الخميس , أغسطس 18 2022

هجرة النبي وصاحبه الصديق

نتناول في هذه المادة هجرة النبي وصاحبه الصديق من كتاب السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للدكتور على محمد الصلابي.

هجرة النبي وصاحبه الصديق باختصار وتصرف.

قد يهمك:

banar_group

هجرة النبي وصاحبه الصديق 

فشل خطة المشركين والترتيب النبوي الرفيع:

 فشل خطة المشركين لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم:

بعدما فشلت قريش في منع الصحابة من الهجرة رغم بشاعة أساليبهم أدركت خطورة هجرة النبي وخافوا على مصالحهم الاقتصادية، وكيانهم الاجتماعي  فاجتمعوا في دار الندوة للتشاور في كيفية القضاء على قائد الدعوة .

تشاورت قريش فقال بعضهم: أثبتوه بالوثائق وقال بعضهم: اقتلوه، وقال بعضهم: أخرجوه منفياً مطروداً،

فاختاروا قتله بتنفيذ فتية من القبائل جميعاً ليتفرق دمه في القبائل.  

اطلع الله نبيه على كيد قريش وأذن له في الهجرة فأحبط الله كيدهم قال تعالى” وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ”. الأنفال 30

  الترتيب النبوي للهجرة

عندما أراد أبو بكر الهجرة قال له صلى الله عليه وسلم لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً،

 فاشترى أبو بكر راحلتين وجهزهما.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بيت أبا بكر أحد طرفي النهار، فلما أذن له بالهجرة تلثم وخرج في الظهيرة (التي لا يأتي فيه أحد) إلى أبى بكر فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لأمر حدث.

 فلما دخل بيت أبي بكر، قال: له أخرج عني من عندك.

 فقال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي (عائشة وأسماء) هما ذاك، فداك أبي وأمي!

قال: إنه قد أذن لي في الخروج والهجرة.

 فقال: الصحبة يا رسول الله؟

 قال: الصحبة.

 فبكي أبو بكر من شدة فرحه،

 ثم قال: يا نبي الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا،

فاشترط النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر أن يأخذ ثمنها واستقر الثمن ديناً في ذمته.

تابع هجرة النبي وصاحبه الصديق :

واستأجرا عبد الله بن أريقط (وكان مشركاً) يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاها لميعادهما.

وقامت عائشة وأسماء بتجهيز جهزهما، وصنعتا سفرة في جراب،

وقامت أسماء بقطع نطاقها نصفين وربطت بأحدهما فم الجراب، لذا سميت بذات النطاقين.

أمر النبي صلى الله عليه وسلم على بن أبي طالب أن ينام مكان النبي صلى الله عليه وسلم على فراشه ويأخر هجرته حتى يرد الودائع.

كان الخروج من باب خلفي في بيت أبي بكر، وانطلقا نحو الجنوب عكس اتجاه المدينة حتى وصلا إلى غار ثور ومكثا فيه 3 ليالٍ.

كان عبد الله بن أبي بكر غلام، وكان يبيت عندهم في غار ثور ويرجع في السحر، فيصبح مع قريش بمكة يسمع ما يكيدون به، ثم يذهب ليلاً إلى الغار فينبؤهما الخبر.

 كان عامر بن فهيرة مولي أبي بكر يرعى الغنم خلف من يسير إلى الغار حتى يزيل أثار الأقدام، وكان يقدم اللبن للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في الغار.

وبعد ثلاث ليالي خرجا من الغار في اتجاه طريق الساحل ( ساحل البحر الأحمر) ومعهما بن فهيرة وبن أريقط ، وكانا قد اتفقا مع بن أريقط على الموعد في اليوم التالي.

 لم يعلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا على وأبو بكر وآله (أسماء وعائشة) وعبد الله.

رِقة النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه:

وقف النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه بالحزورة في سوق مكة، وقال: “والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت”.

ولما انتشرت قريش في الأنحاء تقتفي أثر الرسول ووصلوا إلى الجبل ومروا بالغار، فرأوا عليه نسيج العنكبوت،

 فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسيج العنكبوت على بابه “وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ”. المدثر: 31

وقال أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم وهما داخل الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا،

فقال: “ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟ “

  خيمة أم معبد:

وبعد ثلاث ليالٍ في الغار وبعد ما هدأ الطلب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه من الغار وكانا قد استأجرا رجلاً كدليل للطريق إلى لمدينة غير الطريق المعتادة واتفقا معه أن يأتي لهما بعد الليالي الثلاث ومعه الراحلتين،

 وفي الطريق إلى المدينة مر النبي صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد (عاتكة بنت كعب الخزاعية) في موضع قريب من مكة يبعد عن الطريق المعتاد نحو 8 كيلو متر.

وأقبل الرحل (النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وبن أريقط وابن فهيرة) فسألوها لحماً وتمراً ليشتروا منها بعدما نفد زادهم فلم يجدا عندها شيئاً.

فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة بجانب الخيمة،

فقال: “ما هذه الشاة يا أم معبد؟”

قالت: خلفها الجهد عن الغنم،

 قال: “فهل بها من لبن؟”

قالت: هي أجهد من ذلك،

قال: “أتأذنين أن أحلبها؟”

قالت: بلى بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلباً فاحلبها.

فمسح النبي صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها، وسمى الله ودعا لها في شاتها، ففتحت الشاة ما بين رجليها للحلب وأنزلت اللبن وطلب النبي صلى الله عليه وسلم بإناء فحلب فيه ثم سقى أم معبد وسقى أصحابه ثم شرب بعدهم ثم عاود الحلب مرة ثانية حتى ملئ الإناء ثم بايعها وارتحلوا.

فلما جاء زوجها ورأى اللبن،

قال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد، والشاة عازب ولم تحمل؟

قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا.

 قال: صفيه لي يا أم معبد.

وصف النبي صلى الله عليه وسلم:

 قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة(الجمال)، أبلج الوجه (مشرق الوجه)، حسن الخلق، لم تعبه نحلة( أي ليس نحيلاً) ولا تزر به صعلة(رأسه ليست صغيرة ) وسيم، في عينيه دعج( شدة السواد والبياض)، وفي أشفاره وطف(شعر جفنه طويل )، وفي صوته صهل( بحه) وفي عنقه سطع( طول العنق) وفي لحيته كثاثة، أزج( شعر حاجبه طويل)، أقرن( متصل ما بين الحاجبين)، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما(علا قدره ) وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصل لا هذر ولا نزر( الهزر: مالا فائدة فيه، والنزر: القليل )، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربع( ليس بالطويل ولا بالقصير) لا يأس من طول( لا يجاوز الناس طولاً) ولا تقتحمه العين من قصر( لا تحتقره) غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود( مخدوم)، محشود( يجتمع الناس حوله)، لا عابس ولا مُفنَّد( ليس به عبس في الوجه أو جهل أو قلة عقل).

قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً.

سراقة بن مالك يلاحق رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أعلنت قريش أنه من يأتي بمحمد صلى الله عليه وسلم حيًّا أو ميتًا، فله مائة ناقة.

 وكان سراقة بن مالك يطمع في ذلك، فبينما هو جالس في أحد مجالس قومه جاء رجل يقول

 يا سراقة إني رأيت أَسْوِدة بالساحل (الرجل الذي يرى من بعيد أسود) أُراهم محمداً وأصحابه، فعرف سراقة أنهم هم.

لكنه قال: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا.

 ثم انتظر سراقة قليلاً ثم قام فأمر جاريته أن تخرج له بفرسه من وراء أكمة(رابية) وتربط الفرس فيه، ثم أخذ سراقة رمحه وخرج من ظهر بيته وركب فرسه وانطلق حتى اقترب من الركب النبوي.

 ولما اقترب من النبي صلى الله علبيه وسلم عثرت فرسي وسقط على الأرض،

فأخرج الأزلام (أقداح مكتوب عليها افعل أو لا تفعل)، فاستقسم بها (يجرى قرعة) فخرجت (لا تفعل).

ورغم أن سراقة يؤمن بالأزلام إلا أنه عصاها وركب فرسه وعاود اللاحق بالنبي صلى الله عليه وسلم.

  ولما اقترب منه وسمع تلاوته ورأى النبي صلى الله عليه وسلم لا يلتفت، بينما أبو بكر كثير الالتفات، غاصت فرسه في الرمال حتى ركبتيها وسقط سراقة،

 فقام يزجر الفرس حتى قامت وخرج من رجلها دخان كثيف ساطع في السماء.

فاستقسم مرة أخرى بالأزلام، فخرجت النتيجة بلا تفعل.

فنادى سراقة بالأمان ووقف النبي وصحبه.

وأدرك سراقة أن النبي صلى الله عليه وسلم سيظهر أمره في الناس.

فعرض على النبي أن يمدهم بالزاد والمتاع،

فرفض النبي صلى الله عليه وسلم، ثم طلب منه أن يخفي عنهم ولا يخبر أحد.

تابع سراقة بن مالك يلاحق رسول الله صلى الله عليه وسلم::

 فسأل سراقة النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاب آمن.

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عامر بن فهيرة أن يكتب له في رقعة.

 وقال النبي صلى الله عليه وسلم ارجع ولك سواري كسرى.

وقد تحققت معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد عمر بن الخطاب.

عندما فتح بلاد فارس وجاءت الغنائم وكنوز كسرى ومن بينها سواريه.

 ودعي سراقة وقال: له ارفع يدك والبسهما يا سراقة،

فانطلق سراقة وهو يهتف في الناس الله أكبر، الحمد الله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابياًّ من بني مدلج.

وهكذا بعدما كان سراقة يريد الفوز بمائة ناقة ويسلم النبي لكفار مكة،

تتقلب الأمور ويرد الناس ألا يطلبوا البحث عنه، ثم أعطاه الله من كنوز كسرى.

 استقبال الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

لما سمع المسلمون بالمدينة بخروج النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا كل يوم ينتظرونه لا يردهم إلا حر الظهيرة.

 فلما رجعوا إلى بيوتهم صعد من يهود على حصن، فرأى الرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعيد عليهم ثياب بيض، فنادى بأعلى صوته: يا معاشر العرب هذا جدكم (صاحب دولتكم) الذي تنتظرون،

فثار المسلمون إلى أسلحتهم واستقبلوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين من شهر ربيع الأول.

 ونزل في بني عمرو بن عوف في قباء وبنى فيه مسجداً وبعد أن قضى المدة وأراد أن يدخل المدينة بعث إلى الأنصار، فجاءوا وحفوا النبي صلى الله عليه وسلم بالسلاح.

 وعندما دخل المدينة قال الناس جاء نبي الله جاء نبي الله.

وكان يوم فرح وابتهاج لم تر المدينة يوماً مثله، ولبس الناس أحسن ملابسهم فقد أصبحت المدينة موطناً للإسلام.

وعندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم صعد الرجال والنساء فوق البيوت وتفرق الغلمان والخدم في الطرق ينادون يا محمد يا رسول الله، يا محمد، يا رسول الله.

ونزل النبي صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب الأنصاري لحين بناء المسجد وبيت النبي.

 ومنذ تلك اللحظات وقد بدأت تحديات ومصاعب تغلب عليها النبي صلى الله عليه وسلم حتى صنع حضارة إنسانية على أسس التقوى والعدل والشورى حتى تغلبت على أقوى دولتين كانت تحكمان في العالم وهي الفرس والروم.

المزيد من الموضوعات:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.