الجمعة , يناير 27 2023

قصة الإمام الشافعي (1)

نقدم لكم قصة الإمام الشافعي (1)، نسبه الشريف ومولده ونشأته، ورحلاته المتنوعة إلى البادية واليمن والعراق ومصر.

ثالث الأئمة الأربعة، صاحب النسب الشريف، الملقب بإمام قريش أو عالم قريش.

صاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضاً إمام في علم التفسير وعلم الحديث.

وقيل: إنه هو إمام قريش الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “عالم قريش يملأ الأرض علماً”.

قال الإمام أحمد: “كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس”.

قد يهمك:

قصة الإمام الشافعي (1)

نسب الإمام الشافعي ومولده:

هو الشافعي المطلبي القرشي صاحب النسب الشريف ابن عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

أمه فاطمة بنت عبد الله الأزدية اليمنية.

روي عن الشافعي 3 رويات في مكان مولده وهي غزة أو عسقلان أو اليمن سنة 150 هـ ولد في اليوم الذي توفي فيه أبو حنيفة.

قال الحافظ ابن حجر في الجمع بين الروايات السابقة:

“والذي يجمع بين الأقوال: أنه ولد بغزة عسقلان، لأن عسقلان هي الأصل في قديم الزمان، وهي وغزة متقاربتان، وعسقلان هي المدينة. ولما بلغ سنتين حولته أمه إلى الحجاز ودخلت به إلى قومها، وهم من أهل اليمن لأنها كانت أزدية، فنزلت عندهم، فلما بلغ عشراً خافت على نسبه الشريف أن يُنسى ويضيعَ فحوَّلته إلى مك

نشأته

نشأ الشافعي في أسرة فقيرة فقد مات أبوه وهو صغير، انتقلت أمه به وعمره سنتين إلى مكة خشية أن يضيع نسبه الشريف، ويقيم بين ذويه، ويتثقف بثقافتهم.

عاش الشافعي في مكة عيشة اليتامى الفقراء، بالرغم أنه نسبه الشريف، فقد عاش عيشة الفقراء إلى أن استقام عوده، وكان لذلك أثر عظيم في حياته وأخلاقه.

حفظ الشافعي القرآن الكريم وهو في سن 7 سنوات، ثم اتجه إلى حفظ الحديث النبوي، فحفظ موطأ الإمام مالك وعمره 10 سنوات.

قال الشافعي: “حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين”.

وكان الشافعي يحفظ الحديث بالسمع، ثم يكتبه على الخزف أو الجلود، وكان يذهب إلى الديوان يستوهب الظهور ( الظهور هي الأوراق التي كُتب في باطنها وترك ظهرها أبيض) ليكتب عليها.

قال الشافعي: “لم يكن لي مال، فكنت أطلب العلم في الحداثة، أذهب إلى الديوان أستوهب منهم الظهور وأكتب فيها”.

وقال: “طلبت هذا الأمر عن خفة ذات اليد، كنت أجالس الناس وأتحفظ، ثم اشتهيت أن أدون، وكان منزلنا بمكة بقرب شِعب الخَيْف، فكنت آخذ العظام والأكتاف فأكتب فيها، حتى امتلأ في دارنا من ذلك حبان”.

وقال أيضاً: “كنت يتيماً في حجر أمي، ولم يكن معها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي من أمي أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد، وكنت أجالس العلماء، فأحفظ الحديث أو المسألة، وكان منزلنا بمكة في شِعب الخَيْف، فكنت أنظر إلى العظم فأكتب فيه الحديث أو المسألة، وكانت لنا جرة عظيمة، إذا امتلأ العظم طرحته في الجرة”.

رحلته إلى البادية:

اتجه الشافعي إلى التفصح في اللغة العربية بعد حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية، فخرج إلى البادية، ولزم قبيلة هذيل أفصح العرب.

قال الشافعي: “إني خرجت عن مكة، فلازمت هذيلاً بالبادية، أتعلم كلامها، وآخذ طبعها، وكانت أفصح العرب، أرحل برحيلهم، وأنزل بنزولهم، فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار، وأذكر الآداب والأخبار».

ولقد بلغ من حفظه لأشعار الهذليين وأخبارهم حتى قال الأصمعي وله مكانة عالية في: “صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس”.

قال مصعب بن عبد الله الزبيري:

“قرأ علي الشافعي رضيَ الله عنه أشعار هذيل حفظاً ثم قال: “لا تخبر بهذا أهل الحديث فإنهم لا يحتملون هذا”.

قال مصعب: وكان الشافعي رضيَ الله عنه يسمر مع أبي من أول الليل حتى الصباح ولا ينامان، وكان الشافعي رضيَ الله عنه في ابتداء أمره يطلب الشعر، وأيام الناس، والأدب، ثم أخذ في الفقه بعد.

وقال مصعب أيضاً: “كان سبب أخذه أنه كان يسير يوماً على دابة له، وخلْفه كاتبٌ لأبي، فتمثل الشافعي رضيَ الله عنه بيت شعر، فقرعه كاتبُ أبي بسوطه ثم قال له: “مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا، أين أنت من الفقه؟”، فهزه ذلك، فقصد لمجالسة الزنجي بن خالد مفتي مكة، ثم قدم علينا فلزم مالك بن أنس رحمَه الله.

عودته إلى مكة والإذن له بالإفتاء:

لما عاد الشافعي إلى مكة تابع طلب العلم من كل الفقهاء والمحدثين، فبلغ مبلغاً عظيماً، حتى أذن له مسلم بن خالد الزنجي ( مفتي مكة) بالفتيا وهو دون 20 عاماً.

قال مسلم بن خالد الزنجي للشافعي: “أفت يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتي”.

رحلته إلى المدينة المنورة:

هاجر الشافعي إلى المدينة المنورة في طلب العلم عندما انتشر صيت إمام المدينة مالك بن أنس.

قال الشافعي: “فارقت مكة وأنا ابن أربع عشرة سنة، لا نبات بعارضي من الأبطح إلى ذي طوى، فرأيت ركباً فحملني شيخ منهم إلى المدينة، فختمت من مكة إلى المدينة ست عشرة ختمة، ودخلت المدينة يوم الثامن بعد صلاة العصر، فصليت العصر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذت بقبره، فرأيت مالك بن أنس رحمه الله متزراً ببردة متشحاً بأخرى، فلما رأيت ذلك هبته الهيبة العظيمة”.

قال الإمام مالك للشافعي قال له: يا محمد اتق الله، واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن، إن الله قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بالمعصية.

قال الشافعي: قدمت على مالك وقد حفظت الموطأ ظاهراً، فقلت: “إني أريد أن أسمع الموطأ منك، فقال: اطلب من يقرأ لك، وكررت عليه فقلت: لا، عليك أن تسمع قراءتي، فإن سهل عليك قرأت لنفسي، قال: اطلب من يقرأ لك، وكررت عليه، فقال: اقرأ، فلما سمع قراءتي قال: اقرأ، فقرأت عليه حتى فرغت منه.

وحكى الإمام أحمد عن الشافعي: “كان فصيحاً”،

وقال ابن كثير: “وكذلك كان حسن الصوت بتلاوة القرآن”.

قال الإمام مالك عندما قرأ عليه الشافعي الموطأ: “إن يك أحدٌ يفلح فهذا الغلام”.

لزم الشافعي الإمام مالك يتفقه عليه، ويدارسه المسائل التي يفتي فيها الإمام، حتى مات الإمام مالك سنة 179 هـ.

رحلته إلى اليمن:

مات الإمام مالك، وقد نال الشافعي من العلم الكثير، وكان حتى ذلك الوقت فقيراً، اتجه إلى عمل يكتسب منه ويمنع خصاصته.

قدم إلى مكة المكرمة والي اليمن، فكلمه بعض القرشيين في أن يصحبه الشافعي، فأخذه الوالي معه.

يقول الشافعي:

“ولم يكن عند أمي ما تعطيني ما أتحمل به، فرهنت داراً فتحملت معه، فلما قدمنا عملت له على عمل”.

شاع ذكر الشافعي يتحدث الناس باسمه فقد وجدوا فيه عدلاً لا سبيل إلى الاستيلاء على نفسه بالمصانعة والتملق مثل الآخرين.

قال الشافعي:

“وليت نجران وبها بنو الحارث بن عبد المدان، وموالي ثقيف، وكان الوالي إذا أتاهم صانعوه، فأرادوني على نحو ذلك فلم يجدوا عندي”.

رحلته إلى بغداد ومحنته:

كان لنجران والي ظالم، فكان الشافعي ينصحه وينهاه وينقده.

فأخذ ذلك الوالي يكيد له بالدس والوشاية لهارون الرشيد وقد اتهم الشافعي بأنه من العلويين وقد كان العباسيين يعادوهم ويقتلوهم.

أرسل والي نجران لهارون الرشيد وقال:

“إن تسعة من العلوية تحرَّكوا ،إني أخاف أن يخرجوا، وإن ها هنا رجلاً من ولد شافع المطلبي لا أمر لي معه ولا نهي، يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه المقاتل بسيفه”.

فأرسل الرشيد أن يَحضر النفر التسعة من العلوية ومعهم الشافعي سنة 184 هـ والشافعي يبلغ 34 عاماً.

ويقال أنه قتل التسعة، وقد نجا الشافعي بقوة حجته، وشهادة القاضي محمد بن الحسن الشيباني.

قال الشافعي لهارون الرشيد:

“يا أمير المؤمنين، ما تقول في رجلين أحدهما يراني أخاه، والآخر يراني عبده، أيهما أحب إلي؟

قال: الذي يراك أخاه.

قال: “فذاك أنت يا أمير المؤمنين، إنكم ولد العباس، وهم ولد علي، ونحن بنو المطلب، فأنتم ولد العباس تروننا إخوتكم، وهم يروننا عبيدهم”.

سأل الرشيد محمد بن الحسن الشيباني عن الشافعي فقال: “له من العلم حظٌ كبير، وليس الذي رُفع عليه من شأنه، قال الرشيد: “فخذه إليك حتى انظرَ في أمره”.

نزل الشافعي عند محمد بن الحسن، الذي يلقب بحامل فقه العراقيين وناشره، وأخذ الشافعي يدرس فقه العراقيين وبذلك اجتمع له فقه الحجاز وفقه العراق، (اجتمع له الفقه الذي يغلب عليه النقل، والفقه الذي يغلب عليه العقل).

قال ابن حجر: “انتهت رياسة الفقه في المدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه في العراق إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حملاً، ليس فيه شيء إلا وقد سمعه عليه، فاجتمع علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصَل الأصول، وقعَّد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره حتى صار منه ما صار”.

قال الشافعي: “أنفقت على كتب محمد بن الحسن ستين ديناراً، ثم تدبرتها، فوضعت إلى جنب كل مسألة حديثاً (يعني: رداً عليه)”.

كان الشافعي يعتبر نفسه من صحابة مالك، ومن فقهاء مذهبه، وحملة موطأه، يحامي عليه ويذب عنه ويدافع عن فقه أهل المدينة،

فكان يناظر أصحاب شيخه محمد ويدافع عن فقه الحجازيين وطريقتهم، وكان لا يناظر محمداً نفسَه إعظاماً لمكانته فطلب منه أن يناظره، فاستحيا وامتنع، وأصر محمد، فناظره في مسألة كَثرر استنكار أهل العراق فيها لرأي أهل الحجاز، وهي مسألة الشاهد واليمين، فناقشه فيها الشافعي ويقول الرواة من الشافعية أن الغلبة كانت للشافعي.

عودته إلى مكة ووضع أصول الفقه:

عاد الشافعي إلى مكة، ومعه من كتب العراقيين الكثير، وأخذ يلقي دروسه في الحرم المكي، والتقى بالكثير من العلماء في موسم منهم الإمام أحمد بن حنبل، وقد وجده من غلتقى به من العلماء عالماً هو نسيج وحده.

فقد ظهر الشافعي بفقه جديد مزيج من فقه المدينة، وفقه العراق، وخلاصة عقل الشافعي الذي أنضجه علم الكتاب والسنة، وعلم اللغة العربية وأخبار الناس والقياس والرأي، فكانت له طريقة في الفقه لم يسبق بها.

رحلته الثانية إلى بغداد:

سافر الشافعي للمرة الثانية إلى بغداد سنة 195 هـ،وقد كانت معقل الفقهاء جميعاً أنذاك بعد خفوت ضوء المدينة بعد وفاة الإمام مالك، وقد صار ببغداد أهل الرأي وأهل الحديث معاً.

كتب الشافعي كتاب الرسالة الذي يعد أول كتاب صنف في أصول الفقه وقد وضع به الأساس لعلم أصول الفقه، وقد كتبه مرتين، الأولى في بغداد، والثانية في مصر.

جاء الشافعي إلى بغداد بطريقة في الفقه لم يسبق بها و جاء يحمل قواعد كلية ليست مسائل جزيئة فقط، فأتاه العلماء والمتفقهون، وطلبه المحدثون وأهل الرأي جميعاً.

وقد روي أن عبد الرحمن بن مهدي التمس من الشافعي وهو شاب أن يضع له كتاباً يذكر فيه شرائط الاستدلال بالقرآن والسنة والإجماع والقياس وبيان الناسخ والمنسوخ ومراتب العموم والخصوص، فوضع الشافعي كتاب الرسالة وبعثه إليه، فلما قرأه عبد الرحمن بن مهدي قال: “ما أظن أن الله عز وجل خلق مثل هذا الرجل”.

أخذ الشافعي ينشر بالعراق تلك الطريقةَ الجديدةَ التي استنها، ويجادل على أساسها، وينقد مسائل العلم على أصولها، ويؤلف الكتب وينشر الرسائل، ويتخرج عليه رجال الفقه.

رحلته إلى مصر:

لم يطب للشافعي المقام ببغداد في خلافة عبد الله المأمون وقد قرب إليه المعتزلة وكلن الشافعي ينفر منهم ومن مناهجهم، فلم يرضى الشافعي البقاء معهم فقرر الرحيل إلى مصر سنة 199 ه، ومات فيها سنة 204 ه ولم يكن لمصر مكانة علميةٌ كمكانة بغداد أو تقاربها. لكن واليَها عباسيٌ هاشميٌ قرشيٌ.

قال ياقوت الحموي: “وكان سبب قدومه إلى مصر أن العباس بن عبد الله بن العباس بن موسى بن عبد الله بن عباس دعاه، وكان العباس هذا خليفة لعبد الله المأمون على مصر”.

روي عن الربيع بن سليمان أنه قال: قال لي يوماً (يقصد الشافعي): “كيف تركت أهل مصر؟،

فقلت: تركتهم على ضربين: فرقةٌ منهم قد مالت إلى قول مالك، وأخذت به واعتمدت عليه وذبَّت عنه وناضلت عنه، وفرقة قد مالت إلى قول أبي حنيفة، فأخذت به وناضلت عنه”.

فقال: أرجو أن أقدم مصر إن شاء الله، وآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعاً.

قال الربيع: “ففعل ذلك والله حين دخل مصر”.

قال ياسين بن عبد الواحد: لما قدم علينا الشافعي مصر، أتاه جدي وأنا معه فسأله أن ينزل عليه، فأبى وقال: “إني أريد أن أنزل على أخوالي الأزد”، فنزل عليهم، قد ذكر الإمام أحمد أنه قصد متابعة السنة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة من النزول على أخواله

قال هارون بن سعد الأيلي: “ما رأيت مثل الشافعي، قدم علينا مصر، فقالوا: قدم رجلٌ من قريش، فجئناه وهو يصلي، فما رأيت أحسن صلاة منه، ولا أحسن وجها منه، فلما قضى صلاته تكلم، فما رأيت أحسن كلاما منه، فافتتنَا به”.

انتظروا الجزء الثاني من قصة الإمام الشافعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.