الثلاثاء , أغسطس 9 2022

سورة المدثر 1 : 30 | تفسير وشرح ودروس

فيما يلي تفسير وشرح ودروس سورة المدثر 1 : 30 ضمن سلسلة تدبر القرآن الكريم التي كتبها أحمد السيد، والتي تتضمن دروساً وفوائد من الآيات مع واجبات ووصايا نهاية السورة.

قد يهمك:

سورة المدثر 1 : 30 | تفسير وشرح ودروس

معاني كلمات سورة المدثر:

المدثر المتغطي في ثيابه
الرجس الآثام من شرك وأوثان
نقر في الناقور أي نفخ في الصور أو البوق
سأرهقه سأحمله مشقة فوق الطاقة
عبس قطب وجهه
بسركلح بوجهه
صقر جهنم

شرح سورة المدثر:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30).

يا أيها المتغطي بثيابه انهض، قم فأنذر، فلا وقت للنوم، هناك أهوال وعذاب وحساب وعقاب، والناس في غفلة، قم فحذر.

وربك فكبر، فهو أكبر من أن يكون له شريك من الأصنام أو الجن أو غيرها، وهو أكبر من كل ما يشغلك في حياتك، فكبره بالعبادة وعظمه بالطاعة والتذلل، انصب قدميك بين يديه، واركع واسجد للعظيم الأعلى.

كبره بالذكر والتسبيح، والتحميد والتهليل، كبره بالتوكل عليه وباليقين والثقة فيه، كبره بالقلب وباللسان، وبالجوارح والوجدان.

وثيابك فطهر، واجعلها مظهراً لطهارة البدن والقلب والخلق.

والرجس فاجهر، اعتزل الآثام ولا تشارك فيها، اهجر الأصنام والأوثان والمساوئ والمنكرات.

ولا تمنن تستكثر، لا تمن على الله بجهدك، ولا تمن على الناس بفضلك، ولا تنظر لأعمالك نظرة المستكثر، اجعلها خالصة لوجه الله، وكن وجلاً تخشى عدم قبولها.

ولربك فاصبر، فطاعة الله تحتاج لصبر، وتجنب المعصية يحتاج لصبر، والنوازل والابتلاءات تحتاج لصبر، والأذى الناتج عن الدعوة والإنذار يحتاج لصبر، فالطريق طويل والمهمة ثقيلة، فلا تجذع ولا تطرد ولا تغضب ولا تفتر.

فإذا نقر في الناقور ونفخ في البوق، فذلك يومئذ يوم عسير، على الكافرين غير يسير.

دعني ومن خلقته في بطن أمه وحيداً بلا مال أو ولد، ثم جعلت له مالاً كثيراً ممدوداً، وبنين شهود على نعمة الله عليه، ومهدت له تمهيداً، وبسطت له بسطة في العيش، ثم يطمع أن أزيد!

هل يطمع فيما عند محمد من نعمة النبوة والحكم والكتاب؟

هل يطمع في الفوز بالجنة؟

كلا .. لن يصل إلى طمعه، إنه كان لآياتنا عنيداً، يعرف الحق ويستكبر عن اتباعه، ويوهم نفسه أنه قادر على محاربة هذا الدين.

سأرهقه صعوداً، سيحمل مشقة متصاعدة فوق الطاقة.

إنه عاجز فاشل، فكر وقدر مكيدة بالدعوة، فقتل تفكيراً في كيفية إحكام المكيدة، ثم قتل تفكيراً في كيفية حبك المكيدة، ثم نظر وأعاد النظر، فوجدها غير محكمة وغير محبوكة، ثم عبس وبسر، فقطب جبينه وكلح بوجهه وشعر بالإرهاق المتصاعد، ولم يصل إلى نتيجة، فعاد لنقطة الصفر.

ورغم أنه انتهى إلى لا شيء وأيقن أن القرآن ما هو بشعر ولا سحر وكهانة إلا أنه أدبر وأدار ظهره للحقيقة، واستكبر أن يعترف بها، فقال:

ما هذا إلا سحر منقول عن غيره، ما هذا إلا قول البشر.

سأصليه صقر، وما أدراك ما صقر؟

لا يمكنك أن تدرك حقيقة صقر، إنها جهنم لا تبقي ولا تذر، لا تترك لحماً أو عظماً، لا تترك شقياً ولا معاند، لا تترك كافراً ولا مستكبر، إنها تمسح مسحاً وتأكل أكلاً، وتبطش بطشاً.

إنها تلوح للبشر ليحذروا نارها، ويتقوا عذابها، ويجتنبوا شرها، ويهابوا جحيمها، إنها نار على تسعة عشر.

دروس وفوائد من سورة المدثر:

(1) أسباب النزول

إن معرفة أسباب النزول تزيد المسلم فهماً بنصوص القرآن الكريم.

وقد اختلفت الروايات في توقيت نزول السورة، فقيل أن مطلع السورة نزل أول البعثة وبقية السورة بعد الجهر بالدعوة، وقيل أن الآيات كلها نزلت بعد الجهر، والقول الأول هو الأرجح.

1- بدء الدعوة:

قال المفسرون ما ملخصه أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل في غار حراء بالآيات “اقرأ باسم ربك”، وهي أول ما نزل من القرآن، فرجع بيته يرتجف فؤاده فقال لخديجة: زملوني زملوني فنزلت “يا أيها المزمل قم الليل …”.

ثم فتر الوحي فترة، وبينما النبي صلى الله عليه وسلم يمشي سمع صوتاً من السماء، فرفع رأسه فإذا جبريل جلس على كرسي بين السماء والأرض، ففزع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: دثروني دثروني، فأنزل الله “يا أيها المدثر قم…”.

وشمر النبي صلى الله عليه وسلم عن عزمه ونهض ينذر، وبدأ بأهل بيته وأقرب الناس إليه ممن يتوسم فيهم الإجابة، ثم في مرحلة تالية راح ينذر عشيرته الأقربين، ثم راح ينذر عموم الناس وكل من يلتقيه، ثم في مرحلة تالية راح ينذر الملوك والحكام والأمراء.

2- الوليد بن المغيرة:

هو أحد كبراء قريش وكان يلقب ب “الوحيد”، “ريحانة قريش”، فقد أنعم الله عليه بالمال والبنين، له مال كالنهر المتدفق، وله بستان في الطائف لا ينقطع ثمره صيفاً ولا شتاءً، لكنه كفر بأنعم الله وجحد بآياته، وتصدى مع غيره أمر مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن ودعوة الإسلام كبراً وحسداً.

وفيه نزل قوله تعالى: “ذرني ومن خلقت وحيداً …”.

وقيل إنه أيضاً الذي نزل فيه: “ولا تطع كل حلاف مهين” في سورة القلم.

كانت قريش قد اجتمعت لتنظيم حرب إعلامية لتشويه دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بدء موسم الحج، وقاد الاجتماع الوليد بن المغيرة، فقال: يا معشر قريش إنه قد حضر الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً.

فقالوا: فأنت أبا عبد شمس! فقلْ، وأقِمْ لنا رأياً نقول به.

قال: بل أنتم فقولوا أسمع.

فقالوا: نقول: كاهنٌ.

فقال: ما هو بكاهن، لقد رأيت الكُهَّانَ، فما هو بزمزمة الكاهن، ولا سَجْعه.

فقالوا: نقول: مجنونٌ.

فقال: ما هو بمجنونٍ، لقد رأينا الجنونَ، وعرفناه، فما هو بخَنْقِه، ولا تَخالُجِه، ولا وَسْوَسَتِه.

فقالوا: نقول: شاعرٌ.

فقال: ما هو بشاعرٍ، قد عرفنا الشِّعر برجزه، وقريضه، ومقبوضة، ومبسوطة، فما هو بالشِّعر.

قالوا: فنقول ساحرٌ.

قال: ما هو ساحر، لقد رأينا السُّحَّار، فما هو بِنَفْثِهِمْ، ولا عَقْدِهِمْ.

قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟

قال: والله! إنَّ لقوله لحلاوةً، وإن أصله لعَذقٌ( نخلة) ، وإن فرعه لجناة( ما يجنى من الثمر)، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرِف أنه باطل، وإن أقرب القول لأن تقولوا: ساحر، فقولوا: ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته.

ثم طلب الوليد منهم مهلة يفكر فيها للغد لأجل الوصول إلى فكرة أفضل وأحكم.

وقضى الوليد ليلة يفكر ويقدر وينظر ويعيد النظر في مشهد البائس العاجز، فلم يصل في النهاية لشيء، فعاد لقومه بنفس الرأي أن يقولوا ساحر.

وقد عبر القرآن الكريم عن مشهد الوليد بصورة ساخرة ” إنه فكر وقدر …”.

(2) المقومات الرئيسية للداعي

1- الهمة:

“يا أيها الدثر قم”، فالداعي ينفض غطاء النوم، ويودع الراحة، ويغالب الكسل والفتور والأعذار، وينهض بعزم وهمة وإرادة ونشاط، ويعمل ليل نهار، فالأمر جد، والعبء ثقيل، والواجبات أكثر من الأوقات.

وقد قيل: رجل ذو همة يحي أمة.

2- الإنذار:

“قم فأنذر”، فالداعي ينذر الناس أهوال القيامة وعذاب جهنم، ويوقظ الناس من غفلتهم، فالدنيا دار اختبار، ويدعو الناس للإيمان والعمل الصالح للنجاة من الخطر العظيم، إنها صقر، لا تبقي ولا تذر.

والإنذار هو العنوان البارز للدعوة إلى الله، فعلى الداعي أن يكون إنذاره واضحاً بيناً، لا يضيع الدعوة ولا ينشغل بالأمور الفرعية عن القضية الرئيسية.

3- التكبير:

“وربك فكبر”، والتكبير يعني إعلاء كلمة الله، والتكبير يكون بالقلب واللسان كما هو بالعبادة والأخلاق والسلوك والمعاملات.

التكبير يعني تعظيم الله، فالله أكبر من كل أحد ومن كل شيء ومن كل قيمة ومن كل حقيقة.

التكبير يعني أنه لا كبير نعبده إلا الله، ولا عظيم نخشاه إلا الله، ولا ذو سلطان نرجوه إلا الله.

التكبير يعني تعظيم كلام الله، وشعائر الله، والالتزام بأوامر الله، واجتناب ما نهى الله.

التكبير يعني الاستجابة لنداء الله ” الله أكبر” وترك ما سواه.

التكبير يعني ترطيب القلب واللسان بذكر “الله أكبر” في الصباح وفي المساء، وفي كل أحوال اليوم والليلة.

4- التطهر:

“وثيابك فطهر”، وطهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب والخلق والعمل، طهارة الذات التي تحتويها الثياب.

والتطهر عملية مستمرة، فالأدران على الثياب والأبدان تحتاج لغسل دوري، والأخلاق تحتاج لتقويم وتخلق، والقلب يحتاج لتجديد الإيمان دورياً،

وعلى الداعي أن يهتم بحسن المظهر كما يهتم بحسن الجوهر.

5- هجر الرجس:

“والرجس فاهجر”، وأصل الرجس أي العذاب، وتستخدم للتعبير عن موجبات العذاب، ويقصد بها الآثام والمنكرات والفواحش وسائر اللغو كالذي يغضب الله.

وعلى الداعي أن يخالط الناس ولا يخالط المنكرات والآثام فلا يشارك فيه، فالمفاصلة واجبة.

لا يشارك في واد المنكر والفحش، ولا يجالس في مجالس اللغو، ولا يعرض نفسه للشبهات التي تضر به وبدعوته.

6- عدم المن:

“ولا تمنن تستكثر”، فلا يوهم نفسه أنه قد أدى ما عليه ويستكثر جهده وأعماله وإنجازاته، ويمن بها على الله أو الناس.

إن الداعي يبذل ما يبذل ابتغاء وجه الله، لا يفعل لأجل شهرة أو ثناء، بل يشعر بالوجل، فقلبه يخشى ألا يتقبل الله منه.

7- الصبر:

“ولربك فاصبر”، فالداعي سيتعرض لما يثير الغضب والغيظ، كما سيتعرض لصعوبات وإخفاقات وصدود وإعراض وغير ذلك، لذا فهو مطالب بالصبر والثبات فلا يفزع ولا يركن.

(انظر درس الصبر الجميل في سورة المعارج)

ملاحظات:

  • هذه المقومات هي متطلبات أساسية في الداعي إلى الله، إذا نقص منها واحدة أثر ذلك سلباً على الدعوة.
  • وهذه المقومات اتسمت بالشمول وقد تناولت المحاور التالي:

*الدعوة والحركة: قم فأنذر.

العقيدة والعبادة: وربك فكبر.

السلوك والأخلاق: طهر \ اهجر \ لا تمنن \ اصبر.

  • وهذه المقومات قد نزلت آياتها – على أرجح الروايات – بعد آيات الإعداد لتحمل القول الثقيل: “قم الليل \ ورتل القرآن \ واذكر اسم ربك وتبتل \ فاتخذه وكيلاً \ واصبر \ واهجرهم هجراً جميلاً”.
  • يقول حسن البنا:

إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا، أو من الفئة التي تدعو إليه- على الأقل- إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور:

إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به، وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره

واجبات:

1- الاطلاع على أحداث السيرة النبوية لفهم النصوص القرآنية.

2- الالتزام بمقومات الداعي إلى الله (الهمة -الإنذار – التكبير – التطهر – هجر الرجس – عدم المن – الصبر).

توصيات:

النهوض بالدعوة إلى الله والمشاركة بالجهود والنشطات الدعوية.

الأسئلة

1- ما معنى:

المدثر – نقر في الناقور – سأرهقه – عبس – بسر – صقر.

2- اذكر باختصار أسباب نزول آيات سورة المدثر؟

3- اذكر باختصار المقومات الرئيسية للداعي إلى الله في سورة المدثر؟

تدبر جزء عمّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.