نزول الوحي

تتناول هذه المقالة نزول الوحي وأهم الأحداث والقضايا المرتبطة بهذه الحادثة من كتاب السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للدكتور محمد علي الصلابي.

قد تهمك:

banar_group

نزول الوحي

كان النبي (صلي الله عله وسلم) قد بلغ الأربعين، وكان يخلو في غار حراء، ويتفكر في الكون وخالقه، وفي نهار يوم الإثنين من شهر رمضان جاءه جبريل.

ونقل البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت أول ما بدئ به رسول الله (صلي الله عله وسلم) من الوحي الرؤية الصالحة في النوم، فكان لا يري رؤية إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتجنث (أي يتعبد) فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلي خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء.

فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: “اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم” العلق 1-3، فرجع بها الرسول الله (صلي الله عله وسلم) يرجف فؤاده، فدخل علي خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي.

فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (أي المثقل)، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي، ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي.

فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك.

فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا تري؟ فأخبره رسول الله (صلي الله عله وسلم) خبر ما رأى.

فقال له ورقة: هذا الناموس (أي جبريل) الذي نزل علي موسي، يا ليتني فيها جزعاً (أي شاباً قوياً)، يا ليتني كنت حياً إذ يخرجك قومك.

فقال رسول الله (صلي الله عله وسلم): أو مخرجي هم؟

قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلاَّ عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزرا.

ثم لم لبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي.

في هذه الأحداث قضايا هامة:

1-الرؤيا لصالحة:

أو الرؤيا الصادقة، هي أول ما بدئ به الوحي، وهي جزئ من 46 جزءاً من النبوة، وكانت مدة لرؤيا 6 أشهر قبل البعثة، وكان يرى الرؤيا في النوم فتجئ له في يقظة كاملة كما رآها في نومه.

ولعل من حكمة ذلك تمهيد لنزول الوحي، وليعتاد النبي علي ذلك.

2-الخلوة:

  • حبب إليه الخلوة ليتفرغ قلبه وعقله وروحه من مشاغل الحياة إلي مناجاة مبدع الكون وخالق الوجود، والتأمل والتفكر، فالغار في موقع يسمح له بمشاهدة السماء ويري مكة والكعبة من بعيد، وهذا لون من الإعداد الخاص.
  • أخذ أهل السلوك من هذا فكرة الخلوة مع الذكر في مرحلة من مراحل السلوك.
  • وقد سن النبي (صلي الله عليه وسلم) سنة الاعتكاف في كل رمضان.
  • ويستفيد أهل الدعوة أن يمنحوا لأنفسهم خلوة للمراجعة الشاملة تمهيداً لانطلاق مرحلة جديدة.

3-اقرأ:

  • أول ما نزل من القرآن “اقرأ” مع التنبيه لبدأ خلق الإنسان، وكرم الله عليه أن علمه ما لم يعلم.
  • العلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون بالكتابة بالبنان. [ابن كثير]
  • بداية الوحى إشادة بالقلم خطره، والعلم ومنزلته، وأن من أخص خصائص الإنسان العلم والمعرفة.
  • ·       “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات” المجادلة 11
  • ·       “قل هل يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون، إنما يتذكر أولوا الألباب” الزمر 9

4- الشدة ووصف الوحي:

  • ضم جبريل عليه السلام عليه السلام النبي (صلي الله عليه وسلم) بشدة، وضغط عليه مراراً، ولهذا دلالة للأمة أن دين الله الذي تتنعم به ما جاء إلا بشدة.

“إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً” المزمل 5

  • الضمة دليل علي أن الوحي كان في يقظة.
  • الرسول كان أمياً، لا يقرأ ولا يكتب، وهذا دليل علي حقيقة الوحي.
  • الرسول اشتهر بصدقه علي مدار الأربعين عاماً، وهذا دليل علي صدقه.

5- أنواع الوحي:

  1. الرؤيا الصادقة: لا يري رؤية إلا جاءت مثل فلق الصبح.
  2. الإلهام: ينفخ الملك في قلبه دون أن يراه.
  3. صلصلة الجرس: عن عائشة (رضي الله عنها) أن الحارث (رضي الله عنه) سأل رسول الله (صلي الله عليه وسلم): كيف يأتيك الوحي؟ فقال (صلي الله عليه وسلم): “أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد عليّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول”. رواه البخاري.
  4. الوحي: بلا وساطة كما كلم موسي وما حدث للنبي في المعراج.
  5. الملك: في صورته الحقيقية ويوحي للنبي.
  6. هيئة الرجل: يخاطبه وأحياناً يراه الصحابة.

6-أثر المرأة الصالحة في خدمة الدعوة:

  • موقف خديجة (رضي الله عنها) دل علي قوة قلبها، وهدوئها وسكينتها، وحسن تصرفها.
  • كان لخديجة سعة إدراك بأن من جُبل علي مكارم الأخلاق لا يخزيه الله أبداً، واستطاعت بفطرتها أن توقن أن من يصل الرحم ويحسن إلى الناس فهو من أصحاب المروءات ومن ذوي المكارم.
  • قامت خديجة (رضي الله عنها) بدور مهم في حياة النبي (صلي الله عليه وسلم) الذي وقفه الله لزوجة مثالية حملت معه أعباء الدعوة وساندته.
  • الدعاة بحاجة إلي زوجات كخديجة، فهم أصحاب رسالة ويحملون هم الإسلام وضياع الأمة وانتشار الفساد وشوكته، وما أصاب المسلمين من مؤامرات وظلم وإذلال، وما يصيب الدعاة من تشريد وتضيق وتنكير.

والدعاة مشغولون برسالتهم ويأخذون من راحتهم وأوقات زوجاتهم وأبنائهم ومن مالهم ووقتهم، ويحتاج لزوجة تدرك هذا وتتحمل معه  وتقف إلي جانبه، لا أن تقف عائقاً وشوكة في طريقه.

7-وفاء النبي (صلي الله عليه وسلم) لخديجة:

كان رسول الله (صلي الله عليه وسلم) مثالاً للوفاء ورد الجميل لأهله، وكان وفياً لخديجة في حياتها وبعد مماتها.

قالت عائشة (رضي الله عنها): ما غرت من أحد من نساء النبي (صلي الله عليه وسلم) ما غرت علي خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي (صلي الله عليه وسلم) يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة.

فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد. رواه البخاري

8- سنة تكذيب المرسلين:

  • “لم يأت رجل قط بمثل ما جاء به إلاّ عودي”.
  • بين الحديث سنة من سنن الأمم مع الرسل، “التكذيب والإخراج”.

9-فترة الوحي:

والصحيح أنها كانت أياماً، ليذهب ما كان (صلي الله عليه وسلم) وجده من الروع، وليحصل له التشوق إلي العود.

قد تهمك هذه الروابط:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.