة ولا ذلة”.

وكان أبو جهل وأبو لهب يتناوبان على أذية النبي صلى الله عليه وسلم عندما يعرض نفسه في الأسواق والمواسم، وكان يجد منهما عنتًا كبيرًا.

كيف واجه النبي صلى الله عليه وسلم هذه المكائد:

1- مقابلة القبائل ليلاً:

لتجنب الدعاية المضادة، وقد أسفر ذلك عن نجاح الاتصال فيما بعد بالأوس والخزرج ،ومن ثم بيعتا العقبة .

2- الذهاب إلى منازلهم:

 ليبتعد عن مطاردة قريش، ويتفاوض بلا تشويش.

3- اصطحاب الأعوان:

 أبو بكر وعلي، لألا يظن أحد أنه صلى الله عليه وسلم وحيد، بالإضافة لخبرة أبي بكر بأنساب العرب.

4- التأكد على الحماية قبل أن يوجه لهم الدعوة:

ليكون الأمر واضحاً بتبعاته.

المفاوضات مع بني عامر:

 قبيلة بني عامر كبيرة العدد وعزيزة الجانب، وهي إحدى القبائل الخمس التي لم يمسها سباء، ولم تتبع ملك، ولم تؤد إتاوة، مثلها مثل قريش وخزاعة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن بينها وبين ثقيف تضاد قديم، ومعلوم ما فعلته ثقيف بالنبي صلى الله عليه وسلم حينما طردته من الطائف، وبالتالي فإذا تحالفت بنو عامر مع النبي صلى الله عليه وسلم فسيكون موقف ثقيف على خطر، وكان بنو عامر يدركون هذا.

 فحينما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بني عامر قال له رجل منهم : والله لو أني أخذت هذا الفتى لأكلت به العرب، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟

 قال: “الأمر لله يضعه حيث يشاء”.

فقال له: أَفَنُهدفُ نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمير لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه .

  المفاوضات مع بني شيبان:

أتى النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعلى بن أبي طالب على مجلس عليه السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فقال: من القوم؟

قالوا: شيبان بن ثعلبة.

 فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: بأبي وأمي، هؤلاء غُرَر الناس، وفيهم مفروق قد غلبهم لسانًا وجمالاً، ثم قال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟

 فقال مفروق: إنا لا نزيد على الألف ولن تغلب ألف من قلة.

 قال : وكيف المنعة فيكم؟

قال: إنا لأشد ما نكون غضبًا حين نلقى، وأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله يديلنا مرة، ويديل علينا أخرى، لعلك أخو قريش؟

فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فها هو ذا.

فقال مفروق: إلام تدعونا يا أخا قريش؟

 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني عبد الله ورسوله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشًا قد تظاهرت على الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد”.

فقال مفروق، وإلام تدعو أيضًا يا أخا قريش؟ فوالله ما سمعت كلامًا أحسن من هذا.

فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ “. الأنعام 151.

فقال مفروق: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك، ثم رد الأمر إلى هانئ بن قبيصة، فقال: وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا.
 فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى تركنا لديننا، واتباعنا لدينك لمجلس جلست إلينا لا أول له ولا آخر لذل في الرأي، وقلة نظر في العاقبة إن الزلة مع العجلة، وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدًا، ولكن نرجع وترجع وننظر، وكأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا.

 فقال المثنى (وقد أسلم بعد ذلك): قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك، وإنا إنما نزلنا بين صَرَيَين أحدهما اليمامة والآخر السَّمامة.

 فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما هذان الصريان”.

 قال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى، فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثًا ولا نؤوي محدثًا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا.

 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه”؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم فلك ذاك.

 فوائد ودروس:

  1. من يحمل الدعوة لن يستطيع التحرك الفعال بدون حماية، لذلك طلب النبي صلى الله عليه وسلم الحماية بعدما فقد حماية عمه.
  2. كان عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل بأمر من الله وليس من اجتهاد نفسه.
  3. حصر طلب النصرة في زعماء القبائل، وذوي الشرف والمكانة ممن لهم أتباع.
  4. رفض النبي صلى الله عليه وسلم إعطاء ضمانات من الحكم والسلطان مقابل النصرة، فالشرط هو الإخلاص لله، وليس رغبة في سلطان أو مصلحة.
  5. من صفة النصرة أن يكونوا غير مرتبطين بمعاهدات دولية تتناقض مع الدعوة حتى لا يعرضها للخطر.
  6. لا ينصر هذا الدين إلا من حاطه من جميع جوانبه، فمن يسبر أغوار السياسة البعيدة يرَ بُعد النظر النبوي .
  7. كان موقف بني شيبان يتسم بالإريحية والخلق والرجولة الوضوح في العرض، وتحديد مدى قدرتهم على الحماية، وأن أمر الدعوة مما تكرهه الملوك، وشاء الله أن تحمل هذه القبيلة ( بعد إسلامها) ابتداء عبء مواجهة الملوك، وكان المثنى هو الذي قاد فتوح العراق، وقتال الفرس.

قد تهمك هذه الموضوعات:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.