السبت , فبراير 4 2023

قصة الإمام مالك بن أنس

نقدم لكم قصة الإمام مالك بن أنس ، وفيها من هو الإمام مالك؟ وهل هو ابن الصحابي أنس بن مالك؟ وماهي نشأته وصفاته الشكلية والخلقية؟ ودعم أمه له، ونبؤة النبي صلى الله عليه وسلم له، وكذلك شيوخه ودرسه في المسجد النبوي وفي بيته، ومحنته في العصر العباسي، ومن أقواله المأثور وكذلك أقوال العلماء فيه، وميلاده وفاته، وتحميل كتاب الموطأ.

قد يهمك:

قصة الإمام مالك بن أنس

من هو الإمام مالك:

هو شيخ دار الهجرة ثاني الأئمة الأربعة: أبو عبد الله مالك بن أَنس بن مالك بن أَبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان.

الإمام مالك بن أنس ليس ابن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، فلا صلة ولا قرابة بينهما في النسب، أمه العالية بنت شريك الأزدية.

ولد سنة 93هـ في خلافة الوليد بن عبد الملك وقد ولد في نفس العام الذي مات فيه الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، في المدينة المنورة وقد كانت في عصره مهداً للعلم، إذ كان بها عدد من التابعين، وكان جده مالك بن أبي عامر من كبار التابعين وعلمائهم، فكانت أسرته من الأسر المشهورة بعلم الحديث وأخبار الصحابة وفتاويهم.

صفاته الجسدية (الشكلية):

كان الإمام مالك طويلاً جسيماً عظيم الهامة، شديد البياض مائل للشقرة، أصلع، أزرق العينين، وكان يأخذ أطراف شاربه لا يحلقه ولا يحفيه، ولم يكن يخضب شعره.

قال عيسى بن عمر المدني: “ما رأيت بياضاً قط أحسن من وجه مالك، وكان عظيم اللحية عريضها.

وكان الإمام مالك يعتنى بمظهره ولباسه تعظيماً للعلم والعلماء الذي يحمله.

كان يقول: إن مروءة العالم أن يختار الثوبَ الحسنَ يرتديه ويظهر به، وأنه ينبغي ألا تراه العيون إلا بكامل اللباس حتى العمامة الجيدة.

ويقول أيضاً: ما أُحب لأحد أنعم الله عليه إلا أن يُرى أثرُ نعمته عليه.

ويقول: أحب للقارئ أن يكون أبيض الثياب.

قال الزبيري: كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد، والخراسانية والمصرية المرتفعة البِيض، ويتطيب بطيب جيد.

صفاته الخلقية:

قوة الحفظ:

كان قوي الذاكرة يحفظ الأحاديث عندما تتلى عليه لأول مرة.

الصبر:

كان الإمام مالك صبوراً مثابراً، غالَبَ الفقر، وكان يقاوم الحر والبرد أمام بيوت العلماء لينال من علمهم.

كان يقول: «لا يبلغ أحد ما يريد من هذا العلم حتى يضر به الفقر، ويؤثره على كل حال».

الذكاء والفراسة

قال الإمام الشافعي في فراسته: لما سِرتُ إلى المدينة ولقيت مالكاً وسمع كلامي، نظر إلي ساعةً، وكانت له فراسة، ثم قال لي: ما اسمك؟، قلت: «محمد»، قال: «يا محمد، اتق الله، واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك الشأن من الشأن».

الهيبة والوقار:

كان الإمام مالك ذا هيبة ووقار يهابه الكبير والصغير حتى الخلفاء، فصار له بهيبته نفوذ أكبر من نفوذ واليها، ومجلس أقوى تأثيراً من مجلس السلطان.

روي أنه كان في مجلسه مع أبي جعفر المنصور، وإذا صبي يخرج ثم يرجع، فقال أبو جعفر: “أتدري من هذا؟، قال: لا، قال: هذا ابني، وإنما يفزع من شيبتك”.

روي أن الخليفة المهدي دعاه، وقد ازدحم الناس بمجلسه، ولم يبق موضع لجالس، حتى إذا حضر مالك تنحى الناس له حتى وصل إلى الخليفة، فتنحى له عن بعض مجلسه، فرفع إحدى رِجليه ليفسح لمالك المجلس.

قال ابن الماجشون: “دخلت على أمير المؤمنين المهدي، فما كان بيني وبينه إلا خادمه، فما هبته هيبتي مالكاً”.

وقال سعيد بن أبي مريم: لقد كانت هيبته أشد من هيبة السلطان.

نشأته وشيوخه:

حفظ الإمام مالك القرآن الكريم في صغره، ثم اتجه إلى حفظ الحديث، ودعمته أمه في ذلك عندما أراد أن يكون مغنياً فأرشدته بطريقة لطيفة للاتجاه للفقه، يقول الإمام مالك:

“نشأتُ وأنا غلام، فأعجبني الأخذ عن المغنين، فقالت أمي: يا بني، إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يُلتَفَت إلى غنائه؛ فدع الغناء واطلب الفقه. فتركت المغنين وتبعت الفقهاء، فبلغ الله بي ما ترى”.

وذكر لأمه يوماً أنه يريد أن يذهب فيكتب العلم، فألبسته أحسن الثياب وعممته، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن، وكانت تقول: «اذهب إلى ربيعة ( أحد حفاظ الحديث وفقيه مجتهد) فتعلم من أدبه قبل علمه»، فأخذ عنه فقه الرأي وهو صغير وكان حريصاً على استحفاظ ما يكتب

ثم لزم ابن هرمز 7 أو 8 سنوات لم يخالطه بغيره.

قال الامام مالك: انقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين لم أخلطه بغيره، وكنت أجعل في كمي تمراً، وأناوله صبياناً وأقول لهم: «إن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا مشغول».

وقال ابن هرمز يوماً لجاريته: “من بالباب؟، فلم تر إلا مالكاً، فرجعت فقالت: ما ثم إلا ذاك الأشقر، فقال: ادعيه فذلك عالم الناس”.

وكان مالك ينتظر على باب هرمز طويلاً فاتخذ تياناً (وسادة )محشواً للجلوس ليتقي برد الحجر.

وكان يقول: وكنت آتي ابن هرمز بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل.

ثم بحث عن شيخ جديد فوجد في نافع مولى ابن عمر بغيته، فجالسه مع مجالسة ابن هرمز وأخذ عنه علماً كثيراً.

قال الإمام مالك: “كنت آتي نافعاً نصف النهار، وما تظلني الشجرة من الشمس أتحيَّن خروجه، فإذا خرج أدعه ساعة، كأني لم أره، ثم أتعرض له فأسلم عليه وأدعه، حتى إذا دخل أقول له: كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟، فيجيبني، ثم أحبس عنه، وكان فيه حدة”.

كما أخذ الإمام مالك عن ابن شهاب الزهريي.

قال مالك: قدم علينا الزهري فأتيناه ومعنا ربيعة، فحدثنا نيفاً وأربعين حديثاً، ثم أتيناه في الغد، فقال: انظروا كتاباً حتى أحدثكم، أرأيتم ما حدثتكم به أمس؟، قال له ربيعة: ههنا من يرد عليك ما حدثت به أمس، قال: ومن هو؟، قال: ابن أبي عامر، قال: هات، فحدثته بأربعين حديثاً منها، فقال الزهري: ما كنت أرى أنه بقي أحد يحفظ هذا غيري”.

كان يتلقى الأحاديث النبوية وهو جالساً في حالة من الاستقرار والهدوء توقيراً لها وحرصاً على ضبطها، كان لا يدخر مالاً في سبيل طلب العلم.

قال ابن القاسم: أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نَقض سقف بيته فباع خشبه، ثم مالت عليه الدنيا من بعد.

كان يعمل بالتجارة، فقد قال تلميذه ابن القاسم: إنه كان لمالك أربعمئة دينار يتجر بها، فمنها كان قوام عيشه.

كما كان الإمام مالك يقبل هدايا الخلفاء،كان يراها انصافاً لأهل المروءة، ولا يأخذ من دونهم.

وقد سئل عن الأخذ من السلاطين فقال: “أما الخلفاء فلا شك، يعني أنه لا بأس به، وأما من دونهم فإن فيه شيئاً”.

وروى أن الخليفة هارون الرشيد أجاره بثلاثة آلاف دينار، فقيل له: يا أبا عبد الله، ثلاثة آلاف تأخذها من أمير المؤمنين!، فقال: لو كان إمام عدل فأنصف أهل المروءة لم أر به بأساً”.

درسه في المسجد النبوي:

عندما انتهى من الدراسة اتخذ له مجلساً في المسجد النبوي للدرس والإفتاء، وكان ذلك في نفس المكان الذي كان يجلس فيه عمر بن الخطاب فيه للشورى والحكم والقضاء، وهو أيضاً المكان الذي كان يوضع فيه فراش النبي صلى الله عليه وسلم عند اعتكافه.

وكان اختيار ذلك المكان ليقتفي أثرهم كما كان يسكن في دار عبد الله بن مسعود ليقتفي أثره.

وقال في بيان حاله عندما نزعت نفسه إلى الدرس والإفتاء: “ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس، حتى يشاوِر فيه أهلَ الصلاح والفضل والجهة من المسجد، فإن رأوه لذلك أهلاً جلس، وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني موضع لذلك”.

وأما أصول المذهب المالكي فهي: القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، وعمل أهل المدينة، والقياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والعرف والعادات، وسد الذرائع، والاستصحاب.

وقد التزم الإمام مالك في درسه الوقار والسكينة

فكان يقول: “حق على من طلب العلم أن يكون فيه وقار وسكينة وخشية، أن يكون متبعاً لآثار من مضى، وينبغي لأهل العلم أن يخلوا أنفسهم من المزاح، وبخاصة إذا ذكروا العلم”.

قال الواقدي في مجلس درسه: “كان مجلسه مجلس وقار وعلم، وكان رجلاً مهيباً نبيلاً، ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ولا رفع صوت، وإذا سُئل عن شيء فأجاب سائله لم يقل له من أين هذا”.

وقال عبد الله بن المبارك: كنت عند مالك وهو يحدثنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلدغته عقرب بست عشرة مرة ومالك يتغير لونه ويصفر ولا يقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغ من المجلس وتفرق الناس قلت: يا أبا عبد الله، لقد رأيت اليوم منك عجباً؟»، فقال: نعم، إنما صبرت إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

درسه في منزله:

قد أصيب الإمام مالك بمرض فنقل درسه إلى بيته بدلاً من المسجد، ولم يخبر أحداً بهذا المرض إلا يوم وفاته.

فقال: “لولا أني في آخر يوم ما أخبرتكم، مرضي سلس بول، كرهت أن آتي مسجد رسول الله بغير وضوء، وكرهت أن أذكر علتي فأشكو ربي.

ويصف مطرفٌ تلميذ الإمام مالك حاله عندما انتقل درسه إلى بيته فيقول:

“كان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية، فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: أتريدون الحديث أم المسائل؟، فإن قالوا المسائل خرج إليهم فأفتاهم.

وإن قالوا الحديث قال لهم: اجلسوا، ودخل مغتسله، فاغتسل وتطيب ولبس ثياباً جدداً، ولبس ساجة وتعمم، وتُلقى له المنصة، فيخرج إليهم قد لبس وتطيب، وعليه الخشوع، ويوضع عودٌ فلا يزال يتبخر حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

ولقد قال عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجل مالكاً عن مسألة، وذكر أنه أُرسل فيها من مسيرة ستة أشهر من المغرب، فقال له: أخبر الذي أرسلك أن لا علم لي بها»، فقال: ومن يعلمها؟، قال: الذي علمه الله”.

وقال معن بن عيسى: سمعت مالكاً يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه”.

محنته:

نزلت بالإمام مالك محنة في العصر العباسي في عهد أبي جعفر المنصور، سنة 146هـ، أو 147هـ، وسببها أنه كان يحدث بحديث: “ليس على مستكره طلاق”.

فاتخذ البعض هذا الحديث حجة لبطلان بيعة أبي جعفر المنصور، فنُهي عن أن يحدث بهذا الحديث، ثم دُس إليه من يسأله عنه، فحدث به على رؤوس الناس، فضرب بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفاه، بأمر من والي المدينة جعفر بن سليمان ويقال أن الخليفة المنصور لم يكن يعلم بالأمر.

وقد سخط أهل المدينة على العباسيين وولاتهم عندما رأوا فقيههم وإمامههم ينزل به العذاب، خاصة أنه مظلوم فلم يكن الإمام مالك يحب الثورات ولا يحرض عليها ولا يخوض في فتنة ولم يتغير بعد الأزمة فلزم درسه كما كان قبل المحنة.

واعتذر له أبو جعفر المنصور عندما جاء حاجاً إلى الحجاز، قال الإمام مالك:

“لما دخلت على أبي جعفر، وقد عهد إلي أن آتيه في الموسم، قال لي: والله الذي لا إله إلا هو ما أمرتُ بالذي كان ولا علمتُه، إنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنتَ بين أظهرهم، وإني أخالك أماناً لهم من عذاب، ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة، فإنهم أسرع الناس إلى الفتن، وقد أمرت بعد والله أن يؤتى به من المدينة إلى العراق على قتب، وأمرت بضيق محبسه والاستبلاغ في امتهانه، ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما لك منه”.

فقلت: “عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه، قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته منك”.

قال: “فعفا الله عنك ووصلك”.

كتب الإمام مالك:

كتابه الموطأ كان أعظم مرجع في عصره وأقدمه.

قال القاضي عياض: “لم يُعتنَ بكتاب من كتب الفقه والحديث اعتناء الناس بالموطأ، فإن الموافق والمخالف أجمع على تقديمه وتفضيله وروايته وتقديم حديثه وتصحيحه، وقد اعتنى بالكلام على رجاله وحديثه والتصنيف في ذلك عدد كثير من المالكيين وغيرهم من أصحاب الحديث والعربية”.

قال الإمام الشافعي: “ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله عز وجل أنفع من موطأ مالك، وإذا جاء الأثر من كتاب مالك فهو الثُّريَّا”.

وقال الشافعي أيضاً: “ما بعد كتاب الله تعالى كتاب أكثر صواباً من موطأ مالك”.

وقال ابن مهدي: “لا أعلم من علم الإسلام بعد القرآن أصح من موطأ مالك”.

وقال ابن وهب: “من كتب موطأ مالك فلا عليه أن يكتب من الحلال والحرام شيئاً”.

وقال الإمام أحمد بن حنبل عن الموطأ: “ما أحسنه لمن تَديَّن به”.

ومن أشهر كتبه غير الموطأ: رسالته إلى ابن وهب في القدر والرد على القدرية، وكتابه في النجوم، وحساب مدار الزمان ومنازل القمر.

ومن كتبه أيضاً: رسالته في الأقضية للقضاه، ورسالته في الفتوى التي أرسلها إلى أبي غسان محمد بن مطرف، ورسالته في الآداب والمواعظ إلى هارون الرشيد ، وكتابه في التفسير لغريب القرآن الذي يرويه عنه خالد بن عبد الرحمن المخزومي، وكتاب السِّيَر من رواية القاسم عنه وغيرهم.

وفاته:

مرض الإمام مالك 22 يوماً، ثم مات وذلك سنة 179هـ، قيل في الليلة 14 من ربيع الثاني أو يوم 10 من ربيع الأول.

قال بكر بن سليم الصراف: دخلنا على مالك في العشية التي قبض فيها، فقلنا: “يا أبا عبد الله كيف تجدك؟”.

قال: “ما أدري ما أقول لكم، ألا إنكم ستعاينون غداً من عفو الله ما لم يكن لكم في حساب”.

قال: “ما برحنا حتى أغمضناه، وتوفي رحمه الله يوم الأحد لعشر خلون من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومئة”.

وقد صلى عليه أمير المدينة عبد الله بن محمد بن إبراهيم وحمل نعشه، وحضر جنازته ماشياً.

وكانت وصية الإمام مالك أن يُكفَّن في ثياب بيض، ويصلى عليه بموضع الجنائز، ونفذت وصيته، ودفن بالبقيع.

قد يهمك:

تحميل كتاب الموطأ

2 تعليقان

  1. ماشاء الله قصة رائعة

  2. الام مدرسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.